تفسير سورة النِّسَاء — الآيات 128–130
نصّ الآيات ثم تفسير ابن كثير وتفسير الطبري بتمامهما، كلّ نصّ باسم كتابه.
المصادر:تفسير ابن كثير (ت 774هـ)تفسير الطبري (ت 310هـ)عن النصوص وطريقة نقلها
تفسير ابن كثير — تفسير القرآن العظيم، الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ). طبعة دار طيبة بتحقيق سامي بن محمد السلامة، في نسختها الرقمية بمكتبة QUL.
تفسير الطبري — جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ). النسخة الرقمية المحققة بمكتبة QUL، بتعليقات المحقق.
ننقل نصّ الإمامَين بتمامه كما طُبع، بما فيه من الآثار بأسانيدها وتعليقات محقّق الطبعة بين معقوفتين، ولا نتصرّف فيه؛ والحكم على ما فيه من الروايات للمفسّر ومحقّقه، وهو مبيَّن في موضعه.
وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًۭا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًۭا ۚ وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌۭ ۗ وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإن خافت امرأة من بعلها، يقول: علمت من زوجها [[انظر تفسير"الخوف" فيما سلف ٤: ٥٥٠ / ثم تفسيره بمعنى: العلم فيما سلف ٨: ٢٩٨، ٢٩٩.
وانظر تفسير"بعل" فيما سلف ٤: ٥٢٦.]] ="نشوزًا"، يعني: استعلاءً بنفسه عنها إلى غيرها، أثَرةً عليها، وارتفاعًا بها عنها، إِما لبغْضة، وإما لكراهة منه بعض أسبابها (1) إِما دَمامتها، وإما سنها وكبرها، أو غير ذلك من أمورها (2) ="أو إعراضًا"، يعني: انصرافًا عنها بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه (3) ="فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا"، يقول: فلا حرج عليهما، يعني: على المرأة الخائفة نشوز بعلها أو إعراضه عنها (4) ="أن يصلحا بينهما صلحًا"، وهو أن تترك له يومها، أو تضعَ عنه بعض الواجب لها من حقّ عليه، تستعطِفه بذلك وتستديم المُقام في حباله، والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح= يقول:"والصلح خير"، يعني: والصلح بترك بعض الحقّ استدامةً للحُرْمة، وتماسكًا بعقد النكاح، خيرٌ من طلب الفرقة والطلاق.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٠٥٧٥- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة: أن رجلا أتى عليًّا رضي الله عنه يستفتيه في امرأة خافتْ من بعلها نشوزًا أو إعراضًا، فقال: قد تكون المرأة عند الرجل فتنبُو عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو فقرها، فتكره فراقه. فإن وضعت له من مهرها شيئًا حَلَّ له، وإن جعلت له من أيامها شيئًا فلا حرج.
١٠٥٧٦- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة قال: سئل علي رضي الله عنه:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا"، قال: المرأة الكبيرة، أو الدميمة، أو لا يحبها زوجها، فيصطلحان.
١٠٥٧٧- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص كلهم، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن علي رضي الله عنه، بنحوه.
١٠٥٧٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن خالد بن عرعرة: أن رجلا سأل عليًّا رضي الله عنه عن قوله:"فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا"، قال: تكون المرأة عند الرجل دميمة، فتنبو عينُه عنها من دمامتها أو كبرها، فإن جعلت له من أيامها أو مالها شيئًا فلا جناح عليه. (5)
١٠٥٧٩- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن أشعث، عن ابن سيرين قال: جاء رجل إلى عمر فسأله عن آية، فكره ذلك وضربه بالدِّرّة، فسأله آخر عن هذه الآية:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، فقال: عن مثل هذا فَسلوا! ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها، [[في المخطوطة: "هذه الامرأة" وهو الأصل في إدخال التعريف على"امرأة"، ولكنه قل في كلامهم، وحكاه أبو علي الفارسي، وهذا شاهده. ولم أثبته، وتركت ما في المطبوعة، لئلا أغرب على القارئ!!
و"خلا من سنها"، أي: كبرت ومضى معظم عمرها. من قولهم: "خلا قرن وزمان" أي: مضى.]] فيتزوج المرأة الشابَّة يلتمس ولدَها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائزٌ.
١٠٥٨٠- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عمران بن عيينة قال، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، قال: هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر، فيريد أن يتزوج عليها، فيتصالحان بينهما صلحًا، (6) على أن لها يومًا، ولهذه يومان أو ثلاثة. (7)
١٠٥٨١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس، بنحوه= إلا أنه قال: حتى تلد أو تكبر= وقال أيضًا: فلا جناح عليهما أن يَصَّالحا على ليلة والأخرى ليلتين.
١٠٥٨٢- حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير قال: هي المرأة تكون عند الرجل قد طالت صحبتها وكبرت، فيريد أن يستبدل بها، فتكره أن تفارقه، ويتزوج عليها فيصالحها على أن يجعل لها أيامًا، (8) وللأخرى الأيام والشهر.
١٠٥٨٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، قال: هي المرأة تكون عند الرجل فيريد أن يفارقها، فتكره أن يفارقها، ويريد أن يتزوج فيقول:"إنّي لا أستطيع أن أقسم لك بمثل ما أقسم لها"، فتصالحه على أن يكون لها في الأيام يوم، فيتراضيان على ذلك، فيكونان على ما اصطلحا عليه.
١٠٥٨٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خيرٌ"، قالت: هذا في المرأة تكون عند الرجل، فلعله أن يكون يستكبر منها، ولا يكون لها ولد ويكون لها صحبة، (9) فتقول: لا تطلقني، وأنت في حِلً من شأني. [[الأثر: ١٠٥٨٤ - خبر هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رواه أبو جعفر من ثلاث طرق متتابعة، ومن طريق مفردة رقم: ١٠٥٨٨.
ورواه البخاري بغير هذا اللفظ (الفتح ٩: ٢٦٦) من طريق ابن سلام، عن أبي معاوية، عن هشام. ثم رواه بلفظ آخر (الفتح ٨: ١٩٩).
ورواه البخاري بغير هذا اللفظ (الفتح ٨: ١٩٩) من طريق محمد بن مقاتل، عن عبد الله بن المبارك، عن هشام عن عائشة وهو إسناد أبي جعفر رقم: ١٠٥٨٦. ثم رواه بلفظ آخر (الفتح ٩: ٢٦٦) من طريق ابن سلام، عن أبي معاوية، عن هشام.
ورواه مسلم (١٨: ١٥٧) من طريق أبي كريب، عن أبي أسامة، عن هشام، ولفظه أقرب إلى اللفظ الذي أقره ناشر المطبوعة الأولى، وذلك: "نزلت في المرأة تكون عند الرجل، فلعله أن لا يستكثر منها، وتكون لها صحبة وولد، فتكره أن يفارقها" الحديث. وأخرجه البيهقي في السنن ٧: ٢٩٦ بلفظ آخر.]]
١٠٥٨٥- حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة في قوله:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، قالت: هذا الرجل يكون له امرأتان: إحداهما قد عجزت، أو هي دميمة وهو لا يستكثر منها، فتقول: لا تطلِّقني، وأنت في حلِّ من شأني.
١٠٥٨٦- حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بنحوه= غير أنه قال: فتقول: أجعلك من شأني في حل! فنزلت هذه الآية في ذلك. (10)
١٠٥٨٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، فتلك المرأة تكون عند الرجل، لا يرى منها كبير ما يحبُّ، (11) وله امرأة غيرها أحبّ إليه منها، فيؤثرها عليها. فأمره الله إذا كان ذلك، أن يقول لها:"يا هذه، إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الأثرة، فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي، (12) وإن كرهت خلَّيت سبيلك! "، فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخيِّرها فلا جناح عليه، وهو قوله:"والصلح خيرٌ"، وهو التخيير.
١٠٥٨٨- حدثنا الربيع بن سليمان وبحر بن نصر قالا حدثنا ابن وهب قال، حدثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أنزل الله هذه الآية في المرأة إذا دخلت في السنّ، (13) فتجعل يومها لامرأة أخرى. قالت ففي ذلك أنزلت:"فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا". (14)
١٠٥٨٩- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: سألته عن قول الله:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، قال: هي المرأة تكون مع زوجها، فيريد أن يتزوج عليها، فتصالحه من يومها على صلح. قال: فهما على ما اصطلحا عليه. فإن انتقضت به، (15) فعليه أن يعدِل عليها، أو يفارقها.
