قصة سليمان عليه السلام: الملك والنملة والهدهد وملكة سبأ

ملك لا ينبغي لأحد من بعده
سليمان عليه السلام نبيّ وملك، ورث النبوة والعلم عن أبيه داود عليه السلام: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَٰنُ دَاوُۥدَ ۖ وَقَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَىْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْمُبِينُ﴾ [النمل: 16].
وسأل ربه ملكًا لا يكون لأحد بعده: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًۭا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ [ص: 35].
ولاحظ ترتيب الدعاء: المغفرة أولًا، ثم الملك. طلب ما ينفعه عند ربه قبل ما ينفعه في الأرض.
ما سُخِّر له
﴿وَلِسُلَيْمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُۥ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ۖ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ﴾ [سبأ: 12].
ريح تقطع في يوم مسيرة شهرين، وعين نحاس مذاب، وجنّ يعملون. ومع ذلك لم يسمّ القرآن هذا قوّةً، بل سمّاه ﴿فَضْلُ رَبِّى﴾.
النملة
ومرّ بوادي النمل، فقالت نملة لقومها ما قالت، فكان جوابه:
﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًۭا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحًۭا تَرْضَىٰهُ﴾ [النمل: 19].
تأمّل: ملك الأرض يسمع نملة، فلا يغضب من قولها، بل يستحضر النعمة ويسأل الشكر. هذا هو أثر الإيمان في صاحب السلطان.
الهدهد وخبر سبأ
ثم تفقّد الطير ففقد الهدهد، فلما جاء قال:
﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍۢ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍۭ بِنَبَإٍۢ يَقِينٍ﴾ [النمل: 22].
﴿إِنِّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةًۭ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌۭ﴾ [النمل: 23].
فأرسل إليها كتابًا يدعوها إلى التوحيد. ولم يبدأ بجيش، بل بكتاب.
الكتاب إلى سبأ
وقد وصف الهدهد حالهم: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [النمل: 24].
فكتب إليها كتابًا موجزًا صريحًا: ﴿قَالَتْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُا۟ إِنِّىٓ أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَٰبٌۭ كَرِيمٌ * إِنَّهُۥ مِن سُلَيْمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا۟ عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 29-31].
سطران ونصف. بسملة، ونهي عن العلوّ، ودعوة إلى الإسلام. هكذا تُكتب الرسائل حين يكون المعنى واضحًا.
حكمة ملكة سبأ
ولم تتعجّل، بل استشارت قومها، وقالت كلمة تُدرَّس في السياسة إلى اليوم:
﴿قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا۟ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوٓا۟ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةًۭ ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 34].
ثم اختارت أن تختبره بهديّة قبل أن تواجهه بحرب.
إحضار العرش
ثم كان المشهد الذي يختصر معنى القدرة حين تُوضع في موضعها:
﴿قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌۭ مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40].
وهذه أعظم جملة في القصة: لم يقل «هذا من قدرتي»، بل جعل النعمة نفسها ابتلاءً.
إسلام ملكة سبأ
ثم دخلت الصرح، فحسبته ماءً، فتبيّن لها الأمر، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [النمل: 44].
فانتهت القصة بإسلام لا بإخضاع.
موته
وختم الله قصته بمشهد يكسر كل هيبة المُلك:
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُۥ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُوا۟ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ﴾ [سبأ: 14].
وفي الآية ردّ صريح على من يدّعي للجنّ علم الغيب: لم يعلموا بموت من يقفون بين يديه.
ما تأخذه من القصة
- المغفرة قبل المُلك. هكذا رتّب سليمان دعاءه.
- النعمة ابتلاء لا مكافأة. ﴿لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.
- الدعوة قبل القوة. كتاب قبل جيش.
- التواضع مع من دونك، ولو كان نملة.
تنبيه: ما يُروى من تفاصيل عن اسم الهدهد، وصفة الجنّ الذين عملوا، وقصة موت سليمان ومنسأته على وجه التفصيل، أكثره من الإسرائيليات؛ والثابت منها ما نصّ عليه القرآن.
لا تفوت أذكارك اليومية
حمّل تطبيق أذكار المسلم مجاناً واحصل على تنبيهات الأذكار، مواقيت الصلاة، والمسبحة الرقمية في هاتفك. تصفح بدون إنترنت!


