ابن كثير · الطبري

تفسير سورة يُوسُف — الآيات 80–82

نصّ الآيات ثم تفسير ابن كثير وتفسير الطبري بتمامهما، كلّ نصّ باسم كتابه.

سورة مكيةالجزء 123 آيات
المصادر:تفسير ابن كثير (ت 774هـ)تفسير الطبري (ت 310هـ)عن النصوص وطريقة نقلها

تفسير ابن كثير — تفسير القرآن العظيم، الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ). طبعة دار طيبة بتحقيق سامي بن محمد السلامة، في نسختها الرقمية بمكتبة QUL.

تفسير الطبري — جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ). النسخة الرقمية المحققة بمكتبة QUL، بتعليقات المحقق.

ننقل نصّ الإمامَين بتمامه كما طُبع، بما فيه من الآثار بأسانيدها وتعليقات محقّق الطبعة بين معقوفتين، ولا نتصرّف فيه؛ والحكم على ما فيه من الروايات للمفسّر ومحقّقه، وهو مبيَّن في موضعه.

80

فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّۭا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ﴾

قال أبو جعفر يعني تعالى ذكره: ﴿فلما استيأسوا منه﴾ فلما يئسوا منه من أن يخلى يوسف عن بنيامين، ويأخذ منهم واحدًا مكانه، وأن يجيبهم إلى ما سألوه من ذلك.

وقوله ﴿استيأسوا﴾،"استفعلوا"، من:"يئس الرجل من كذا ييأس"، كما:-

١٩٦١٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فلما استيأسوا منه﴾ يئسوا منه، ورأوا شدّته في أمره.

وقوله: ﴿خلصوا نجيًّا﴾، يقول بعضهم لبعض يتناجون، لا يختلط بهم غيرهم.

و"النجيّ"، جماعة القوم المنتجين، يسمى به الواحد والجماعة، كما يقال:"رجل عدل، ورجال عدل"، و"قوم زَوْر، وفِطْر". وهو مصدر من قول القائل:"نجوت فلانا أنجوه نجيًّا"، جعل صفة ونعتًا. ومن الدليل على أن ذلك كما ذكرنا، قول الله تعالى ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [سورة مريم: ٥٢] فوصف به الواحد، وقال في هذا الموضع: ﴿خلصوا نجيًّا﴾ فوصف به الجماعة، ويجمع"النجيّ" أنجية، كما قال لبيد:

وَشَهِدْتُ أنْجِيَةَ الأفَاقَةِ عَاليًا... كَعْبي وَأَرْدَافُ المُلُوكِ شُهُودُ [[ديوانه قصيدة: ٧، بيت: ٧، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣١٥ من أبيات يقولها لابنته بسرة، يذكر طول عمره، فيقول لها: وَلَقَدْ سَئِمْتُ من الحَيَاةِ وطُولِهَا... وسُؤَالِ هذَا النَّاسِ: كَيْف لَبِيدُ ؟

وَغَنِيتُ سَبْتًا قَبْلَ مَجْرَى دَاحِسٍ... لَوْ كَانَ للنِّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ

وَشَهِدْتُ.......................................

" مجرى داحس"، هو الخبر المشهور عن داحس والغبراء وإجرائهما، وكانت بسببه الحرب بين عبس وذبيان أربعين سنة، وقوله:" سبتًا"، أي: دهرًا.

و" الأفاقة" اسم موضع، حيث كان اليوم المشهور بين لبيد، والربيع بن زياد العبسي. و" أرداف الملوك"، من" الردف"، وهو الذي يكون مع الملك، وينوب عنه إذا قام من مجلسه.]]

