قصة نوح عليه السلام كاملة: ألف سنة من الدعوة والطوفان

أول رسول إلى أهل الأرض
نوح عليه السلام أوّل رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد أن وقع الشرك في قوم آدم. وقد ثبت في الشفاعة يوم القيامة أنّ الناس يأتونه فيقولون: «يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ» — رواه البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
وقومه هم أوّل من عبد الأصنام، وقد سمّى الله أصنامهم في كتابه: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23].
ألف سنة إلا خمسين عامًا
مكث نوح عليه السلام في قومه عمرًا لم يُذكر مثله لنبي: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14]. تسعمائة وخمسون سنة من الدعوة المتّصلة، بالليل والنهار، في السرّ والعلانية، كما حكى هو عن نفسه بين يدي ربه:
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: 5-6].
ثم وصف صدودهم وصفًا يكاد يُرى: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح: 7].
والدرس الأول من القصة هنا: ليس على الداعية إدراك النتيجة، وإنما عليه البلاغ والصبر. تسعة قرون ونصف من الدعوة لم يؤمن معها إلا قليل، ولم يُعدّ ذلك فشلًا في ميزان الله.
دعوته وحجّته
لم يكن خطابه تهديدًا فحسب، بل كان تذكيرًا بالنعمة ولفتًا إلى آيات الخلق: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح: 15]، ووعدهم بأثر الاستغفار في الدنيا قبل الآخرة: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ [نوح: 10-11].
وكان اعتراض الملأ من قومه اعتراضًا طبقيًّا: أنِفوا أن يجلسوا مع الضعفاء الذين آمنوا، وطلبوا منه طردهم، فأبى؛ لأن الإيمان لا يُوزن بالمال ولا بالجاه.
صناعة الفلك
ولما انقطع الرجاء في إيمانهم، جاء الأمر بصناعة السفينة: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ [هود: 37].
وكان يصنعها في البرّ، فيمرّ عليه الملأ من قومه فيسخرون منه — سفينة تُبنى حيث لا ماء. وهو يبنيها على الوحي لا على حساب العادة.
الطوفان
ثم جاءت العلامة: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40].
وانفتحت السماء والأرض جميعًا: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: 11-12].
ابن نوح
وفي ذروة المشهد موقف أبٍ ونبيّ: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود: 42].
فكان الجواب اعتدادًا بالأسباب: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: 43].
والدرس هنا: القرابة لا تنفع مع انقطاع الإيمان. ولذلك قال الله لنوح بعد أن سأله في ابنه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: 46] — فالنسب في ميزان الآخرة عمل، لا دم.
استواء السفينة
ثم جاء الأمر الكوني الذي تُختم به القصة: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 44].
ونجا من نجا: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: 64].
ما تأخذه من القصة
- الثبات لا يُقاس بعدد الأتباع. تسعمائة وخمسون سنة، ومع ذلك ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
- العمل بالوحي قبل حساب العادة. بنى السفينة في اليابسة.
- الدعاء سلاح الداعية حين تُسدّ الأبواب. وبعد قرون من الصبر قال: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: 26].
- الرحمة لا تُورَّث. ابن النبي غرق، وامرأة نوح لم تنفعها صحبته.
تنبيه: كثير مما يُتداول عن أسماء أبناء نوح وعدد من ركب معه وتفاصيل بناء السفينة إنما هو من الإسرائيليات؛ لم يثبت في القرآن ولا في الصحيحين ولا في السنن، وقد اقتصرنا هنا على ما ثبت.
لا تفوت أذكارك اليومية
حمّل تطبيق أذكار المسلم مجاناً واحصل على تنبيهات الأذكار، مواقيت الصلاة، والمسبحة الرقمية في هاتفك. تصفح بدون إنترنت!


