تفسير سورة يُونس — الآيات 84–87
نصّ الآيات ثم تفسير ابن كثير وتفسير الطبري بتمامهما، كلّ نصّ باسم كتابه.
المصادر:تفسير ابن كثير (ت 774هـ)تفسير الطبري (ت 310هـ)عن النصوص وطريقة نقلها
تفسير ابن كثير — تفسير القرآن العظيم، الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ). طبعة دار طيبة بتحقيق سامي بن محمد السلامة، في نسختها الرقمية بمكتبة QUL.
تفسير الطبري — جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ). النسخة الرقمية المحققة بمكتبة QUL، بتعليقات المحقق.
ننقل نصّ الإمامَين بتمامه كما طُبع، بما فيه من الآثار بأسانيدها وتعليقات محقّق الطبعة بين معقوفتين، ولا نتصرّف فيه؛ والحكم على ما فيه من الروايات للمفسّر ومحقّقه، وهو مبيَّن في موضعه.
وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ
فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةًۭ لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل موسى نبيِّه لقومه: يا قوم إن كنتم أقررتم بوحدانية الله، وصدقتم بربوبيته = ﴿فعليه توكلوا﴾، يقول: فبه فثقوا، ولأمره فسلموا، (1)
فإنه لن يخذل وليّه، ولن يسلم من توكل عليه (2) = ﴿إن كنتم مسلمين﴾، يقول: إن كنتم مذعنين لله بالطاعة، فعليه توكلوا. (3)
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فقال قوم يا موسى لموسى: ﴿على الله توكلنا﴾، أي به وثقنا، وإليه فوَّضنا أمرنا.
وقوله: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾، يقول جل ثناؤه مخبرًا عن قوم موسى أنهم دعوا ربهم فقالوا: يا ربنا لا تختبر هؤلاء القوم الكافرين، ولا تمتحنهم بنا! (4) = يعنون قوم فرعون.
وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي سألوه ربَّهم من إعاذته ابتلاء قوم فرعون بهم.
فقال بعضهم: سألوه أن لا يظهرهم عليهم، فيظنُّوا أنهم خيرٌ منهم، وأنهم إنما سُلِّطوا عليهم لكرامتهم عليه وهوان الآخرين.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٨٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، في قوله: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾، قال: لا يظهروا علينا، فيروا أنهم خير منا.
١٧٧٨٤- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن عمران بن حدير، عن أبى مجلز في قوله: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾، قال: قالوا: لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خيرٌ منّا.
١٧٧٨٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾، قال: لا تسلّطهم علينا، فيزدادوا فتنة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تسلطهم علينا فيفتنونا.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٨٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾، لا تسلطهم علينا فيفتنونا.
١٧٧٨٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾، قال: لا تسلطهم علينا فيضلونا.
١٧٧٨٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله = وقال أيضًا: فيفتنونا.
١٧٧٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾، لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: "لو كانوا على حقّ ما سُلِّطنا عليهم ولا عُذِّبوا"، فيفتتنوا بنا.
١٧٧٩٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾، قال: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: "لو كانوا على حق ما سُلِّطنا عليهم ولا عذِّبوا"، فيفتتنوا بنا.
١٧٧٩١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد قوله: ﴿لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾، قال: لا تصبنا بعذاب من عندك ولا بأيديهم، فيفتتنوا ويقولوا: "لو كانوا على حق ما سُلِّطنا عليهم ولا عذِّبوا".
١٧٧٩٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾، لا تبتلنا ربنا فتجهدنا، وتجعله فتنة لهم، هذه الفتنة. وقرأ: ﴿فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾، [سورة الصافات: ٦٣]، قال المشركون، حين كانوا يؤذون النبي ﷺ والمؤمنين ويرمونهم، أليس ذلك فتنة لهم وسوءًا لهم، وهي بلية للمؤمنين؟.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن القوم رغبوا إلى الله في أن يُجيرهم من أن يكونوا محنة لقوم فرعون وبلاءً، وكلُّ ما كان من أمر كان لهم مصدَّة عن اتباع موسى والإقرار به، وبما جاءهم به، فإنه لا شك أنه كان لهم "فتنة"، وكان من أعظم الأمور لهم إبعادًا من الإيمان بالله ورسوله. وكذلك من المصدَّة كان لهم عن الإيمان: أن لو كان قوم موسى عاجلتهم من الله محنةٌ في أنفسهم، من بلية تنزل بهم، فاستعاذ القوم بالله من كل معنى يكون صادًّا لقوم فرعون عن الإيمان بالله بأسبابهم.
حواشي المحقّق (4)
- (1)انظر تفسير " التوكل " فيما سلف ص: ١٤٧، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
- (2)في المطبوعة: " ويسلم "، وفي المخطوطة: " ولم يسلم "، والصواب ما أثبت.
- (3)انظر تفسير " الإسلام " فيما سلف من فهارس اللغة (سلم) .
- (4)انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف من فهارس اللغة (فتن) .
وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ أَيْ: فَإِنَّ اللَّهَ كَافٍ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٦]، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطَّلَاقِ: ٣].
وَكَثِيرًا مَا يَقْرِنُ اللَّهُ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالتَّوَكُّلِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هُودٍ: ١٢٣]، ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الْمُلْكِ: ٢٩]، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ٩]، وَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا فِي كُلِّ صَلَوَاتِهِمْ (1) مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٥].
وَقَدِ امْتَثَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ، فَقَالُوا: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ: لَا تُظْفِرْهُمْ بِنَا، وَتُسَلِّطْهُمْ (2) عَلَيْنَا، فَيَظُنُّوا أَنَّهُمْ إِنَّمَا سُلِّطُوا لِأَنَّهُمْ على الحق ونحن على الباطل، فَيُفْتَنُوا (3) بِذَلِكَ. هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مِجْلَز، وأبي الضُّحى.
وقال ابن أبي نَجِيح وغيره وَاحِدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: لَا تُعَذِّبْنَا بِأَيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَلَا بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كَانُوا عَلَى حَقٍّ مَا عُذِّبُوا، وَلَا سُلِّطنا عَلَيْهِمْ، فَيُفْتَنُوا (4) بِنَا.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ ابْنِ نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [أَيْ] (5) لَا تُسَلِّطْهُمْ عَلَيْنَا، فَيَفْتِنُونَا.
﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ﴾ أَيْ: خَلِّصْنَا بِرَحْمَةٍ مِنْكَ وَإِحْسَانٍ، ﴿مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: الَّذِينَ كَفَرُوا الْحَقَّ وَسَتَرُوهُ، ونحن قد آمنا بك وتوكلنا علي.
حواشي المحقّق (5)
- (1)في ت: "صلاتهم".
- (2)في ت: "أي يظفركم ويسلطهم".
- (3)في ت، أ: "فيفتتنوا".
- (4)في ت، أ: "فيفتتنوا".
- (5)زيادة من ت، أ.
وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًۭا وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةًۭ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ
يَذْكُرُ تَعَالَى سَبَبَ إِنْجَائِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، وَكَيْفِيَّةِ خَلَاصِهِمْ مِنْهُمْ (1) وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ﴿أَنْ تَبَوَّءَا﴾ أَيْ: يَتَّخِذَا لِقَوْمِهِمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا.
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ (2) فَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ خُصَيْف، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قَالَ: أمرُوا أَنْ يَتَّخِذُوهَا مَسَاجِدَ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ أَيْضًا، عَنِ ابْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قَالَ: كَانُوا خَائِفِينَ، فَأُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتِهِمْ.
وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَأَبُوهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: وَكَأَنَّ هَذَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ -لَمَّا اشْتَدَّ بِهِمُ الْبَلَاءُ مِنْ قبَل فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ، أُمِرُوا بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٥٦]. وَفِي الْحَدِيثِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. (3) وَلِهَذَا (4) قَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: بِالثَّوَابِ وَالنَّصْرِ الْقَرِيبِ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُظْهِرَ صَلَاتَنَا مَعَ الْفَرَاعِنَةِ، فَأَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتِهِمْ، وَأُمِرُوا أَنْ يَجْعَلُوا بُيُوتَهُمْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قَالَ: لَمَّا خَافَ بَنُو إسرائيل من فِرْعَوْنَ أَنْ يُقْتَلُوا (5) فِي الْكَنَائِسِ الْجَامِعَةِ، أُمِرُوا أَنْ يَجْعَلُوا بُيُوتَهُمْ مَسَاجِدَ مُسْتَقْبِلَةً الْكَعْبَةَ، يُصَلُّونَ فِيهَا سِرًّا. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أَيْ: يُقَابِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
حواشي المحقّق (5)
- (1)في أ: "منه".
- (2)في ت: "وجعلوا".
- (3)سنن أبي داود برقم (١٣١٩) من حديث حذيفة، رضي الله عنه.
- (4)في ت، أ: "وكذا".
- (5)في ت: "أن يصلوا".
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ونجِّنا يا ربنا برحمتك، فخلِّصنا من أيدي القوم الكافرين، قوم فرعون، لأنهم كان يستعبدونهم ويستعملونهم في الأشياء القَذِرة من خدمتهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأوحينا إلى موسى وأخيه أن اتخذا لقومكما بمصر بيوتًا.
= يقال منه: "تبوَّأ فلان لنفسه بيتًا"، إذا اتخذه. وكذلك تبوَّأ مصْحفًا"، إذا اتخذه، "وبوأته أنا بيتًا": إذا اتخذته له. (1)
= ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، يقول: واجعلوا بيوتكم مساجدَ تصلُّون فيها.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾. (2)
فقال بعضهم في ذلك نحو الذي قلنا فيه.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٩٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، قال: مساجد.
١٧٧٩٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، قال: أمروا أن يتخذوها مساجد.