١٠٥٩٠- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم: أنه كان يقول ذلك.
١٠٥٩١- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حجاج، عن مجاهد: أنه كان يقول ذلك.
١٠٥٩٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة في قوله:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا" إلى آخر الآية، قال: يصالحها على ما رضيت دون حقها، فله ذلك ما رضيت. فإذا أنكرت، أو قالت:"غِرْت"، فلها أن يعدل عليها، أو يرضيها، أو يطلِّقها.
١٠٥٩٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن محمد قال: سألت عبيدة عن قول الله:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، قال: هو الرجل تكون له امرأة قدْ خلا من سنها، (16) فتصالحه عن حقها على شيء، فهو له ما رضيت. فإذا كرهت، فلها أن يعدل عليها، أو يرضيها من حقها، أو يطلقها.
١٠٥٩٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن هشام، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن قوله:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا"، فذكر نحو ذلك= إلا أنه قال: فإن سخطت، فله أن يرضيها، أو يوفيها حقَّها كله، أو يطلقها.
١٠٥٩٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة قال، قال إبراهيم: إذا شاءت كانت على حقها، وإن شاءت أبت فردّت الصلح، فذاك بيدها. فإن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها على حقها. (17)
١٠٥٩٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما"، قال قال علي: تكون المرأة عند الرجل الزّمان الكثير، فتخاف أن يطلِّقها، فتصالحه على صلح ما شاء وشاءت= يبيت عندها في كذا وكذا ليلة، وعند أخرى، ما تراضيا عليه= وأن تكون نفقتها دون ما كانت. وما صالحته عليه من شيء فهو جائز.
١٠٥٩٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن عبد الملك، عن أبيه، عن الحكم:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، قال: هي المرأة تكون عند الرجل، فيريد أن يخلِّي سبيلها. فإذا خافت ذلك منه، فلا جناح عليهما أن يصطلحا بينهما صلحًا، تدع من أيامها إذا تزوج. [[الأثر: ١٠٥٩٧ -"يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية الخزاعي" أبو زكرياء: ثقة. مترجم في التهذيب.
وأبوه: "عبد الملك بن حميد بن أبي غنية" وهو"ابن أبي غنية"، مضى برقم: ٨٥٣٥.]]
١٠٥٩٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، إلى قوله:"والصلح خير"، وهو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة، فينكح عليها المرأة الشابة، فيكره أن يفارق أم ولده، فيصالحها على عطيَّةٍ من ماله ونفسه فيطيب له ذلك الصلح.
١٠٥٩٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، فقرأ حتى بلغ"فإن الله كان بما تعملون خبيرًا"، وهذا في الرجل تكون عنده المرأة قد خَلا من سنها، وهان عليه بعض أمرها، فيقول:"إن كنت راضيةً من نفسي ومالي بدون ما كنت ترضَيْنَ به قبل اليوم! "، (18) فإن اصطلحا من ذلك على أمر، فقد أحلَّ الله لهما ذلك، وإن أبت، فإنه لا يصلح له أن يحبسها على الخَسْف. (19)
١٠٦٠٠- حدثت عن الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: أنّ رافع بن خديج كان تحته امرأة قد خلا من سنها، فتزوج عليها شابة، فآثر الشابة عليها. فأبت امرأته الأولى أن تقيم على ذلك، فطلقها تطليقة. حتى إذا بقي من أجلها يسير قال: إن شئت راجعتك وصبرتِ على الأثرة، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك! قالت: بل راجعني وأصبر على الأثرة! فراجعها، ثم آثر عليها، فلم تصبر على الأثرة، فطلَّقها أخرى وآثر عليها الشابة. قال: فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا".
= قال الحسن قال، عبد الرزاق قال، معمر، وأخبرني أيوب، عن ابن سيرين عن عبيدة، بمثل حديث الزهري= وزاد فيه: فإن أضرَّ بها الثالثة، فإنّ عليه أن يوفِّيها حقها، أو يطلّقها. [[الأثر: ١٠٦٠٠ - هذا الأثر رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٠٨ بهذا اللفظ من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، مرفوعًا إلى رافع بن خديج. وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
ورواه البيهقي في السنن ٧: ٢٩٦ من طريق أخرى مطولا، من طريق أبي اليمان، عن شعيب بن أبي جمرة، عن الزهري.
ورواه مالك في الموطأ: ٥٤٨"عن ابن شهاب، عن رافع بن خديج: أنه تزوج بنت محمد بن مسلمة الأنصاري" الحديث، وهو قريب من لفظ معمر، عن الزهري.
وروى الشافعي خبر رافع بن خديج، مختصرًا من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري (الأم ٥: ١٧١).]]
١٠٦٠١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، قال: قول الرجل لامرأته:"أنت كبيرة، وأنا أريد أن أستبدل امرأة شابَّة وضيئة، فقَرِّي على ولدك، فلا أقسم لك من نفسي شيئًا". فذلك الصلح بينهما، وهو أبو السَّنابل بن بَعْكك. [[الأثر: ١٠٦٠١ -"أبو السنابل بن بعكك بن الحارث بن عميلة بن السباق بن عبد الدار القرشي"، هو صحابي من مسلمة الفتح، أخرج له الترمذي، والنسائي وابن ماجه.
و"بعكك" (بفتح فسكون ففتح) على وزن"جعفر".]]
١٠٦٠٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح:"من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، ثم ذكر نحوه= قال شبل: فقلت له: فإن كانت لك امرأة فتقسم لها ولم تقسم لهذه؟ قال: إذا صالحتْ على ذلك، (20) فليس عليه شيء.
١٠٦٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر قال: سألت عامرًا عن الرجل تكون عنده المرأة يريد أن يطلقها، فتقول:"لا تطلقني، واقسم لي يومًا، وللتي تَزَّوَّج يومين"، قال: لا بأس به، هو صلح.
١٠٦٠٤- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خير"، قال: المرأة ترى من زوجها بعض الحطّ، (21) وتكون قد كبرت، أو لا تلد، فيريد زوجها أن ينكح غيرها، فيأتيها فيقول:"إني أريد أن أنكح امرأة شابة أشبَّ منك، (22) لعلها أن تَلِدَ لي وأوثرها في الأيام والنفقة"، فإن رضيت بذلك، وإلا طلقها، فيصطلحان على ما أحبَّا.
١٠٦٠٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، قال: نشوزًا عنها، غَرِضَ بها. (23) الرجل تكون له المرأتان="أو إعراضًا"، بتركها="فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا"، إما أن يرضيها فتحلله، وإما أن ترضِيَه فتعطِفُه على نفسها.
١٠٦٠٦- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، يعني: البغض.
١٠٦٠٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، فهو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة، فيتزوج عليها المرأة الشابة، فيميل إليها، وتكون أعجب إليه من الكبيرة، فيصالح الكبيرة على أن يعطيها من ماله ويقسم لها من نفسه نصيبًا معلومًا.
١٠٦٠٨- حدثنا عمرو بن علي وزيد بن أخزم قالا حدثنا أبو داود قال، حدثنا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خشيت سَوْدة أن يطلِّقها رسول الله ﷺ فقالت: لا تطلِّقني على نسائك، ولا تَقسم لي. ففعل، فنزلت:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا". [[الأثر: ١٠٦٠٨ -"زيد بن أخزم الطائي النبهاني" الحافظ، روى عن أبي داود الطيالسي، ويحيى القطان، وابن مهدي، وأبي عامر العقدي. روى عنه الجماعة، سوى مسلم. قال النسائي: "ثقة". ذبحه الزنج في الفتنة سنة ٢٥٧. مترجم في التهذيب.
و"أخزم" بالخاء المعجمة، والزاي. وكانا في المطبوعة: "أخرم"، وهو خطأ. وهذا الأثر ساقط من المخطوطة.
