ابن كثير · الطبري

تفسير سورة آل عِمران — الآيات 79–80

نصّ الآيات ثم تفسير ابن كثير وتفسير الطبري بتمامهما، كلّ نصّ باسم كتابه.

سورة مدنيةالجزء 32 آيات
المصادر:تفسير ابن كثير (ت 774هـ)تفسير الطبري (ت 310هـ)عن النصوص وطريقة نقلها

تفسير ابن كثير — تفسير القرآن العظيم، الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ). طبعة دار طيبة بتحقيق سامي بن محمد السلامة، في نسختها الرقمية بمكتبة QUL.

تفسير الطبري — جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ). النسخة الرقمية المحققة بمكتبة QUL، بتعليقات المحقق.

ننقل نصّ الإمامَين بتمامه كما طُبع، بما فيه من الآثار بأسانيدها وتعليقات محقّق الطبعة بين معقوفتين، ولا نتصرّف فيه؛ والحكم على ما فيه من الروايات للمفسّر ومحقّقه، وهو مبيَّن في موضعه.

79

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًۭا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا۟ رَبَّٰنِيِّۦنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ

القول في تأويل قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وما ينبغي لأحد من البشر.

و"البشر" جمع بني آدم لا واحد له من لفظه مثل:"القوم" و"الخلق". وقد يكون اسمًا لواحد ="أن يؤتيه الله الكتاب" يقول: أن ينزل الله عليه كتابه ="والحكم" يعني: ويعلمه فصْل الحكمة ="والنبوة"، يقول: ويعطيه النبوّة ="ثم يقول للناس كونوا عبادًا لي من دون الله"، يعني: ثم يدعو الناس إلى عبادة نفسه دون الله، وقد آتاه الله ما آتاه من الكتاب والحكم والنبوة. ولكن إذا آتاه الله ذلك، فإنما يدعوهم إلى العلم بالله، ويحدوهم على معرفة شرائع دينه، وأن يكونوا رؤساء في المعرفة بأمر الله ونهيه، وأئمةً في طاعته وعبادته، بكونهم معلِّمي الناس الكتاب، وبكونهم دَارِسيه. (1)

وقيل: إنّ هذه الآية نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا للنبي ﷺ: أتدعونا إلى عبادتك؟ كما:-

٧٢٩٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي = (2) حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ، ودعاهم إلى الإسلام =: أتريد يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارَى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرِّبِّيس: (3) أوَ ذاك تريد منا يا محمد، وإليه تدعونا! أو كما قال = فقال رسول الله ﷺ: معاذَ الله أن نَعبُد غيرَ الله، أو نأمر بعبادة غيره! ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني = أو كما قال. فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: (4) "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة"، الآية إلى قوله:"بعد إذ أنتم مسلمون".

٧٢٩٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي، فذكر نحوه. (5)

٧٢٩٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادًا لي من دون الله"، يقول: ما كان ينبغي لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوةَ، يأمر عبادَه أن يتخذوه ربًّا من دون الله.

٧٢٩٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

٧٣٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كان ناس من يهود يتعبَّدون الناسَ من دون ربهم، بتحريفهم كتابَ الله عن موضعه، فقال الله عز وجل:"ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقولَ للناس كونوا عبادًا لي من دون الله"، ثم يأمر الناس بغير ما أنزل الله في كتابه.

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك:"ولكن" يقول لهم:"كونوا ربانيين"، فترك"القول"، استغناء بدلالة الكلام عليه.

وأما قوله:"كونوا ربانيين"، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: معناه: كونوا حكماء علماء.

ذكر من قال ذلك:

٧٣٠١ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رزين:"كونوا ربانيين"، قال: حكماء علماء.

٧٣٠٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين:"كونوا ربانيين"، قال: حكماء علماء.

٧٣٠٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن أبي رزين مثله.

٧٣٠٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي رزين:"ولكن كونوا ربانيين"، حكماء علماء.

٧٣٠٥ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن في قوله:"كونوا ربانيين"، قال: كونوا فقهاء علماء.

٧٣٠٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"كونوا ربانيين"، قال: فقهاء.

٧٣٠٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

٧٣٠٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال أخبرني القاسم، عن مجاهد قوله:"ولكن كونوا ربانيين"، قال: فقهاء.

٧٣٠٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ولكن كونوا ربانيين"، قال: كونوا فقهاء علماء.

٧٣١٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن منصور بن المعتمر، عن أبي رزين في قوله:"كونوا ربانيين"، قال: علماء حكماء = قال معمر: قال قتادة.

