تفسير سورة الكَهف — الآيات 55–56
نصّ الآيات ثم تفسير ابن كثير وتفسير الطبري بتمامهما، كلّ نصّ باسم كتابه.
المصادر:تفسير ابن كثير (ت 774هـ)تفسير الطبري (ت 310هـ)عن النصوص وطريقة نقلها
تفسير ابن كثير — تفسير القرآن العظيم، الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ). طبعة دار طيبة بتحقيق سامي بن محمد السلامة، في نسختها الرقمية بمكتبة QUL.
تفسير الطبري — جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ). النسخة الرقمية المحققة بمكتبة QUL، بتعليقات المحقق.
ننقل نصّ الإمامَين بتمامه كما طُبع، بما فيه من الآثار بأسانيدها وتعليقات محقّق الطبعة بين معقوفتين، ولا نتصرّف فيه؛ والحكم على ما فيه من الروايات للمفسّر ومحقّقه، وهو مبيَّن في موضعه.
وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّهُمْ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلًۭا
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا (٥٥) ﴾
يقول عزّ ذكره: وما منع هؤلاء المشركين يا محمد الإيمان بالله إذ جاءهم الهدى بيان الله: وعلموا صحة ما تدعوهم إليه وحقيقته، والاستغفار مما هم عليه مقيمون من شركهم، إلا مجيئهم سنتنا في أمثالهم من الأمم المكذبة رسلها قبلهم، أو إتيانهم العذاب قُبلا.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: أو يأتيهم العذاب فجأة.
ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا﴾ قال فجأة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون: معناه: أو يأتيهم العذاب عيانا.
ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا﴾ قال: قبلا معاينة ذلك القبل.
وقد اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته جماعة ذات عدد (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا) بضم القاف والباء، بمعنى أنه يأتيهم من العذاب ألوان وضروب، ووجهوا القُبُل إلى جمع قبيل، كما يُجمع القتيل القُتُل، والجديد الجُدُد، وقرأ جماعة أخرى: "أو يَأتِيَهُمُ العَذَابُ قِبَلا" بكسر القاف وفتع الباء،. بمعنى أو يأتيهم العذاب عيانا من قولهم: كلمته قِبَلا. وقد بيَّنت القول في ذلك في سورة الأنعام بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلْبَٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ ۖ وَٱتَّخَذُوٓا۟ ءَايَٰتِى وَمَآ أُنذِرُوا۟ هُزُوًۭا
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَمَرُّدِ (1) الْكَفَرَةِ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ وَحَدِيثِهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ بِالْحَقِّ الْبَيِّنِ الظَّاهِرِ مَعَ مَا يُشَاهِدُونَ مِنَ الْآيَاتِ [وَالْآثَارِ] (2) وَالدَّلَالَاتِ الْوَاضِحَاتِ، وَأَنَّهُ مَا مَنَعَهُمْ مِنَ اتِّبَاعِ ذَلِكَ إِلَّا طَلَبُهُمْ أَنْ يُشَاهِدُوا الْعَذَابَ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ عَيَانًا، كَمَا قَالَ أُولَئِكَ لِنَبِيِّهِمْ: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ:١٨٧]، وَآخَرُونَ قَالُوا: ﴿ائْتِنَا (3) بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:٢٩]، وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الْأَنْفَالِ:٣٢]، ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الْحِجْرِ:٧، ٦] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ [مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ] (4).
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ مِنْ غِشْيَانِهِمْ بِالْعَذَابِ وَأَخْذِهِمْ عَنْ آخِرِهِمْ، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا﴾ أَيْ: يَرَوْنَهُ عَيَانًا مُوَاجَهَةً [وَمُقَابَلَةً] (5)، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ أَيْ: قَبْلَ الْعَذَابِ مُبَشِّرِينَ (6) مَنْ صَدَّقَهُمْ وَآمَنَ بِهِمْ، وَمُنْذِرِينَ (7) مَنْ كَذَّبَهُمْ وَخَالَفَهُمْ.
ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ الْكَفَّارِ بِأَنَّهُمْ يُجَادِلُونَ بِالْبَاطِلِ ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ﴾ أَيْ: لِيُضْعِفُوا بِهِ ﴿الْحَقَّ﴾ الَّذِي جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَاصِلٍ لَهُمْ. ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ أَيْ: اتَّخَذُوا الْحُجَجَ وَالْبَرَاهِينَ وَخَوَارِقَ الْعَادَاتِ الَّتِي بُعِثَ (8) بِهَا الرُّسُلُ وَمَا أَنْذَرُوهُمْ وَخَوَّفُوهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ ﴿هُزُوًا﴾ أَيْ: سَخِرُوا مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَشَدُّ التَّكْذِيبِ.
حواشي المحقّق (8)
- (1)في ت: "ثمود".
- (2)زيادة من ف، أ.
- (3)زيادة من ف.
- (4)زيادة من ف، أ.
- (5)زيادة من ف، أ.
- (6)في ت، ف، أ: "مبشرون".
- (7)في ت، ف، أ: "ومنذرون".
- (8)في ت، أ: "أبعث".
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦) ﴾
يقول عزّ ذكره: وما نرسل رسلنا إلا ليبشروا أهل الإيمان والتصديق بالله بجزيل ثوابه في الآخرة، ولينذروا أهل الكفر به والتكذيب، عظيم عقابه، وأليم عذابه، فينتهوا عن الشرك بالله، وينزجروا عن الكفر به ومعاصيه ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ يقول: ويخاصم الذين كذّبوا بالله ورسوله بالباطل، ذلك كقولهم للنبيّ ﷺ: أخبرنا عن حديث فتية ذهبوا في أوّل الدهر لم يدر ما شأنهم، وعن الرجل الذي بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وعن الروح، وما أشبه ذلك مما كانوا يخاصمونه به، يبتغون إسقاطه، تعنيتا له ﷺ، فقال الله لهم: إنا لسنا نبعث إليكم رسلنا للجدال والخصومات، وإنما نبعثهم مبشرين أهل الإيمان بالجنة، ومنذرين أهل الكفر بالنار، وأنتم تجادلونهم بالباطل طلبا منكم بذلك أن تبطلوا الحقّ الذي جاءكم به رسولي، وعنى بقوله: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ ليبطلوا به الحقّ ويزيلوه ويذهبوا به. يقال منه: دحض الشيء: إذا زال وذهب، ويقال: هذا مكان دَحْض: أي مُزِل مُزْلِق لا يثبت فيه خفّ ولا حافر ولا قدم، ومنه قوله الشاعر:
رَدِيتُ ونجَّى اليَشْكُرِيّ حِذَارُهُ... وحادَ كما حادَ البَعيرُ عَن الدَّحْضِ [[البيت في (اللسان: دحض) وفي التاج وأساس البلاغة، منسوبا إلى طرفة، ولا يوجد في شعر الشعراء الستة (مختار الشعر الجاهلي) وغيره. وأورد صاحب شعراء النصرانية وصاحب العقد الثمين في الملحق بشعر طرفة مقطعوعة ضادية مطلعها: أبا مُنْذرٍ كانَتْ غَرُورًا صحِيفتي... ولم أُعْطِكُمْ بالطَّوْعِ مالي ولا عِرْضي
وأغلب الظن أن البيت سقط من هذه المقطوعة، وإن كان شائعا في كتب الأدب واللغة. وهو من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (١: ٤٠٨) قال في تفسير قوله تعالى: لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ: مجازه: ليزيلوا به الحق، ويذهبوا به. ويقال مكان دحض البيت أي مزل مزلق، ولا يثبت فيه خف ولا قدم ولا حافر. قال طرفة " رديت ونحبي... ".
وفي (اللسان: دحض)، وشاهد الدحض قول طرفة: " رديت... " إلخ.]] ويروى: ونحَّى، وأدحضته أنا: إذا أذهبته وأبطلته.
وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾
يقول: واتخذوا الكافرون بالله حججه التي احتج بها عليهم، وكتابه الذي أنزله إليهم، والنذر التي أنذرهم بها سخريا يسخرون بها، يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾.
نصوص التفسير من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. تفسير سورة الكَهف من أولها · تفسير باقي السور