والأثر في مسند أبي داود: ٣٤٩ رقم: ٢٦٨٣، وفي الترمذي في كتاب التفسير، والبيهقي في السنن ٣: ٢٩٧، واتفقت روايتهم جميعًا:
"... فقالَتْ: لا تُطَلِّقني وأمسكني، واجعل يومي لعائشة. ففعل، فنزلت هذه الآية: وَإن امرأةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أو إعراضًا، الآية، فما اصطلحا عليه من شَيءٍ فهو جائز".
فلا أدري من أين جاء هذا الاختلاف في لفظ الخبر؟ وأرجو أن لا يكون تصرفًا من ناسخ سابق.
وقال الترمذي بعقب روايته: "هذا حديث حسن صحيح غريب".]]
واختلفت القرأة في قراءة قوله:"أن يصلحا بينهما صلحًا" (24)
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة وبعض أهل البصرة بفتح"الياء" وتشديد"الصاد"، بمعنى: أن يتصالحا بينهما صلحًا، ثم أدغمت"التاء" في"الصاد"، فَصُيِّرتا"صادًا" مشددة. (25)
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، بضم"الياء" وتخفيف"الصاد"، بمعنى: أصلح الزوج والمرأة بينهما.
قال أبو جعفر: وأعجب القراءتين في ذلك إليَّ قراءة من قرأ: ﴿أن يصالحا بينهما صلحا﴾، (26) بفتح"الياء" وتشديد"الصاد"، بمعنى: يتصالحا. لأن"التصالح" في هذا الموضع أشهر وأوضح معنى، وأفصح وأكثرُ على ألسن العرب من"الإصلاح". و"الإصلاح" في خلاف"الإفساد" أشهر منه في معنى"التصالح".
فإن ظن ظان أن في قوله:"صلحًا"، دلالة على أن قراءة من قرأ ذلك ﴿يُصْلِحَا﴾ بضم"الياء" أولى بالصواب، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن. وذلك أن"الصلح" اسم وليس بفعل، فيستدلّ به على أولى القراءتين بالصواب في قوله:"يصلحا بينهما صلحًا".
القول في تأويل قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معناه: وأحضرت أنفس النساء الشح على أنصبائهن من أنفس أزواجهن وأموالهم. (27)
ذكر من قال ذلك:
١٠٦٠٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"وأحضرت الأنفس الشح"، قال: نصيبها منه.
١٠٦١٠- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان= قالا جميعًا، حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير:"وأحضرت الأنفس الشح"، قال: في الأيَّام.
١٠٦١١- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء:"وأحضرت الأنفس الشح"، قال: في الأيام والنفقة.
١٠٦١٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي وابن يمان، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: في النفقة.
١٠٦١٣- حدثنا ابن وكيع.. قال، حدثنا روح، عن ابن جريج، عن عطاء قال: في النفقة. (28)
١٠٦١٤- وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء:"وأحضرت الأنفس الشح"، قال: في الأيام. (29)
١٠٦١٥- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية:"وأحضرت الأنفس الشح"، قال: نفس المرأة على نصيبها من زوجها، من نفسه وماله.
١٠٦١٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، بمثله.
١٠٦١٧- حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك، قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مثله.
١٠٦١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن رجل، عن سعيد بن جبير: في النفقة.
١٠٦١٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن الشيباني، عن بكير بن الأخنس، عن سعيد بن جبير قال: في الأيام والنفقة.
١٠٦٢٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن الشيباني، عن سعيد بن جبير قال: في الأيام والنفقة.
١٠٦٢١- حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله:"وأحضرت الأنفس الشح"، قال: المرأة تشحُّ على مال زوجها ونفسه.
١٠٦٢٢- حدثنا المثنى قال، أخبرنا حبّان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير قال: جاءت المرأة حين نزلت هذه الآية:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، قالت:"إني أريد أن تقسم لي من نفسك"! وقد كانت رضيت أن يدَعها فلا يطلِّقها ولا يأتيها، فأنزل الله:"وأحضرت الأنفس الشحَّ".
١٠٦٢٣- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وأحضرت الأنفس الشح"، قال: تطّلع نفسها إلى زوجها وإلى نفقته. قال: وزعم أنها نزلت في رسول الله ﷺ وفي سودة بنت زمعة: كانت قد كبرت، فأراد رسول الله ﷺ أن يطلِّقها، فاصطلحا على أن يمسكها، ويجعل يومها لعائشة، فشحَّت بمكانها من رسول الله ﷺ.
وقال آخرون: معنى ذلك: وأحضرت نفسُ كل واحدٍ من الرجل والمرأة، الشحَّ بحقه قِبَل صاحبه.
ذكر من قال ذلك:
١٠٦٢٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله:"وأحضرت الأنفس الشح"، قال: لا تطيب نفسُه أن يعطيها شيئًا، فتحلله= ولا تطيب نفسُها أن تعطيه شيئًا من مالها، فتعطفه عليها.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى بذلك: أحضرت أنفس النساء الشحَّ بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة.
و"الشح": الإفراط في الحرص على الشيء، وهو في هذا الموضع: إفراط حرصِ المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها.
فتأويل الكلام: وأحضرت أنفس النساء أهواءَهن، من فرط الحرص على حقوقهن من أزواجهن، والشح بذلك على ضَرائرهن.
وبنحو ما قلنا في معنى"الشح" ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول:
١٠٦٢٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"وأحضرت الأنفس الشح"، والشح، هواه في الشيء يحرِص عليه.
وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب، من قول من قال:"عُني بذلك: وأحضرت أنفس الرجال والنساء الشح"، على ما قاله ابن زيد= لأن مصالحة الرجل امرأته بإعطائه إياها من ماله جُعْلا على أن تصفح له عن القسم لها، غير جائزة. وذلك أنه غير معتاض عوضًا من جُعْله الذي بذله لها. والجُعل لا يصح إلا على عِوض: إما عين، وإما منفعة. والرجل متى جعل للمرأة جُعْلا على أن تصفح له عن يومها وليلتها، فلم يملك عليها عينًا ولا منفعة. وإذْ كان ذلك كذلك، كان ذلك من معاني أكل المال بالباطل. وإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لا وجه لقول من قال:"عنى بذلك الرجل والمرأة".
فإن ظن ظانّ أن ذلك إذْ كان حقًّا للمرأة، ولها المطالبة به، فللرجل افتداؤه منها بجُعل، فإن شفعة المستشفع في حصة من دارٍ اشتراها رجل من شريك له فيها حق، له المطالبة بها، فقد يجب أن يكون للمطلوب افتداءُ ذلك منه بجُعل. وفي إجماع الجميع على أن الصلح في ذلك على عِوض غيرُ جائز، إذ كان غير مُعتاض منه المطلوب في الشفعة عينًا ولا نفعًا= ما يدل على بُطول صلح الرجل امرأته على عوض، على أن تصفح عن مطالبتها إياه بالقسمة لها.
وإذا فسد ذلك، صَح أن تأويل الآية ما قلنا. وقد أبان الخبر الذي ذكرناه عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار (30) أنّ قوله:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، الآية: نزلت في أمر رافع بن خديج وزوجته، إذ تزوج عليها شابة، فآثر الشابَّة عليها، فأبت الكبيرة أن تَقِرَّ على الأثرة، فطلقها تطليقة وتركها. فلما قارب انقضاء عِدَّتها خيَّرها بين الفراق والرجعة والصبر على الأثرة، فاختارت الرجعة والصبر على الأثرة. فراجعها وآثر عليها، فلم تصبر، فطلقها. ففي ذلك دليل واضحٌ على أن قوله:"وأحضرت الأنفس الشح"، إنما عُني به: وأحضرت أنفس النساء الشحَّ بحقوقهن من أزواجهن، على ما وصفنا.
