الوصية وحدود الثلث

الثلث حدٌّ أعلى لا مستحبٌّ، والدين أسبق من الوصية، والوارث لا يُوصى له. ثلاث مسائل تُصحّح أكثر ما يُظنّ في هذا الباب.

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ
[البَقَرَة: 180]

الثلث حدٌّ أعلى، لا مقدارًا مستحبًّا

جاء النبي ﷺ يعود سعد بن أبي وقاص في مرضه بمكة، فسأله سعد أن يوصي بماله كله فمنعه، ثم بالشطر فمنعه، ثم بالثلث فقال:

«الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ»

رواه البخاري ومسلم — عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

فالثلث غايةٌ لا تُتجاوَز، ثم هو مع ذلك «كثير». ورواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا عليه: «لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبُعِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ». فالأولى النزول عن الثلث، لا بلوغه.

ولا وصية لوارث

«إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»

رواه أبو داود والترمذي — عن أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه

الدرجة: قال الترمذي: "وهو حديث حسن صحيح"

فمن له نصيب مفروض لا يُزاد عليه بوصية، لأن الله قد أعطاه حقه. وإن أوصى لوارث فالوصية موقوفة على إجازة بقية الورثة بعد الموت عند أكثر الفقهاء: إن أجازوها نفذت، وإن ردّوها بطلت. وأما الوصية لغير الوارث — كأولاد ابنٍ مات قبل أبيه، أو لجهة برّ — فهي ماضية في حدود الثلث.

والدين أسبق من الوصية

«أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ»

رواه مسلم — عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه

«نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ»

رواه الترمذي وابن ماجه — عن أبو هريرة رضي الله عنه

الدرجة: قال الترمذي: "هذا حديث حسن"

فقضاء الدين مقدَّم على تنفيذ الوصية، وكلاهما مقدَّم على أنصبة الورثة. ومن الدين ما كان لله — كزكاةٍ لم تُخرَج، أو كفارةٍ، أو حجٍّ وجب — وما كان للناس، ومنه المهر الذي لم تستوفه الزوجة.

ترتيب ما يُخرج من التركة

  1. مؤنة التجهيز: الكفن والدفن وما لا بدّ منه.
  2. الديون كلها، لله وللناس.
  3. الوصية، في حدود ثلث ما بقي بعد الدين، ولغير وارث.
  4. ثم تُقسَم البقية على الورثة بالفرائض.

وكتابة الوصية عملٌ ينبغي ألّا يُؤخَّر

أكثر ما يقع من النزاع في التركات سببه أن الميت لم يُبِن ما له وما عليه: دينٌ لا يعرفه أحد، أو أمانة عند غيره، أو مالٌ مشترك لم يُفرز. فكتابة بيانٍ موثَّق بالديون والأمانات والحقوق، ثم وصيةٍ في حدود الثلث لجهة برّ أو لغير وارث إن أراد، من أنفع ما يقدّمه المرء لأهله. ويُستحسن أن يُوثَّق عند الموثِّق أو المحكمة بحسب نظام البلد، حتى لا تكون ورقةً يُتنازع في صحتها.

أسئلة شائعة

هل الوصية واجبة على كل أحد؟+

الوصية بالمال لغير وارث مندوب إليها وليست فرضًا على كل أحد. وأما بيان الديون والأمانات التي على المرء فهذا مما يلزمه، لأن في إخفائه إضرارًا بأصحاب الحقوق وبالورثة.

هل يجوز أن أوصي لابنتي بأكثر من نصيبها لأنها محتاجة؟+

لا وصية لوارث إلا بإجازة بقية الورثة بعد الموت. وتوريث البنت ليس وصيةً أصلًا: نصيبها مفروض في الكتاب، يُعطى لها كاملًا. وأما التوسعة عليها فتكون في الحياة بعطية، مع مراعاة العدل بين الأولاد.

أوصى بأكثر من الثلث، فما الحكم؟+

ينفذ منها الثلث، وما زاد موقوف على إجازة الورثة: إن أجازوه نفذ، وإن ردّوه رُدَّ إلى الثلث.

ما «الوصية الواجبة» لأولاد الابن المتوفى؟+

هي اجتهاد قانوني معاصر أخذت به بعض البلدان لتوريث أولاد الابن الذي مات قبل أبيه، وفيها خلاف بين المعاصرين. والباب المتفق عليه أن يوصي الجد لهم في حياته في حدود الثلث، فتنفذ الوصية بلا إشكال.

حاسبة المواريث الشرعيةطبّق هذا الباب على مبلغ التركة، ورثةً ورثة

بقية أبواب الفرائض