ابن كثير · الطبري

تفسير سورة هُود — الآيات 100–101

نصّ الآيات ثم تفسير ابن كثير وتفسير الطبري بتمامهما، كلّ نصّ باسم كتابه.

سورة مكيةالجزء 112 آيات
المصادر:تفسير ابن كثير (ت 774هـ)تفسير الطبري (ت 310هـ)عن النصوص وطريقة نقلها

تفسير ابن كثير — تفسير القرآن العظيم، الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ). طبعة دار طيبة بتحقيق سامي بن محمد السلامة، في نسختها الرقمية بمكتبة QUL.

تفسير الطبري — جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ). النسخة الرقمية المحققة بمكتبة QUL، بتعليقات المحقق.

ننقل نصّ الإمامَين بتمامه كما طُبع، بما فيه من الآثار بأسانيدها وتعليقات محقّق الطبعة بين معقوفتين، ولا نتصرّف فيه؛ والحكم على ما فيه من الروايات للمفسّر ومحقّقه، وهو مبيَّن في موضعه.

100

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَآئِمٌۭ وَحَصِيدٌۭ

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: هذا القصص الذي ذكرناه لكَ في هذه السورة،، والنبأ الذي أنبأناكه فيها، من أخبار القرى التي أهلكنا أهلها بكفرهم بالله، (1) وتكذيبهم رسله = ﴿نقصه عليك﴾ فنخبرك به (2) = ﴿منها قائم﴾، يقول: منها قائم بنيانه، بائدٌ أهله هالك، (3) ومنها قائم بنيانه عامر، ومنها حصيدٌ بنيانه، خرابٌ متداعٍ، قد تعفى أثرُه دارسٌ.

من قولهم: "زرع حصيد"، إذا كان قد استؤصل قطعه، وإنما هو محصود، ولكنه صرف إلى "فعيل"، (4) كما قد بينا في نظائره. (5)

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٤٦- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد﴾، يعني ب"القائم" قُرًى عامرة. و"الحصيد" قرى خامدة.

١٨٥٤٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿قائم وحصيد﴾، قال: "قائم " على عروشها = و"حصيد" مستأصَلة.

١٨٥٤٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿منها قائم﴾، يرى مكانه، ﴿وحصيد﴾ لا يرى له أثر.

١٨٥٤٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿منها قائم﴾، قال: خاوٍ على عروشه= ﴿وحصيد﴾، ملزقٌ بالأرض.

١٨٥٥٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن سفيان، عن الأعمش: ﴿منها قائم وحصيد﴾، قال: خرَّ بنيانه.

١٨٥٥١- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش: ﴿منها قائم وحصيد﴾، قال: "الحصيد"، ما قد خرَّ بنيانه.

١٨٥٥٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿منها قائم وحصيد﴾، منها قائم يرى أثره، وحصيدٌ بَادَ لا يرى أثره.

حواشي المحقّق (5)
  1. (1)انظر تفسير " النبأ " فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ) .
  2. (2)انظر تفسير " القصص " فيما سلف ٩: ٤٠٢ / ١١: ٣٩٩ / ١٢: ١٢٠، ٣٠٧، ٤٠٦ / ١٣: ٧، ٢٧٤.
  3. (3)في المطبوعة " بائد بأهله "، والصواب من المخطوطة، وزدت " قائم " قبل قوله: " بنيانه "، وبذلك تستقيم الجملة وتساوي التي تليها.
  4. (4)انظر تفسير " حصيد " فيما سلف ص: ٥٦.
  5. (5)انظر ما سلف من فهارس اللغة مباحث العربية والنحو وغيرهما.
101

وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍۢ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى خَبَرَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَا جَرَى لَهُمْ مَعَ أُمَمِهِمْ، وَكَيْفَ أَهْلَكَ الْكَافِرِينَ ونَجّى الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ أَيْ: مِنْ أَخْبَارِهَا ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ﴾ (1) أَيْ: عَامِرٌ، ﴿وَحَصِيدٌ﴾ أَيْ: هَالِكٌ دَائِرٌ، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ أَيْ: إِذْ أَهْلَكْنَاهُمْ، ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْ: بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَنَا وَكَفْرِهِمْ بِهِمْ، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ أَيْ: أَصْنَامُهُمْ وَأَوْثَانُهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا وَيَدْعُونَهَا، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أَيْ: مَا نَفَعُوهُمْ وَلَا أَنْقَذُوهُمْ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ بِإِهْلَاكِهِمْ، ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (2).

قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا: أَيْ غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ هَلَاكِهِمْ ودَمَارهم إِنَّمَا كَانَ بِاتِّبَاعِهِمْ تِلْكَ الْآلِهَةَ وَعِبَادَتِهِمْ إِيَّاهَا (3) فَبِهَذَا أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ، وَخَسِرُوا بِهِمْ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

حواشي المحقّق (3)
  1. (1)في ت: "نقصها" وهو خطأ.
  2. (2)في ت: "تثبيت".
  3. (3)في ت: "إياهم".