٧٣١١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله:"كونوا ربانيين"، أما"الربانيون"، فالحكماء الفقهاء.

٧٣١٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:"الربانيون"، الفقهاء العلماء، وهم فوق الأحبار.

٧٣١٣ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ولكن كونوا ربانيين"، يقول: كونوا حكماء فقهاء.

٧٣١٤ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي حمزة الثمالي، عن يحيى بن عقيل في قوله: ﴿الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ﴾ [سورة المائدة: ٦٣]، قال: الفقهاء العلماء.

٧٣١٥ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس مثله.

٧٣١٦ - حدثني ابن سنان القزاز قال، حدثنا الحسين بن الحسن الأشقر قال، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله:"كونوا ربانيين"، قال: كونوا حكماء فقهاء.

٧٣١٧ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"كونوا ربانيين"، يقول: كونوا فقهاء علماء.

وقال آخرون: بل هم الحكماء الأتقياء.

ذكر من قال ذلك:

٧٣١٨ - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قوله:"كونوا ربانيين"، قال: حكماء أتقياء.

وقال آخرون: بل هم ولاة الناس وقادتهم.

ذكر من قال ذلك:

٧٣١٩ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله:"كونوا ربانيين"، قال: الربانيون: الذين يربُّون الناس، ولاة هذا الأمر، يرُبُّونهم: يلونهم. وقرأ: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ﴾ [سورة المائدة: ٦٣]، قال: الربانيون: الولاة، والأحبار العلماء.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندي بالصواب في"الربانيين" أنهم جمع"رباني"، وأن"الرباني" المنسوب إلى"الرَّبَّان"، الذي يربُّ الناسَ، وهو الذي يُصْلح أمورهم، و"يربّها"، ويقوم بها، ومنه قول علقمة بن عبدة:

وَكُنْتُ امْرَأً أَفْضَتْ إلَيْكَ رِبَابَتي... وَقَبْلَكَ رَبَّتْني، فَضِعْتُ، رُبُوبُ (6)

يعني بقوله:"ربتني": ولي أمري والقيامَ به قبلك من يربه ويصلحه، فلم يصلحوه، ولكنهم أضاعوني فضعتُ.

يقال منه:"رَبَّ أمري فلان، فهو يُربُّه رَبًّا، وهو رَابُّه". (7) فإذا أريد به المبالغة في مدْحه قيل:"هو ربّان"، كما يقال:"هو نعسان" من قولهم:"نعَس يَنعُس". وأكثر ما يجيء من الأسماء على"فَعْلان" ما كان من الأفعال ماضيه على"فَعِل" مثل قولهم:"هو سكران، وعطشان، وريان" من"سَكِر يسكَر، وعطِش يعطَش، ورَوي يرْوَى". وقد يجيء مما كان ماضيه على"فَعَل يَفعُل"، نحو ما قلنا من"نَعَس يَنعُس" و"ربَّ يَرُبّ".

فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا = وكان"الربَّان" ما ذكرنا، و"الربّاني" هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفتُ = وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين، يَرُبّ أمورَ الناس، بتعليمه إياهم الخيرَ، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم = وكان كذلك الحكيمُ التقيُّ لله، والوالي الذي يلي أمور الناس على المنهاج الذي وَليه المقسطون من المصْلحين أمورَ الخلق، بالقيام فيهم بما فيه صلاحُ عاجلهم وآجلهم، وعائدةُ النفع عليهم في دينهم، ودنياهم = كانوا جميعًا يستحقون أن [يكونوا] ممن دَخل في قوله عز وجل:"ولكن كونوا ربانيين". (8)

ف"الربانيون" إذًا، هم عمادُ الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا. ولذلك قال مجاهد:"وهم فوق الأحبار"، لأن"الأحبارَ" هم العلماء، و"الرباني" الجامعُ إلى العلم والفقه، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دُنياهم ودينهم. (9)

القول في تأويل قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) ﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه عامة قرأة أهل الحجاز وبعض البصريين: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بفتح"التاء" وتخفيف"اللام"، يعني: بعلمكم الكتابَ ودراستكم إياه وقراءتكم.

واعتلُّوا لاختيارهم قراءة ذلك كذلك، بأن الصواب = كذلك، لو كان التشديد في"اللام" وضم"التاء" = لكان الصواب في:"تدرسون"، بضم"التاء" وتشديد"الراء". (10)

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ بضم"التاء" من"تعلمون"، وتشديد"اللام"، بمعنى: بتعليمكم الناسَ الكتابَ ودراستكم إياه.