قال أبو جعفر: وأما قوله"وإن تحسنوا وتتقوا"، فإنه يعني: وإن تحسنوا، أيها الرجال، في أفعالكم إلى نسائكم، (31) إذا كرهتم منهن دَمامة أو خُلُقًا أو بعضَ ما تكرهون منهن بالصبر عليهن، وإيفائهن حقوقهن وعشرتهن بالمعروف"وتتقوا"، يقول: وتتقوا الله فيهن بترك الجَوْر منكم عليهن فيما يجب لمن كرهتموه منهن عليكم، من القسمة له، والنفقة، والعشرة بالمعروف (32) ="فإن الله كان بما تعملون خبيرًا"، يقول: فإن الله كان بما تعلمون في أمور نسائكم، أيها الرجال، من الإحسان إليهن والعشرة بالمعروف، والجور عليهن فيما يلزمكم لهنّ ويجب="خبيرًا"، يعني: عالمًا خابرًا، لا يخفي عليه منه شيء، بل هو به عالم، وله محصٍ عليكم، حتى يوفِّيكم جزاءَ ذلك: المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته. (33)
حواشي المحقّق (33)
- (1)في المطبوعة: "بعض أشياء بها"، وهو كلام سخيف، لم يحسن فهم ما في المخطوطة. و"الأسباب" جمع"سبب"، وأصله الحبل، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شيء. ثم استعمله أهل القرنين الثاني والثالث وما بعدهما بمعنى: كل ما يتصل بشيء أو يتعلق به. وقد مضى في مواضع من كلام أبي جعفر أخشى أن أكون أشرت إليها في التعليق، ثم غابت عني الآن.
- (2)انظر تفسير"النشوز" فيما سلف ٣: ٤٧٥، ٤٧٦ / ٨: ٢٩٩.
- (3)انظر تفسير"الإعراض" فيما سلف ٢: ٢٩٨، ٢٩٩ / ٦: ٢٩١ / ٨: ٨٨، ٥٦٦.
- (4)انظر تفسير"الجناح" فيما سلف ص: ١٦٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.
- (5)في المطبوعة: "فليس عليه جناح"، وهما سواء، وأثبت ما في المخطوطة.
- (6)في المطبوعة: "فيتصالحا"، والصواب من المخطوطة.
- (7)الأثر: ١٠٥٨٠ -"عمران بن عيينة بن أبي عمران الهلالي" أخو"سفيان بن عيينة" قال ابن معين وأبو زرعة: "صالح الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات، وهو صدوق. وقال أبو حاتم: "لا يحتج بحديثه لأنه يأتي بالمناكير". مترجم في التهذيب. وقد مضى في رقم: ٤١٨٩، بمثل هذا الإسناد.
- (8)في المطبوعة: "فيتزوج عليها فيصالحا على أن يجعل ... "، وأثبت ما في المخطوطة.
- (9)في المطبوعة: "فلعله لا يكون تستكثر منها، ولا يكون لها ولد ولها صحبة"، غير ما في المخطوطة. وأثبت ما في المخطوطة، لأنه صواب في معناه، قوله: "يستكبر منها" أي: يرى أنها بلغت من السن والكبر مبلغًا، يحمله على طلب الشواب. وقوله: "ولا يكون لها ولد يكون لها صحبة"، أي: ولد يدعوه إلى صحبتها وترك مفارقتها. والذي دعا الناشر أن يصححه هو أن حديث عائشة في روايات أخرى، تقول: "الرجل عنده المرأة ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها"، وهو لفظ البخاري، وكما سيأتي في الأثر التالي: ١٠٥٨٥. ولكن ذلك ليس داعية إلى مثل هذا التغيير، فإن المعنى الذي ذكرته، قد جاء عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في الأثر: ١٠٥٨٥، ١٠٥٨٨، وهو: "في المرأة إذا دخلت في السن". فلا معنى لتغيير رواية إلا بعد التحقق من خطأ معناها، أو صواب روايتها في مكان آخر. وانظر تخريج هذا الأثر في التعاليق التالية.
- (10)الأثران - ١٠٥٨٥، ١٠٥٨٦ - هما مكرر الأثر السالف من طريقين.
- (11)في المطبوعة: "كثير ما يحب"، وهي في المخطوطة غير منقوطة، فرجحت قراءتها كما أثبت.
- (12)"المواساة" من"الأسوة"، أصلها الهمزة، فقلبت واوا تخفيفًا. وهي المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق.
- (13)قولها: "دخلت في السن"، أي: كبرت وارتفعت سنها.
- (14)الأثر: ١٠٥٨٨ -"بحر بن نصر بن سابق الخولاني" المصري، ثقة صدوق. روى عن ابن وهب، والشافعي، وأسد بن موسى. روى عنه أبو جعفر الطحاوي. مترجم في التهذيب. هذا، والإسناد في المخطوطة، ليس فيه"بحر بن نصر"، بل هو مفرد بذكر الربيع. ولم أجد الخبر من هذا الوجه في مكان آخر.
- (15)في المطبوعة: "انتقصت به" بالصاد، وأنا في شك لازم منها، وهي في المخطوطة غير منقوطة، فرجحت قراءتها كما أثبت، من قولهم: "نقض الأمر بعد إبرامه، وانتقض وتناقض"، واستعمال"به" مع"انتقضت" عربي جيد، كأنه يحمل معنى"خاص به"، أي نقضه.
- (16)"خلا من سنها"، كبرت ومضى أطيب عمرها.
- (17)الأثر: ١٠٥٩٥ - هذا الأثر ساقط من المخطوطة.
- (18)جواب الشرط محذوف، لدلالة الكلام عليه، أي: إن كنت راضية بذلك، فذلك، وإلا فارقتك.
- (19)"على الخسف": أي على النقيصة، وتحميلها ما تكره.
- (20)في المطبوعة: "إذا صالحته"، وأثبت ما في المخطوطة.
- (21)في المطبوعة: "بعض الجفاء"، غير ما في المخطوطة. و"الحط" الوضع والإنزال. ويريد: بعض البخس من حقها، والفتور في مودتها.
- (22)في المطبوعة والمخطوطة: "أنسب منك"، وهو تصحيف، صواب قراءته ما أثبت.
- (23)"غرض بها" (بالغين المفتوحة وكسر الراء) : ضجر بها وملها. وفي المخطوطة والمطبوعة بالعين المهملة، وهو خطأ صوابه ما أثبت. ثم قوله بعد ذلك: "الرجل تكون له المرأتان"، يعني: أن ذلك في الرجل تكون له المرأتان. وهو كلام مبتدأ لا يتعلق بالفعل الذي قبله.
- (24)في المخطوطة والمطبوعة: "أن يصالحا بينهما" بالألف، وصواب كتابتها ما أثبت، على رسم المصحف، حتى يحتمل الرسم القراءتين جميعًا.
- (25)هكذا رسم هذه القراءة: (أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا) .
- (26)في المخطوطة والمطبوعة معًا: "إلا أن يصالحا"، زاد الناسخ"إلا" سهوًا، وتابعه الناشر.
- (27)في المطبوعة: "وأموالهن"، والصواب من المخطوطة.
- (28)الأثر: ١٠٦١٣ - أخشى أن يكون صواب إسناده"حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا روح" سقط منه"حدثنا أبي قال".
- (29)الأثر: ١٠٦١٤ - هذا الأثر ساقط من المخطوطة.
- (30)هو الأثر رقم: ١٠٦٠٠.
- (31)انظر تفسير"الإحسان" فيما سلف من فهارس اللغة.
- (32)انظر تفسير"التقوى" فيما سلف من فهارس اللغة.
- (33)انظر تفسير"خبير" فيما سلف من فهارس اللغة.
وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا۟ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء"، لن تطيقوا، أيها الرجال، أن تسوُّوا بين نسائكم وأزواجكم في حُبِّهن بقلوبكم حتى تعدِلوا بينهنّ في ذلك، فلا يكون في قلوبكم لبعضهن من المحبة إلا مثلُ ما لصواحبها، لأن ذلك مما لا تملكونه، وليس إليكم="ولو حرصتم"، يقول: ولو حرصتم في تسويتكم بينهن في ذلك، كما:-
١٠٦٢٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم"، قال: واجبٌ، أن لا تستطيعوا العدل بينهن.
="فلا تميلوا كلَّ الميل"، يقول: فلا تميلوا بأهوائكم إلى من لم تملكوا محبته منهن كلَّ الميل، حتى يحملكم ذلك على أن تجوروا على صواحبها في ترك أداء الواجب لهن عليكم من حق: في القسم لهن، والنفقة عليهن، والعشرة بالمعروف (1) = "فتذروها كالمعلقة" يقول: فتذروا التي هي سوى التي ملتم بأهوائكم إليها="كالمعلقة"، يعني: كالتي لا هي ذات زوج، ولا هي أيِّمٌ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ما قلنا في قوله:"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم".