وقد يقال للجماعة من الرجال:"نَجْوَى" كما قال جل ثناؤه: ﴿وإذْ هُمْ نَجْوَ ى﴾ [سورة الإسراء: ٤٧] وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ [سورة المجادلة: ٧] وهم القوم الذين يتناجون. وتكون" النجوى" أيضا مصدرًا، كما قال الله: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [سورة المجادلة: ١٠] تقول منه": نجوت أنجو نجوى" فهي في هذا الموضع، المناجاة نفسها، ومنه قول الشاعر (1)

بُنَيَّ بَدَا خِبُّ نَجْوَى الرِّجَالِ... فَكُنْ عِنْدَ سرّكَ خَبَّ النَّجِيّ [[شرح الحماسة ٣: ١١٢، والشعر والشعراء: ٤٧٩، والخزانة ١: ٣٠٨، وغيرها، وهو من وصيته المشهورة التي أوصى بها ولده التي يقول فيها: أَشَابَ الصّغيرَ وَأَفْنَى الكَبيرَ... كَرُّ الغَدَاةِ وَمَرُّ العَشِي

ثم يقول له بعد البيت الشاهد: وَسِرُّكَ مَا كَانَ عِنْدَ امْريٍ... وَسِرُّ الثَّلاَثَةِ غَيْرُ الخَفِي

و" الحب" (بكسر الخاء)، المكر، و" الخب" (بفتحها)، المكار.]]

فـ"النجوى" و"النجي"، في هذا البيت بمعنى واحد، وهو المناجاة، وقد جمع بين اللغتين.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿خلصوا نجيًّا﴾ قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٦١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًّا﴾ وأخلص لهم شمعون، وقد كان ارتهنه، خَلَوْا بينهم نجيًّا، يتناجون بينهم.

١٩٦١٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿خلصوا نجيًّا﴾ خلصوا وحدهم نجيًّا.

١٩٦٢٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿خلصوا نجيًّا﴾: أي خلا بعضهم ببعض، ثم قالوا: ماذا ترون؟

وقوله: ﴿قال كبيرهم﴾ اختلف أهل العلم في المعنيِّ بذلك.

فقال بعضهم: عنى به كبيرهم في العقل والعلم، لا في السن، وهو شمعون. قالوا: وكان روبيل أكبر منه في الميلاد.

ذكر من قال ذلك:

١٩٦٢١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿قال كبيرهم﴾ قال: هو شمعون الذي تخلّف، وأكبر منه=أو: أكبر منهم= في الميلاد، روبيل.

١٩٦٢٢- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قال كبيرهم﴾:، شمعون الذي تخلّف، وأكبر منه في الميلاد روبيل.

١٩٦٢٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٩٦٢٤- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿قال كبيرهم﴾، قال: شمعون الذي تخلف، وأكبرهم في الميلاد روبيل.

وقال آخرون: بل عنى به كبيرهم في السن، وهو روبيل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٦٢٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿قال كبيرهم﴾، وهو روبيل، أخو يوسف، وهو ابن خالته، وهو الذي نهاهم عن قتله.

١٩٦٢٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿قال كبيرهم﴾، قال: روبيل، وهو الذي أشار عليهم أن لا يقتلوه.

١٩٦٢٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿قال كبيرهم﴾ في العلم (2) = ﴿إن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض﴾، الآية، فأقام روبيل بمصر، وأقبل التسعة إلى يعقوب، فأخبروه الخبرَ، فبكى وقال: يا بنيّ ما تذهبون مرَّة إلا نقصتم واحدًا! ذهبتم مرة فنقصتم يوسف، وذهبتم الثانية فنقصتم شمعون، وذهبتم الآن فنقصتُم روبيل!

١٩٦٢٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًّا﴾ قال: ماذا ترون؟ فقال روبيل كما ذكر لي، وكان كبير القوم: ﴿ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ومن قبل ما فرطتم في يوسف﴾،الآية.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: عنى بقوله: ﴿قال كبيرهم﴾ روبيل، لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنًّا. ولا تفهم العرب في المخاطبة إذا قيل لهم:"فلان كبير القوم"، مطلقا بغير وصل، إلا أحد معنيين: إما في الرياسة عليهم والسؤدد، وإما في السن. فأما في العقل، فإنهم إذا أرادوا ذلك وصَلوه، فقالوا:"هو كبيرهم في العقل". فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك، فلا يفهم إلا ما ذكرت.