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما عاقبنا أهل هذه القرى التي اقتصَصنا نبأها عليك، يا محمد، بغير استحقاق منهم عقوبتنا، فنكون بذلك قد وضعنا عقوبتنا هُمْ في غير موضعها = ﴿ولكن ظلموا أنفسهم﴾، يقول: ولكنهم أوجبوا لأنفسهم بمعصيتهم الله وكفرهم به، عقوبتَه وعذابه، فأحلوا بها ما لم يكن لهم أن يحلوه بها، وأوجبوا لها ما لم يكن لهم أن يوجبوه لها = ﴿فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء﴾، يقول: فما دفعت عنهم آلهتهم التي يدعونها من دون الله، (1) ويدعونها أربابًا من عقاب الله وعذابه إذا أحله بهم ربُّهم من شيء، ولا ردَّت عنهم شيئًا منه = ﴿لما جاء أمر ربك﴾، يا محمد، يقول: لما جاء قضاء ربك بعذابهم، فحقّ عليهم عقابه، ونزل بهم سَخَطه = ﴿وما زادوهم غير تتبيب﴾، يقول: وما زادتهم آلهتهم عند مجيء أمر ربك هؤلاء المشركين بعقاب الله غير تخسيرٍ وتدميرٍ وإهلاك.

يقال منه: "تبَّبْتُه أتبِّبُه تَتْبيبًا"، ومنه قولهم للرجل: "تبًّا لك"، قال جرير:

عَرَادَةُ مِنْ بَقِيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ... أَلا تَبًّا لِمَا فَعَلُوا تَبَابًا [[ديوانه: ٧٢، من قصيدته المشهورة في هجاء الراعي النميري، وكان سببها أن " عرادة النميري "، وهو رواية الراعي كان نديمًا للفرزدق، فقدم الراعي البصرة، فدعاه عرادة فأطعمه وسقاه وقال: فضل الفرزدق على جرير! فأبى. فلما أخذ فيه الشراب، لم يزل به حتى قال: يا صَاحِبَيَّ دَنا الرَّواحُ فَسِيرَا... غَلَبَ الفَرَزْدَقُ في الهِجَاءِ جريرَا

فهاج الهجاء بينهما، فكان مما ذكر به عرادة قوله: أتَانِي عَنْ عَرَادَةَ قَوْلُ سُوءٍ... فَلاَ وَأَبِي عُرَادَةَ مَا أَصَابَا

وَكَمْ لَكَ يَا عُرَادَةُ مِنْ أُمِّ سُوءٍ... بَأَرْضِ الطَّلْحِ تَحْتَبِلُ الزَّبابَا

لَبِئْسَ الْكَسْبُ تَكْسِبُهُ نُمَيْرٌ... إِذَا اسْتَأْنَوْكَ وانْتَظَروا الإِيابَا

وكان في المخطوطة والمطبوعة: " عرابة "، وهو خطأ صرف.]]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٥٣- حدثني المثني قال، حدثنا سعيد بن سلام أبو الحسن البصري قال، حدثنا سفيان، عن نسير بن ذعلوق، عن ابن عمر في قوله: ﴿وما زادوهم غير تتبيب﴾، قال: غير تخسير. (2)

١٨٥٥٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿غير تتبيب﴾، قال: تخسير.

١٨٥٥٥- حدثنا المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٥٥٦-حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿غير تتبيب﴾، يقول: غير تخسير.

١٨٥٥٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿غير تتبيب﴾، قال: غير تخسير.

قال أبو جعفر: وهذا الخبر من الله تعالى ذكره، وإن كان خبرًا عمَّن مَضَى من الأمم قبلنا، فإنه وعيدٌ من الله جلّ ثناؤه لنا أيتها الأمة، أنا إن سلكنا سبيلَ الأمم قبلَنا في الخلاف عليه وعلى رسوله، سلك بنا سبيلهم في العُقوبة = وإعلام منه لما أنه لا يظلم أحدًا من خلقه، وأن العباد هم الذين يظلمون أنفسهم، كما:-

١٨٥٥٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد قال، اعتذر = يعني ربنا جل ثناؤه = إلى خلقه فقال: ﴿وما ظلمناهم﴾، مما ذكرنا لك من عذاب من عذبنا من الأمم، ﴿ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم﴾، حتى بلغ: ﴿وما زادوهم غير تتبيب﴾، قال: ما زادهم الذين كانوا يعبدونهم غير تتبيب.

حواشي المحقّق (2)
  1. (1)انظر تفسير " أغني عنه " فيما سلف ص: ٢١٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.
  2. (2)الأثر: ١٨٥٥٣ - " سعيد بن سلام، أبو الحسن البصري العطار الثوري الأعور "، منكر الحديث، كذاب يحدث عن الثوري، لا يكتب حديثه، مترجم في الكبير ٢ / ١ / ٤٤١، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣١، ولسان الميزان ٣: ٣١، وميزان الاعتدال ١: ٣٨٢. " ونسير بن ذعلوق الثوري "، ثقة، مضى برقم: ٥٤٩١، ١٣٤٨٨.

نصوص التفسير من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. تفسير سورة هُود من أولها · تفسير باقي السور