١٠٦٢٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة:"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم"، قال: بنفسه في الحب والجماع.
١٠٦٢٨- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن يونس، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة:"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم"، قال: بنفسه.
١٠٦٢٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص، عن أشعث وهشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: سألته عن قوله:"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم"، فقال: في الجماع
١٠٦٣٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: في الحب والجماع.
١٠٦٣١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سهل، عن عمرو، عن الحسن: في الحب.
١٠٦٣٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: في الحب والجماع.
١٠٦٣٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة في قوله:"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم"، قال: في المودة، كأنه يعني الحبّ.
١٠٦٣٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم"، يقول: لا تستطيع أن تعدل بالشهوة فيما بينهن ولو حرصت.
١٠٦٣٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة= وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة= قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: اللهم أمَّا قلبي فلا أملك! وأما سِوَى ذلك، فأرجو أن أعدل!
١٠٦٣٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم"، يعني: في الحب والجماع.
١٠٦٣٧- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية= وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب= قالا جميعًا، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة: أن رسول الله ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: اللهم هذا قَسْمِي فيما أملك، فلا تَلُمني فيما تَملك ولا أملك. [[الأثر: ١٠٦٣٧ - هذا الأثر رواه أبو داود في سننه ٢: ٣٢٦ رقم: ٢١٣٤ من طريق حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد (الخطمي)، عن عائشة، وانظر التعليق على الأثر رقم: ١٠٦٥٧.
ورواه من هذه الطريق أيضا مرفوعا، النسائي في السنن ٧: ٦٣، ٦٤.
وبه أيضًا، ابن ماجه من سننه ١: ٦٣٤، رقم: ١٩٧١.
وبه أيضًا، الترمذي في سننه (باب ما جاء في التسوية بين الضرائر).
ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٧: ٢٩٨.
وسيرويه أبو جعفر بإسنادين آخرين، أحدهما من طريق حماد بن زيد مرسلا، وهو رقم: ١٠٦٥٦، مع اختلاف يسير في اللفظ.
والآخر، من طريق عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة، مرفوعًا، كما في السنن الأربعة، وهو رقم: ١٠٦٥٧.
وأشار إليه الحافظ في الفتح (٩: ٢٧٤) وقال: "وقد روى الأربعة، وصححه ابن حبان والحاكم". وقال الترمذي بعقبه: "حديث عائشة، هكذا رواه غير واحد: عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقسم= ورواه حماد بن زيد وغير واحد، عن أيوب، عن أبي قلابة، مرسلا: أن النبي ﷺ كان يقسم= وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة". وزاد الطبري هنا طريقين في روايته مرسلا: ابن علية، عن أيوب= وعبد الوهاب، عن أيوب.
ثم قال الترمذي ومعنى قوله: "لا تلمني فيما تملك ولا أملك"= إنما يعني به الحب والمودة، كذا فسره بعض أهل العلم".
وقال أبو داود في سننه: "يعني القلب".]]
١٠٦٣٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة قال: نزلت هذه الآية في عائشة:"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء".
١٠٦٣٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك، قال: في الشهوة والجماع.
١٠٦٤٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال: في الجماع.
١٠٦٤١ - حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء قال، قال سفيان في قوله:"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم"، قال: في الحب والجماع.
١٠٦٤٢- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم"، قال: ما يكون من بدنه وقلبه، فذلك شيء لا يستطيع يَمْلكه. (2)
ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله:"فلا تميلوا كلَّ الميل".
١٠٦٤٣ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن عون، عن محمد قال: قلت لعبيدة:"فلا تميلوا كل الميل"، قال: بنفسه.
١٠٦٤٤- حدثنا سفيان قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة، مثله.
١٠٦٤٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة:"فلا تميلوا كل الميل"، قال هشام: أظنه قال: في الحب والجماع.
١٠٦٤٦- حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة في قوله:"كل الميل"، قال: بنفسه.
١٠٦٤٧ - حدثنا بحر بن نصر الخولاني قال، حدثنا بشر بن بكر قال، أخبرنا الأوزاعي، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن قول الله:"فلا تميلوا كل الميل"، قال: بنفسه. (3)
١٠٦٤٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن:"فلا تميلوا كل الميل"، قال: في الغشيان والقَسْم. (4)
١٠٦٤٩ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فلا تميلوا كل الميل"، لا تعمَّدوا الإساءة.
١٠٦٥٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٠٦٥١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج قال: بلغني عن مجاهد:"فلا تميلوا كل الميل"، قال: يتعمد أن يسيء ويظلم. (5)
١٠٦٥٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٠٦٥٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"فلا تميلوا كل الميل"، قال: هذا في العمل في مبيته عندها، وفيما تصيب من خيره.
١٠٦٥٤ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فلا تميلوا كل الميل"، يقول: يميل عليها، فلا ينفق عليها، ولا يقسم لها يومًا.
١٠٦٥٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد:"فلا تميلوا كل الميل"، قال: يتعمد الإساءة، يقول:"لا تميلوا كل الميل"، قال: بلغني أنه الجماع.
١٠٦٥٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول: اللهم هذه قِسْمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك! (6)
١٠٦٥٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة، عن النبي ﷺ، بمثله. [[الأثر: ١٠٦٥٧ -"عبد الله بن يزيد" هو: رضيع عائشة. روى عن عائشة. وعنه أبو قلابة الجرمي. ذكره ابن حبان في الثقات. وكان في المطبوعة والمخطوطة"عبد الله بن زيد"، وهو خطأ كما سترى.
هذا وقد جاء في سنن أبي داود وحدها"عبد الله بن يزيد الخطمي"، والآخرون لم يقولوا: "الخطمي"، اقتصروا على اسمه وحده. وهذا هو الصواب، فإن"عبد الله بن يزيد بن زيد الخطمي"، لم يذكر في تراجمه أنه روى عن عائشة، ولا أن أبا قلابة الجرمي قد روى عنه.
والذي يروي عن عائشة: عبد الله بن يزيد، رضيع عائشة. وقد نص الحافظ ابن حجر في ترجمته في التهذيب (٦: ٨٠) أنه له عند الأربعة: "اللهم هذا قسمي فيما أملك"، فثبت على اليقين، أن الذي في النسخ المطبوعة من سنن أبي داود، خطأ محض، وأن الصواب حذف"الخطمي" من إسنادها. والله الموفق للصواب. كتبه محمود محمد شاكر.]]
١٠٦٥٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نَهيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من كانت له امرأتان يَميل مع إحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة أحدُ شِقَّيه ساقط. [[الأثر: ١٠٦٥٨ - هذا الأثر، رواه أبو داود الطيالسي عن همام، في مسنده: ٣٢٢ رقم: ٢٤٥٤، باختلاف يسير في لفظه.
ورواه أبو داود في السنن ٢: ٣٢٦، رقم: ٢١٣٣، من طريق أبي الوليد الطيالسي، عن همام، ولفظه: "وشقه مائل".
ورواه النسائي ٧: ٦٣، من طريق عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن همام، ولفظه: "أحد شقيه مائل".
ورواه ابن ماجه في سننه ١: ٦٣٣ رقم: ١٩٦٩، من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، بلفظ الطبري.
ورواه الترمذي في السنن، في باب (ما جاء في التسوية بين الضرائر)، من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن همام.
ورواه البيهقي ٧: ٢٩٧ من طرق.
قال الترمذي: "وإنما أسند هذا الحديث همام بن يحيى، عن قتادة. ورواه هشام الدستوائي عن قتادة، قال: "كان يقال". ولا نعرف هذا الحديث مرفوعًا إلا من حديث همام".]]
ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله:"فتذروها كالمعلقة".
١٠٦٥٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"فتذروها كالمعلقة"، قال: تذروها لا هي أيّم، ولا هي ذات زوج. (7)
١٠٦٦٠- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير:"فتذروها كالمعلقة"، قال: لا أيِّمًا ولا ذات بعل.
١٠٦٦١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن مبارك، عن الحسن:"فتذروها كالمعلقة"، قال: لا مطلقة ولا ذات بعل.
١٠٦٦٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن، مثله.
١٠٦٦٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فتذروها كالمعلقة"، أي كالمحبوسة، أو كالمسجونة.