وقد قال أهل التأويل: لم يكن لشمعون= وإن كان قد كان من العلم والعقل بالمكان الذي جعله الله به= على إخوته رياسةٌ وسؤدد، فيعلم بذلك أنه عنى بقوله: ﴿قال كبيرهم﴾ فإذا كان ذلك كذلك فلم يبق إلا الوجه الآخر، وهو الكبر في السن، وقد قال الذين ذكرنا جميعًا": روبيل كان أكبر القوم سنًّا"، فصح بذلك القول الذي اخترناه.

وقوله: ﴿ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله،﴾ يقول: ألم تعلموا، أيها القوم؛ أنَّ أباكم يعقوب قد أخذ عليكم عهودَ الله ومواثيقه: (3) لنأتينه به جميعا، إلا أن يحاط بكم= ﴿ومن قبل ما فرطتم في يوسف﴾، (4) ومن قبل فعلتكم هذه، تفريطكم في يوسف. يقول: أو لم تعلموا من قبل هذا تفريطكم في يوسف؟ = وإذا صرف تأويل الكلام إلى هذا الذي قلناه، كانت"ما"حينئذ في موضع نصب.

وقد يجوز أن يكون قوله: ﴿ومن قبل ما فرطتم في يوسف﴾ خبرا مبتدأ، ويكون قوله: ﴿ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله﴾ خبرًا متناهيًا فتكون"ما"حينئذ في موضع رفع، كأنه قيل:"ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف"= فتكون"ما" مرفوعة بـ"من"قبلُ.

هذا ويجوز أن تكون"ما"التي هي صلة في الكلام، [[في المطبوعة:" التي تكون صلة"،، وفي المخطوطة:" التي صلة"، ورجحت ما أثبت

= و" الصلة"، الزيادة، انظر ما سلف من فهارس المصطلحات.]] فيكون تأويل الكلام: ومن قبل هذا فرطتم في يوسف. (5)

وقوله: ﴿فلن أبرح الأرض﴾ التي أنا بها، وهي مصر فأفارقها= ﴿حتى يأذن لي أبي﴾ بالخروج منها، كما:-

١٩٦٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فلن أبرح الأرض﴾ التي أنا بها اليوم= ﴿حتى يأذن لي أبي﴾، بالخروج منها.

١٩٦٣٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: قال شمعون: ﴿لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين﴾.

وقوله: ﴿أو يحكم الله لي﴾، أو يقضي لي ربي بالخروج منها وترك أخي بنيامين، وإلا فإني غير خارج= ﴿وهو خير الحاكمين﴾، يقول: والله خير من حكم، وأعدل من فصل بين الناس. (6)

وكان أبو صالح يقول في ذلك بما:-

١٩٦٣١ - حدثني الحسين بن يزيد السبيعي قال، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: ﴿حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي،﴾ قال: بالسيف.

=وكأنَّ أبا صالح وجّه تأويل قوله: ﴿أو يحكم الله لي﴾، إلى: أو يقضي الله لي بحرب من مَنَعَني من الانصراف بأخي بنيامين إلى أبيه يعقوب، فأحاربه.

حواشي المحقّق (6)
  1. (1)هو الصلتان العبدي.
  2. (2)في المطبوعة والمخطوطة:" في العلم"، ولم أجد ما أستوثق به من أن يكون الخبر في معنى الترجمة، أعني مكان" في العلم"،" في السن".
  3. (3)انظر تفسير" الموثق" فيما سلف ص: ١٦٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.
  4. (4)زدت نص الآية، وإن لم يكن ثابتًا في المخطوطة أو المطبوعة.
  5. (5)في المطبوعة" تفريطكم في يوسف"، والصواب ما أثبت، لأن" ما" زائدة هنا.
  6. (6)انظر تفسير" الحكم" فيما سلف من فهارس اللغة (حكم) .
81

ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَٰفِظِينَ

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل روبيل لإخوته، حين أخذ يوسف أخاه بالصواع الذي استخرج من وعائه: ارجعوا، إخوتي، إلى أبيكم يعقوب فقولوا له يا أبانا إن ابنك بنيامين سرق).