١٧٧٩٥-.... قال حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل قال، حدثنا زهير قال، حدثنا خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، قال: كانوا يَفْرَقُون من فرعون وقومه أن يصلُّوا، فقال لهم: ﴿اجعلوا بيوتكم قبلة﴾، يقول: اجعلوها مسجدًا حتى تصلوا فيها.
١٧٧٩٦- حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، قال: خافوا، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٧٩٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٧٩٨- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شبل، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، قال: كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٧٩٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، قال: كانوا لا يصلون إلا في البِيَع، وكانوا لا يصلون إلا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٨٠٠-.... قال، حدثنا جرير عن ليث، عن مجاهد قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٨٠١- قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، قال: كانت بنو إسرائيل تخاف فرعون، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد يصلون فيها.
١٧٨٠٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، يقول: مساجد.
١٧٨٠٣-.... قال، حدثنا أحمد بن يونس قال، حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، قال: كانوا يصلون في بيوتهم يخافون.
١٧٨٠٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن أبي سنان، عن الضحاك: ﴿أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا﴾، قال: مساجد.
١٧٨٠٥- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
١٧٨٠٦- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، قال: قال أبي (3) اجعلوا في بيوتكم مساجدكم تصلُّون فيها، تلك "القبلة".
وقال آخرون: معنى ذلك: واجعلوا مساجدكم قِبَل الكعبة.
ذكر من قال ذلك:
١٧٨٠٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، يعني الكعبة.
١٧٨٠٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين﴾، قال: قالت بنو إسرائيل لموسى: لا نستطيع أن نظْهرَ صلاتنا مع الفراعنة! فأذن الله لهم أن يصلوا في بيوتهم، وأمروا أن يجعلوا بيوتهم قِبَل القبلة.
١٧٨٠٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، يقول: وجِّهوا بيوتكم، "مساجدكم" نحو القبلة، ألا ترى أنه يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [سورة النور: ٣٦].
١٧٨١٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، قال: قِبَل القبلة.
١٧٨١١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿بيوتكم قبلة﴾، قال: نحو الكعبة، حين خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلُّوا في الكنائس الجامعة، فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلةً الكعبة يصلون فيها سرًّا.
١٧٨١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، ثم ذكر مثله سواء.
١٧٨١٣-.... قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا﴾، مساجد.
١٧٨١٤-.... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن نجيح، عن مجاهد: في قوله: ﴿أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتًا﴾، قال: مصر، "الإسكندرية".
١٧٨١٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتًا واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، قال: وذلك حين منعهم فرعون الصلاة، فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم، وأن يوجهوا نحو القبلة.
١٧٨١٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿بيوتكم قبلة﴾، قال: نحو القبلة.
١٧٨١٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق، عن أبي سنان، عن الضحاك: ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا﴾ قال: مساجد = ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، قال: قبل القبلة.
وقال آخرون: معنى ذلك: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضًا.
ذكر من قال ذلك:
١٧٨١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، قال: يقابل بعضها بعضًا.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، القول الذي قدمنا بيانه، وذلك أن الأغلب من معاني "البيوت" = وإن كانت المساجد بيوتًا = البيوت المسكونة، إذا ذكرت باسمها المطلق دون المساجد. لأن "المساجد" لها اسم هي به معروفة، خاصٌّ لها، وذلك "المساجد". فأمّا "البيوت" المطلقة بغير وصلها بشيء، ولا إضافتها إلى شيء، فالبيوت المسكونة.
وكذلك "القبلة" الأغلب من استعمال الناس إيّاها في قبل المساجد وللصلوات.
فإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز توجيه معاني كلام الله إلا إلى الأغلب من وجوهها المستعمل بين أهل اللسان الذي نزل به، دون الخفيّ المجهول، ما لم تأت دلالة تدل على غير ذلك = ولم يكن على قوله: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾، دلالةٌ تقطع العذرَ بأن معناه غير الظاهر المستعمل في كلام العرب = لم يجز لنا توجيهه إلى غير الظاهر الذي وصفنا.
وكذلك القول في قوله ﴿قبلة﴾
= ﴿وأقيموا الصلاة﴾، يقول تعالى ذكره: وأدوا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها. (4). وقوله: ﴿وبشر المؤمنين﴾، يقول جل ثناؤه لنبيه عليه الصلاة والسلام: وبشر مقيمي الصلاة المطيعي الله، يا محمد، المؤمنين بالثواب الجزيل منه. (5)
حواشي المحقّق (5)
- (1)انظر تفسير " بوأ " فيما سلف ٧: ١٦٤ / ١٢: ٥٤١.
- (2)انظر تفسير " القبلة " فيما سلف ٣: ١٣١.
- (3)في المطبوعة وحدها: " قال قال أبو زيد "، يعني، أباه زيدًا، والقائل هو " ابن زيد ". وأثبت ما في المخطوطة.
- (4)انظر تفسير " إقامة الصلاة " فيما سلف من فهارس اللغة (قوم) .
- (5)انظر تفسير " التبشير " فيما سلف ص: ١٢٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
نصوص التفسير من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. تفسير سورة يُونس من أولها · تفسير باقي السور