١٠٦٦٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فتذروها كالمعلقة"، قال: كالمسجونة. [[في المخطوطة، "كالمسجونة، كالمحبوسة"، ووضع فوق الأولى حرف (ط) وفوق الأخرى (كذا)، ولا أدري ما الذي أراد باستشكاله هذا. أما المطبوعة، فقد حذفت"كالمحبوسة" واقتصرت على واحدة، وكأنه ظن أنه أراد حذف التي عليها (ط)، وإبقاء الأخرى، ولعله أصاب، فتركت ما في المطبوعة على حاله.
وأراد بقوله: "المسجونة" و"المحبوسة"، أن زوجها سجنها، أو حبسها فلم يرسلها، ولم يسرحها بالطلاق.]]
١٠٦٦٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام بن سلم، عن أبي جعفر، عن الربيع في قوله:"فتذروها كالمعلقة"، يقول: لا مطلقة ولا ذات بعل.
١٠٦٦٦- حدثني المثنى قال، حدثني إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس في قوله:"فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة"، لا مطلقة ولا ذات بعل. (8)
١٠٦٦٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج قال: بلغني عن مجاهد:"فتذروها كالمعلقة"، قال: لا أيما ولا ذات بعل.
١٠٦٦٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح:"فتذروها كالمعلقة"، ليست بأيم ولا ذات زوج.
١٠٦٦٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي وأبو خالد وأبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك، قال: لا تدعها كأنها ليس لها زوج.
١٠٦٧٠- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فتذروها كالمعلقة"، قال: لا أيِّمًا ولا ذات بعل.
١٠٦٧١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فتذروها كالمعلقة"، قال:"المعلقة"، التي ليست بمُخَلاة ونفسها فتبتغي لها، وليست متهيئة كهيئة المرأة من زوجها، لا هي عند زوجها، ولا مفارقة، فتبتغي لنفسها. فتلك"المعلقة".
قال أبو جعفر: وإنما أمر الله جل ثناؤه بقوله:"فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة"، الرجالَ بالعدل بين أزواجهن فيما استطاعوا فيه العدل بينهن من القسمة بينهن، والنفقة، وترك الجور في ذلك بإرسال إحداهن على الأخرى فيما فرض عليهم العدلَ بينهن فيه، إذ كان قد صفح لهم عمَا لا يطيقون العدلَ فيه بينهنّ مما في القلوب من المحبة والهوى.
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"وإن تصلحوا" أعمالكم، أيها الناس، فتعدلوا في قسمكم بين أزواجكم، وما فرض الله لهن عليكم من النفقة والعشرة بالمعروف، فلا تجوروا في ذلك="وتتقوا"، يقول: وتتقوا الله في الميل الذي نهاكم عنه، بأن تميلوا لإحداهن على الأخرى، فتظلموها حقها مما أوجبَه الله لها عليكم="فإن الله كان غفورًا"، يقول: فإن الله يستر عليكم ما سلف منكم من ميلكم وجوركم عليهن قبل ذلك، بتركه عقوبتكم عليه، ويغطِّي ذلك عليكم بعفوه عنكم ما مضى منكم في ذلك قبل="رحيمًا"، يقول: وكان رحيمًا بكم، إذ تاب عليكم، فقبل توبَتكم من الذي سلف منكم من جوركم في ذلك عليهن، وفي ترخيصه لكم الصلح بينكم وبينهن، بصفحهن عن حقوقهن لكم من القَسْم على أن لا يطلَّقن. (9)
حواشي المحقّق (9)
- (1)انظر تفسير"الميل" فيما سلف ٨: ٢١٢.
- (2)حذفت"أن"، وسياقه"لا تستطيع أن تملكه". وحذف"أن" قبل المضارع، جائز صحيح، كثير في كلام العرب، وكثير في كلام القدماء من العلماء والكتاب.
- (3)الأثر: ١٠٦٤٧ -"بحر بن نصر الخولاني"، مضى قريبًا برقم: ١٠٥٨٨. وهذا الأثر ساقط من المخطوطة.
- (4)الأثر: ١٠٦٤٨ -"سهل بن يوسف الأنماطي"، ثقة، من شيوخ أحمد. مترجم في التهذيب، وقد مضى في الأسانيد: ٢٩٦٦، ٣٢٦٠، ٤٨٧٦، ٨٧٦٥.
- (5)الأثر: ١٠٦٥١ -"محمد بن بكر بن عثمان البرساني"، ثقة. مضى برقم: ٥٤٣٨.
- (6)الأثر: ١٠٦٥٦ - انظر التعليق على الأثر السالف رقم: ١٠٦٣٧.
- (7)في المطبوعة: "ولا ذات روج"، وأثبت ما في المخطوطة.
- (8)الأثر: ١٠٦٦٦ - عبد الرحمن بن سعد: هو: "عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن عثمان الرازي". روى عن أبيه، وأبي خيثمة، وعمرو بن أبي قيس الرازي، وأبي جعفر الرازي. ثقة. مترجم في التهذيب.
- (9)انظر تفسير"التقوى" و"غفور"، و"رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّۭا مِّن سَعَتِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًۭا
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا وَمُشَرِّعًا عَنْ حَالِ الزَّوْجَيْنِ: تَارَةً فِي حَالِ نُفُورِ الرَّجُلِ عَنِ الْمَرْأَةِ، وَتَارَةً فِي حَالِ اتِّفَاقِهِ مَعَهَا، وَتَارَةً فِي حَالِ (1) فِرَاقِهِ لَهَا.
فَالْحَالَةُ الْأُولَى: مَا إِذَا خَافَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أَنْ يَنْفِرَ عَنْهَا، أَوْ يُعْرِضَ عَنْهَا، فَلَهَا أَنْ تُسْقِطَ حَقَّهَا أَوْ بَعْضَهُ، مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ كُسْوَةٍ، أَوْ مَبِيتٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهَا فَلَا جَنَاحَ (2) عَلَيْهَا فِي بَذْلِهَا ذَلِكَ لَهُ، وَلَا عَلَيْهِ فِي قَبُولِهِ مِنْهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أَيْ: مِنَ الْفِرَاقِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أَيِ الصُّلْحُ عِنْدَ المُشَاحَّة خَيْرٌ مِنَ الْفِرَاقِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا كَبِرَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَة عَزْمَ (3) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى فِرَاقِهَا، فَصَالَحَتْهُ عَلَى أَنْ يُمْسِكَهَا، وَتَتْرُكَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، فَقَبِل ذَلِكَ مِنْهَا وَأَبْقَاهَا عَلَى ذَلِكَ.
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ:
قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَشيت سَوْدَة أَنْ يُطَلِّقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تُطَلِّقْنِي وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ. فَفَعَلَ، وَنَزَلَتْ (4) هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الْآيَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، بِهِ. وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ (5)
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم تُوُفِّيَ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ (6).
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا كَبرْت سودةُ بنتُ زَمعة وهبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ لَهَا بِيَوْمِ سَوْدَةَ (7).
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، نَحْوُهُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّناد، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ (8) قَالَ: أَنْزَلَ (9) اللَّهُ تَعَالَى فِي سَوْدَةَ (10) وَأَشْبَاهِهَا: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ وذلك أن سَوْدَةَ كَانَتِ امْرَأَةً قَدْ أَسَنَّتْ، فَفَزِعَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ، وضنَّت بِمَكَانِهَا مِنْهُ، وَعَرَفَتْ مِنْ حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَائِشَةَ وَمَنْزِلَتِهَا مِنْهُ، فَوَهَبَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ (11).
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّناد (12) مَوْصُولًا. وَهَذِهِ الطَّرِيقُ رَوَاهَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ فَقَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّناد، عَنْ هِشَامِ بْنِ (13) عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: يَا ابْنَ أُخْتِي، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيس، حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى مَنْ هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا، وَلَقَدْ قَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعة -حِينَ أَسَنَّتْ وفَرِقت أَنْ يُفَارِقَهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمِي هَذَا لِعَائِشَةَ. فَقَبِل ذَلِكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ (14).