والقرأة على قراءة هذا الحرف بفتح السين والراء والتخفيف: ﴿إن ابنك سرق﴾.

ورُوي عن ابن عباس:"إنَّ ابْنَكَ سُرِّقَ"بضم السين وتشديد الراء، على وجه ما لم يسمَّ فاعله، بمعنى: أنه سَرَق= ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾.

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معناه: وما قلنا إنه سرق إلا بظاهر علمنا بأن ذلك كذلك، لأن صواع الملك أصيب في وعائه دون أوعية غيره.

ذكر من قال ذلك:

١٩٦٣٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿ارجعوا إلى أبيكم﴾ فإني ما كنت راجعًا حتى يأتيني أمرُه= ﴿فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا﴾، أي: قد وجدت السرقة في رحله، ونحن ننظر لا علم لنا بالغيب= ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما شهدنا عند يوسف بأن السارق يؤخذ بسرقته إلا بما علمنا.

ذكر من قال ذلك:

١٩٦٣٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قال لهم يعقوب عليه السلام: ما يدري هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته إلا بقولكم! فقالوا: ﴿ما شهدنا إلا بما علمنا﴾، لم نشهد أن السارق يؤخذ بسرقته إلا وذلك الذي علمنا. قال: وكان الحكم عند الأنبياء، يعقوب وبنيه أن يؤخذ السارق بسرقته عبدًا فيسترقّ.

وقوله: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾، يقول: وما كنا نرى أن ابنك يسرق ويصير أمرنا إلى هذا، وإنما قلنا ﴿ونحفظ أخانا﴾ مما لنا إلى حفظه منه السبيل.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٦٣٤ - حدثنا الحسين بن الحريث أبو عمار المروزي. قال، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾. قال: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق. [[الأثر: ١٩٦٣٤ -" الحسين بن الحريث"،" أبو عمار المروزي"، شيخ الطبري، مضى برقم ١١٧٧١.

" الفضل بن موسى السيتاني"، مضى أيضًا برقم: ١١٧٧١.

" الحسين بن واقد المروزي"، مضى أيضًا برقم: ٤٨١٠، ٦٣١١، ١١٧٧١، وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا أيضًا" الحسن بن واقد"، وهو خطأ بين، كما أشرت إليه قبل.]]

١٩٦٣٥ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾، لم نشعر أنه سيسرق.

١٩٦٣٦- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ قال: لم نشعر أنه سيسرق.

١٩٦٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ قال: لم نشعر أنه سيسرق.

١٩٦٣٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد= وأبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: (وما كنا للغيب حافظين) قال: ما كنا نظن ولا نشعر أنه سيسرق.

١٩٦٣٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ قال: ما كنا نرى أنه سيسرق.

١٩٦٤٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى. قال حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾، قال: ما كنا نظن أن ابنك يسرق.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب عندنا في قوله: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ قولُ من قال: وما شهدنا بأن ابنك سرق إلا بما علمنا من رؤيتنا للصواع في وعائه= لأنه عَقيِب قوله: ﴿إن ابنك سرق﴾؛ فهو بأن يكون خبرًا عن شهادتهم بذلك، أولى من أن يكون خبرًا عما هو منفصل.

وذكر أن"الغيب"، في لغة حمير، هو الليل بعينه. (1)

حواشي المحقّق (1)
  1. (1)هذا معنى عزيز في تفسير" الغيب"، لم أجده في شيء من كتب اللغة التي بين أيدينا.
82

وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ: أَنَّهُمْ لَمَّا يَئِسُوا مِنْ تَخْلِيصِ أَخِيهِمْ بِنْيَامِينَ، الَّذِي قَدِ الْتَزَمُوا لِأَبِيهِمْ بِرَدِّهِ إِلَيْهِ، وَعَاهَدُوهُ عَلَى ذَلِكَ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ﴿خَلَصُوا﴾ أَيِ: انْفَرَدُوا عَنِ النَّاسِ ﴿نَجِيًّا﴾ يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ.

﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ وَهُوَ رُوبيل، وَقِيلَ: يَهُوذَا، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِمْ بِإِلْقَائِهِ فِي الْبِئْرِ عِنْدَمَا همّوا بِقَتْلِهِ، قَالَ لَهُمْ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ لتردنَّه إِلَيْهِ، فَقَدْ رَأَيْتُمْ كَيْفَ تَعَذَّرَ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لَكُمْ مِنْ إِضَاعَةِ يُوسُفَ عَنْهُ، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ﴾ أَيْ: لَنْ أُفَارِقَ هَذِهِ الْبَلْدَةَ، ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ فِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِ رَاضِيًا عَنِّي، ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ قِيلَ: بِالسَّيْفِ. وَقِيلَ: بِأَنْ يُمَكِّنَنِي مِنْ أَخْذِ أَخِي، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (1).

ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يُخْبِرُوا أَبَاهُمْ بِصُورَةِ مَا وَقَعَ، حَتَّى يَكُونَ عُذْرًا لَهُمْ عِنْدَهُ وَيَتَنَصَّلُوا إِلَيْهِ، وَيَبْرَءُوا مِمَّا وَقَعَ بِقَوْلِهِمْ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ قَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: مَا [كُنَّا] (2) نَعْلَمُ أَنَّ ابْنَكَ سَرَقَ (3).

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: مَا عَلِمْنَا فِي الْغَيْبِ أَنَّهُ يَسْرِقُ (4) لَهُ شَيْئًا، إِنَّمَا سَأَلَنَا (5) مَا جَزَاءُ السَّارِقِ؟

﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ قِيلَ: الْمُرَادُ مِصْرُ. قَالَهُ قَتَادَةُ، وَقِيلَ: غَيْرُهَا، ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أَيِ: الَّتِي رَافَقْنَاهَا، عَنْ صِدْقِنَا وَأَمَانَتِنَا وَحِفْظِنَا وَحِرَاسَتِنَا، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فِيمَا أَخْبَرْنَاكَ بِهِ، مِنْ أَنَّهُ سَرَقَ وَأَخَذُوهُ بِسَرِقَتِهِ.

حواشي المحقّق (5)
  1. (1)في ت، أ: "أحكم الحاكمين" وهو خطأ.
  2. (2)زيادة من ت، أ.
  3. (3)في ت: "يسرق".
  4. (4)في ت، أ: "سرق".
  5. (5)في ت، أ: "سألناه".

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول: وإن كنتَ مُتَّهمًا لنا، لا تصدقنا على ما نقول من أن ابنك سرق: ﴿فاسأل القرية التي كنا فيها﴾، وهي مصر، يقول: سل من فيها من أهلها= ﴿والعير التي أقبلنا فيها﴾، وهي القافلة التي كنا فيها، (1) التي أقبلنا منها معها، عن خبر ابنك وحقيقة ما أخبرناك عنه من سَرَقِهِ، (2) فإنك تَخْبُر مصداق ذلك = ﴿وإنّا لصادقون﴾ فيما أخبرناك من خبره.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٦٤١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها﴾، وهي مصر.

١٩٦٤٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها﴾ قال: يعنون مصر.

١٩٦٤٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قد عرف رُوبيل في رَجْع قوله لإخوته، أنهم أهلُ تُهمةٍ عند أبيهم، لما كانوا صنعوا في يوسف. وقولهم له: ﴿اسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها﴾، فقد علموا ما علمنا وشهدوا ما شهدنا، إن كنت لا تصدقنا= ﴿وإنا لصادقون﴾.

حواشي المحقّق (2)
  1. (1)انظر تفسير:" العير" فيما سلف ص: ١٧٣، ١٧٤.
  2. (2)سرق الشيء يسرقه سرقًا (بفتحتين) ، وسرقًا (بفتح السين وكسر الراء) ، وسرقة.

نصوص التفسير من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. تفسير سورة يُوسُف من أولها · تفسير باقي السور