وَقَدْ رَوَاهُ [الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ] (15) بْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِلَالٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، بِهِ نَحْوَهُ. وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ (16) مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِنَحْوِهِ مُخْتَصَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولي فِي أَوَّلِ مُعْجَمِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوائي، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزّة قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعة بِطَلَاقِهَا، فَلَمَّا أَنْ أَتَاهَا جَلَسَتْ لَهُ عَلَى طَرِيقِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ لَهُ: أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ كَلَامَهُ (17) وَاصْطَفَاكَ عَلَى خَلْقِهِ لمَّا رَاجَعْتَنِي، فَإِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَلَا حَاجَةَ لِي فِي الرِّجَالِ، لَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أُبْعَثَ مَعَ نِسَائِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَرَاجَعَهَا فَقَالَتْ: إِنِّي (18) جَعَلْتُ يَوْمِي وَلَيْلَتِي لِحبّة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَهَذَا غَرِيبٌ مُرْسَلٌ (19).
وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتِ (20) الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ، لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا، يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حَلٍّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا (21) بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قَالَتْ: هَذَا فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَلَعَلَّهُ أَلَّا يَكُونَ يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا، وَلَا يَكُونُ لَهَا وَلَدٌ، وَلَهَا صُحْبَةٌ فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهال، حَدَّثَنَا حمَّاد بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هشام، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتْ: هُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْمَرْأَتَانِ: إِحْدَاهُمَا قَدْ كَبِرَتْ، أَوْ هِيَ دَمِيمة (22) وَهُوَ لَا يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي، وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي.
وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ (23) بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثْنَا ابْنُ حُمَيد وابنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ آيَةٍ، فكَرِه ذَلِكَ وَضَرْبَهُ بِالدِّرَّةِ، فَسَأَلَهُ آخَرُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ فَقَالَ: عَنْ مِثْلِ هَذَا فَسَلُوا. ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، قَدْ خَلَا مِنْ سِنِّهَا، فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ الشَّابَّةَ يَلْتَمِسُ وَلَدَهَا، فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الهِسِنْجاني، حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَة قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (24) فَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ الله عز وجل: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ قَالَ عَلِيٌّ: يَكُونُ الرَّجُلُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ، فَتَنْبُو عَيْنَاهُ عَنْهَا مِنْ دَمَامَتِهَا، أَوْ كِبَرِهَا، أَوْ سُوءِ خُلُقِهَا، أَوْ قُذَذِهَا، فَتَكْرَهُ فِرَاقَهُ، فَإِنْ وَضَعَتْ لَهُ مِنْ مَهْرِهَا شَيْئًا حَلَّ لَهُ، وَإِنْ جَعَلَتْ لَهُ مِنْ أَيَّامِهَا فَلَا حَرَجَ.
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي الْأَحْوَصِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ سِمَاك، بِهِ (25) وَكَذَا فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وعُبَيدة السَّلْمَاني، وَمُجَاهِدُ بْنُ جَبْر، والشُّعَبِي، وَسَعِيدُ بْنُ جبَيْر، وَعَطَاءٌ، وَعَطِيَّةُ العوْفي وَمَكْحُولٌ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتْبَةَ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَلَا أَعْلَمُ [فِي ذَلِكَ] (26) خِلَافًا فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المسيَّب: أَنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمة كانت عِنْدَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِكْرِهَ مِنْهَا أَمْرًا إِمَّا كِبَرًا أَوْ غَيْرَهُ فَأَرَادَ طَلَاقَهَا فَقَالَتْ: لَا تُطَلِّقْنِي وَاقْسِمْ لِي مَا بَدَا لَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الْآيَةَ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ بِأَطْوَلِ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ (27).
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَني، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَار: أَنَّ السُّنَّة فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَ اللَّهُ فِيهِمَا نُشُوزَ الْمَرْءِ وَإِعْرَاضَهُ عَنِ امْرَأَتِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ إِلَى تَمَامِ الْآيَتَيْنِ، أَنَّ الْمَرْءَ (28) إِذَا نَشَزَ عَنِ امْرَأَتِهِ وَآثَرَ عَلَيْهَا، فَإِنَّ مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهَا أَنْ يُطَلِّقَهَا أَوْ تَسْتَقِرَّ عِنْدَهُ عَلَى مَا كَانَتْ مِنْ أَثَرَةٍ فِي القَسْم مِنْ مَالِهِ وَنَفْسِهِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَرِهَتْ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيمَا آثَرَ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهَا الطَّلَاقَ، وَصَالَحَهَا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ مَالِهِ مَا تَرْضَاهُ وَتَقِرَّ عِنْدَهُ عَلَى الْأَثَرَةِ فِي القَسْم مِنْ مَالِهِ وَنَفْسِهِ، صَلَحَ لَهُ ذَلِكَ، وَجَازَ صُلْحُهَا عَلَيْهِ، كَذَلِكَ ذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ المسيَّب وَسُلَيْمَانُ الصُّلحَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْر﴾.
وَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ رَافِعَ بْنَ خُدَيْج الْأَنْصَارِيَّ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ-كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَتَاةً شَابَّةً، وَآثَرَ عَلَيْهَا الشَّابَّةَ، فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ أَمْهَلَهَا، حَتَّى إِذَا كَادَتْ تحل راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً أُخْرَى، ثُمَّ أَمْهَلَهَا، حتى إذا كادت تحل راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها، فناشدنه الطَّلَاقَ فَقَالَ لَهَا: مَا شئتِ، إِنَّمَا بَقِيَتْ لَكِ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ شئتِ استقررتِ عَلَى مَا تَريْن مِنَ الْأَثَرَةِ، وَإِنْ شِئْتِ فَارَقْتُكِ، فَقَالَتْ: لَا بَلْ أَسْتَقِرُّ عَلَى الْأَثَرَةِ. فَأَمْسَكَهَا عَلَى ذَلِكَ، فَكَانَ ذَلِكَ صُلْحَهُمَا، وَلَمْ يَرَ رَافِعٌ عَلَيْهِ إِثْمًا حِينَ رَضِيَتْ (29) أَنْ تَسْتَقِرَّ عِنْدَهُ عَلَى الْأَثَرَةِ فِيمَا آثَرَ بِهِ عَلَيْهَا.
وَهَذَا رَوَاهُ بِتَمَامِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (30)
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي التَّخْيِيرَ، أَنْ يُخَيِّرَ الزَّوْجُ لَهَا بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالْفِرَاقِ، خَيْرٌ مِنْ تَمَادِي الزَّوْجِ عَلَى أَثَرَةِ غَيْرِهَا عَلَيْهَا.
وَالظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ صُلْحَهُمَا عَلَى تَرْكِ بَعْضِ حَقِّهَا لِلزَّوْجِ، وَقَبُولِ الزَّوْجِ ذَلِكَ، خَيْرٌ مِنَ الْمُفَارَقَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا أَمْسَكَ النَّبِيُّ ﷺ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعة عَلَى أَنْ تَرَكَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَلَمْ يُفَارِقْهَا بَلْ تَرَكَهَا مِنْ جُمْلَةِ نِسَائِهِ، وَفِعْلُهُ ذَلِكَ لِتَتَأَسَّى بِهِ أُمَّتُهُ فِي مَشْرُوعِيَّةٍ ذَلِكَ وَجَوَازِهِ، فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَلَمَّا كَانَ الْوِفَاقُ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] (31) مِنَ الْفِرَاقِ قَالَ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾
بَلِ الطَّلَاقُ بَغِيضٌ إِلَيْهِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مُعَرِّف بْنِ وَاصِلٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَار، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ (32) الطَّلَاقُ".
ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ مُعَرِّف، بن مُحَارِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ... فَذَكَرَ مَعْنَاهُ مُرْسَلًا [[سنن أبي داود برقم (٢١٧٨) وسنن ابن ماجة برقم (٢٠١٨) من حديث ابن عمر.
وقال أبو حاتم: "إنما هو محارب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل" العلل (١/٤٣١) والطريق المرسلة رواها أبو داود في السنن برقم (٢١٧٧) وقد توسع الشيخ ناصر الألباني في الكلام على هذا الحديث في كتابه إرواء الغليل (٢٠٤٠) بما يكفي فليراجع.]].
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [أَيْ] (33) وَإِنْ تَتَجَشَّمُوا مَشَقَّةَ الصَّبْرِ عَلَى مَنْ تَكْرَهُونَ مِنْهُنَّ، وَتُقْسِمُوا لَهُنَّ أُسْوَةَ أَمْثَالِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِذَلِكَ وَسَيَجْزِيَكُمْ عَلَى ذَلِكَ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أَيْ: لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْ تُسَاوُوا بَيْنَ النِّسَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ حَصَلَ القسْم الصُّورِيُّ: لَيْلَةً وَلَيْلَةً، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّفَاوُتِ فِي الْمَحَبَّةِ وَالشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعُبَيْدة السَّلْمَاني، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجُعَفِي، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيع، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكة قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ فِي عَائِشَةَ. يَعْنِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّهَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ حَدِيثِ حمَّاد بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ" يَعْنِي: الْقَلْبَ.
لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، لَكِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مُرْسَلًا قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ (34).
وَقَوْلُهُ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أَيْ: فَإِذَا مِلْتُمْ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ (35) فَلَا تُبَالِغُوا فِي الْمَيْلِ بِالْكُلِّيَّةِ ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أَيْ: فَتَبْقَى هَذِهِ الْأُخْرَى مُعَلَّقة.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: مَعْنَاهُ لَا ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا مُطَلَّقَةً.
وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: أَنْبَأَنَا هَمَّام، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بشير بن نَهِيك، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ سَاقِطٌ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ حَدِيثِ همَّام بْنِ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّمَا أَسْنَدَهُ همَّام، ورواه هشام الدستوائي عَنْ قَتَادَةَ -قَالَ: "كَانَ يُقَالُ". وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ همَّام (36).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أَيْ: وَإِنْ أَصْلَحْتُمْ فِي أُمُورِكُمْ، وَقَسَمْتُمْ بِالْعَدْلِ فِيمَا تَمْلِكُونَ، وَاتَّقَيْتُمِ اللَّهَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ مَا كَانَ مِنْ مَيْلٍ إِلَى بَعْضِ النِّسَاءِ دُونَ بَعْضٍ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ وَهَذِهِ هِيَ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ، وَهِيَ حَالَةُ الْفِرَاقِ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمَا إِذَا تَفَرَّقَا فَإِنَّ اللَّهَ يُغْنِيهِ عَنْهَا وَيُغْنِيهَا عَنْهُ، بِأَنْ يُعَوِّضَهُ بِهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْهَا، وَيُعَوِّضَهَا عَنْهُ بِمَنْ هُوَ خَيْرٌ لَهَا مِنْهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ أَيْ: وَاسْعَ الْفَضْلِ عَظِيمَ الْمَنِّ، حَكِيمًا فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْدَارِهِ وَشَرْعِهِ.
حواشي المحقّق (36)
- (1)في أ: "عند".
- (2)في ر، أ: "فلا حرج".
- (3)في أ: "وعزم".
- (4)في أ: "فنزلت".
- (5)سنن الترمذي برقم (٣٠٤٠) .
- (6)الأم (٥/٩٨) .
- (7)صحيح البخاري برقم (٥٢١٢) وصحيح مسلم برقم (١٤٦٣) .
- (8)في ر، أ: "عن هشام بن عروة عن أبيه".
- (9)في ر، أ: "لما أنزل".
- (10)في أ: "أنزلت في سودة".
- (11)سنن سعيد بن منصور برقم (٧٠٢) وسنن البيهقي الكبرى (٧/٢٩٧) .
- (12)في هـ: "عن الحسن بن أبي الزناد" وهو تحريف.
- (13)في ر: "عن".
- (14)المستدرك (٢/١٨٦) ووافقه الذهبي، وسنن أبي داود برقم (٢١٣٥) .
- (15)زيادة من: ر، أ.
- (16)في ر: "عن".
- (17)في ر، أ: "كتابه".
- (18)في أ: "فإن".
- (19)ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/٥٤) من طريق مسلم بن إبراهيم به.
- (20)في ر: "قال".
- (21)في ر: "يصالحا".
- (22)في أ: "وهى ذميمة".
- (23)تفسير الطبري (٩/٢٧١) وصحيح البخاري برقم (٥٢٠٦) وصحيح مسلم برقم (٣٠٢١) .
- (24)زيادة من أ.
- (25)تفسير الطبري (٩/٢٦٩) .
- (26)زيادة من أ.
- (27)المستدرك (٢/٣٠٨) ورواه الواحدي في أسباب النزول برقم (١٢٨) من طريق الربيع عن الشافعي به.
- (28)في ر، أ: "المراد".
- (29)في أ: "عليها أنها حين رضيت".
- (30)السنن الكبرى (٧/٢٩٦) .
- (31)زيادة من ر.
- (32)في ر، أ: "الله سبحانه وتعالى".
- (33)زيادة من ر، أ.
- (34)سنن أبي داود برقم (٢١٣٤) وسنن الترمذي برقم (١١٤٠) وسنن النسائي (٧/٦٣) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٧١) .
- (35)في ر، أ: "منهن" وهو الصحيح".
- (36)مسند الطيالسي برقم (١٥٩٧) والمسند (١/٤٧١) وسنن أبي داود برقم (٢١٣٣) وسنن الترمذي برقم (١١٤١) وسنن النسائي (٧/٦٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٩٦٩) .
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أبت المرأة التي قد نشز عليها زوجها= إذ أعرض عنها بالميل منه إلى ضرّتها لجمالها أو شبابها، أو غير ذلك مما تميل النفوس له إليها (1) = الصلحَ بصفحها لزوجها عن يومها وليلتها، (2) وطلبت حقَّها منه من القسم والنفقة، وما أوجب الله لها عليه= وأبى الزوج الأخذَ عليها بالإحسان الذي ندبه الله إليه بقوله:"وإن تُحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرًا"، وإلحاقَها في القسم لها والنفقة والعشرة بالتي هو إليها مائل، (3) فتفرقا بطلاق الزوج إياها="يُغْنِ الله كلا من سعته"، يقول: يغن الله الزوجَ والمرأة المطلقة من سعة فضله. أما هذه، فبزوج هو أصلح لها من المطلِّق الأول، أو برزق أوسع وعصمة. وأما هذا، فبرزق واسع وزوجة هي أصلح له من المطلقة، [[انظر تفسير"السعة" فيما سلف ص: ١٢١.
وقوله: "أو عفة" يعني: فبرزق واسع... أو بعفة.]] أو عفة="وكان الله واسعًا"، يعني: وكان الله واسعًا لهما، في رزقه إياهما وغيرهما من خلقه (4) ="حكيمًا"، فيما قضى بينه وبينها من الفرقة والطلاق، وسائر المعاني التي عرفناها من الحكم بينهما في هذه الآيات وغيرها، وفي غير ذلك من أحكامه وتدبيره وقضاياه في خلقه. (5)
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٠٦٧٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته"، قال: الطلاق. (6)
١٠٦٧٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حواشي المحقّق (6)
- (1)في المطبوعة: "أو أعرض عنها ... مما تميل النفوس به إليها"، غير"إذ"، و"له"، وهما نص المخطوطة، وهو الصواب. ويعني: مما تميل النفوس من أجله إلى هذه المرأة التي وصف.
- (2)في المطبوعة والمخطوطة: "الصلح لصفحها" والصواب ما أثبت، وقوله: "الصلح" منصوب، مفعول به لقوله: "فإن أبت المرأة ... الصلح"، هكذا السياق.
- (3)قوله: "وإلحاقها" معطوف في السياق على قوله: "وأبى الزوج الأخذ عليها بالإحسان ... وإلحاقها ... ".
- (4)انظر تفسير"واسع" فيما سلف ٢: ٥٣٧ / ٥: ٥١٦، ٥٧٥ / ٦: ٥١٧.
- (5)انظر تفسير"حكيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
- (6)في المطبوعة: "قال: الطلاق، يغني الله كلا من سعته"، وليس ذلك كله في المخطوطة بل سقط منها بقية الخبر. فاقتصرت على ما جاء في الدر المنثور ٢: ٢٣٤، عن مجاهد وهو: "قال: الطلاق"، كما أثبته.
نصوص التفسير من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. تفسير سورة النِّسَاء من أولها · تفسير باقي السور