واعتلوا لاختيارهم ذلك، بأن مَنْ وصفهم بالتعليم، فقد وصفهم بالعلم، إذ لا يعلِّمون إلا بعد علمهم بما يعلِّمون. قالوا: ولا موصوف بأنه"يعلم"، إلا وهو موصوف بأنه"عالم". قالوا: فأما الموصوف بأنه"عالم"، فغير موصوف بأنه معلِّم غيره. قالوا: فأولى القراءتين بالصواب أبلغهما في مدح القوم، وذلك وصفهم بأنهم كانوا يعلمون الناسَ الكتابَ، كما:-

٧٣٢٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، عن حميد الأعرج، عن مجاهد أنه قرأ:"بما كنتم تَعلَمون الكتابَ وبما كنتم تَدْرسون"، مخففةً بنصب"التاء" = وقال ابن عيينة: ما علَّموه حتى علِموه!

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك، قراءة من قرأه بضم"التاء" وتشديد"اللام". لأن الله عز وجل وصف القوم بأنهم أهل عمادٍ للناس في دينهم ودنياهم، وأهل إصلاح لهم ولأمورهم وتربية.

يقول جل ثناؤه:"ولكن كونوا ربانيين"، على ما بينا قبل من معنى"الرباني"، ثم أخبر تعالى ذكره عنهم أنهم صاروا أهل إصلاح للناس وتربية لهم بتعليمهم إياهم كتابَ ربِّهم.

= و"دراستهم" إياه: تلاوته. (11)

وقد قيل:"دراستهم"، الفقه.

وأشبه التأويلين بالدراسة ما قلنا: من تلاوة الكتاب، لأنه عطف على قوله:"تعلمون الكتاب"،"والكتاب" هو القرآن، فلأنْ تكون الدراسة معنيًّا بها دراسة القرآن، أولى من أن تكون معنيًّا بها دراسة الفقه الذي لم يجرِ له ذكرٌ.

ذكر من قال ذلك: (12)

٧٣٢١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، قال يحيى بن آدم قال، أبو زكريا: كان عاصم يقرأها: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾، قال: القرآن = ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾، قال: الفقه.

فمعنى الآية: ولكن يقول لهم: كونوا، أيها الناس، سادة الناس، وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم، ربَّانيِّين بتعليمكم إياهم كتاب الله وما فيه من حلال وحرام، وفرض وندب، وسائر ما حواه من معاني أمور دينهم، وبتلاوتكم إياه ودراسَتِكموه.

حواشي المحقّق (12)
  1. (1)انظر تفسير"آتي" و"الحكم"، و"النبوة" فيما سلف من فهارس اللغة مادة (أتى) (حكم) (نبأ) .
  2. (2)أبو رافع القرظي، هو سلام بن أبي الحقيق اليهودي.
  3. (3)في المطبوعة: "الرئيس"، وفي المخطوطة: "الريس" غير منقوطة، وهو في سيرة ابن هشام المطبوعة الأوربية والمصرية: "الربيس" مثل"سكيت" (بكسر الراء وتشديد الباء المكسورة) . وربيس السامرة: هو كبيرهم. وفي التعليقات على سيرة ابن هشام. الطبعة الأوروبية"الريس، والرئيس" معًا، وكأن الصواب هو ما جاء في نص ابن هشام الأول.
  4. (4)في سيرة ابن هشام: "من قولهما"، وهي أجود، ولعل هذه من قلم الناسخ.
  5. (5)الأثران: ٧٢٩٦، ٧٢٩٧- سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٢، ٢٠٣، وهما من تتمة الآثار التي آخرها رقم: ٧٢٢٣، وفي الطبري اختلاف في قليل من اللفظ.
  6. (6)سلف البيت وتخريجه وشرحه في ١: ١٤٢.
  7. (7)انظر تفسير"رب" فيما سلف ١: ١٤١، ١٤٢.
  8. (8)في المطبوعة: "كانوا جميعًا مستحقين أنهم ممن دخل في قوله ... "، وهي عبارة سقيمة غير المخطوطة كما شاء. وفي المخطوطة: "كانوا جميعًا مستحقون أن ممن دخل في قوله ... "، وظاهر أن الناسخ جعل"يستحقون"، "مستحقون"، وهو خطأ في الإعراب، وسقط من عجلته قوله: "يكونوا"، فزدتها بين القوسين، فاستقام الكلام.
  9. (9)هذا التفسير قل أن تجده في كتاب من كتب اللغة، وهو من أجود ما قرأت في معنى"الرباني"، وهو من أحسن التوجيه في فهم معاني العربية، والبصر بمعاني كتاب الله. فرحم الله أبا جعفر رحمة ترفعه درجات عند ربه.
  10. (10)في المطبوعة: "بأن الصواب لو كان التشديد في اللام ... "، حذف من المخطوطة"كذلك"بعد" بأن الصواب"، وظاهر أن موضع الخطأ هو سقوط"الواو" قبل قوله: "لو كان التشديد". فأثبتها، واستقام الكلام.
  11. (11)في المخطوطة والمطبوعة: "ودراستهم إياه وتلاوته"، بزيادة الواو قبل"تلاوته" والسياق بين في أنه يفسر معنى"الدراسة"، وأنهما تأويلان، كما سيأتي، فحذفت الواو، وفصلت بين الكلامين.
  12. (12)أنا أرتاب في سياق هذا الموضع من التفسير، وأخشى أن يكون سقط من النساخ شيء.
80

وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّۦنَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن أبي محمد، عن عِكْرِمة أو سعيد بن جُبَير، عن ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو رَافِعٍ القُرَظِي، حِينَ اجْتَمَعَتِ الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ: أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ نعبدكَ كَمَا تَعْبُدُ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ نَصْرَانِيٌّ يقال له الرئيس: أوَ ذاك تُرِيدُ مِنَّا يَا مُحَمَّدُ، وَإِلَيْهِ تَدْعُونَنَا؟ أَوْ كَمَا قَالَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَعَاذَ اللهِ أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللهِ، أَوْ أنْ نَأْمُرَ بِعِبَادَةِ غَيْرِه، مَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي، وَلَا بِذَلِكَ أَمَرَنِي". أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الْآيَةَ] (1) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (2).

فَقَوْلُهُ (3) ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: مَا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ والحُكْم وَالنُّبُوَّةَ أَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ: اعْبُدُونِي مِنْ دُونِ اللَّهِ. أَيْ: مَعَ اللَّهِ، فَإِذَا (4) كَانَ هَذَا لَا يَصْلُحُ (5) لِنَبِيٍّ وَلَا لِمُرْسَلٍ، فَلِأَنْ لَا يَصْلُحَ (6) لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ غَيْرَهُمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا يَنْبَغِي هَذَا لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ. قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ كَانَ يَعْبُدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا -يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ-كَانُوا يَتعبَّدون لِأَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] (7) ﴾ [التَّوْبَةَ:٣١] وَفِي الْمُسْنَدِ، وَالتِّرْمِذِيِّ -كَمَا سَيَأْتِي-أَنَّ عَديّ بْنَ حَاتِمٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَبَدُوهُمْ. قَالَ: "بَلَى، إنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمُ الْحَرَامَ وحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلالَ، فَاتَّبَعُوهُمْ، فَذَلِكَ (8) عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ".

فَالْجَهَلَةُ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ وَمَشَايِخِ الضَّلَالِ يَدْخُلُونَ فِي هَذَا الذَّمِّ وَالتَّوْبِيخِ، بِخِلَافِ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، فَإِنَّمَا يَأْمُرُونَ بِمَا أمَرَ اللَّهُ بِهِ وَبَلَّغَتْهُمْ إِيَّاهُ رُسُلُهُ الْكِرَامُ. إِنَّمَا يَنْهَوْنهم عَمَّا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ وَبَلَّغَتْهُمْ إِيَّاهُ رُسُلُهُ الْكِرَامُ. فَالرُّسُلُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجمعينَ، هُمُ السُّفَرَاءُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي أَدَاءِ مَا حَمَلُوهُ مِنَ الرِّسَالَةِ وَإِبْلَاغِ الْأَمَانَةِ، فَقَامُوا بِذَلِكَ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَنَصَحُوا الْخَلْقَ، وَبَلَّغُوهُمُ الْحَقَّ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أَيْ: وَلَكِنْ يَقُولُ الرَّسُولُ للناسِ: كُونُوا رَبَّانيين. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو رَزِين وَغَيْرُ وَاحِدٍ، أَيْ: حُكَمَاءَ عُلَمَاءَ حُلَمَاءَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: فُقَهَاءَ، وَكَذَا رُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبير، وَقَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ. وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: يَعْنِي أَهْلَ عِبَادَةٍ وَأَهْلَ تَقْوَى.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ حَقٌ عَلَى مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ أَنْ يَكُونَ فَقيهًا: "تَعْلَمُون" أَيْ: تُفَهِّمُونَ (9) مَعْنَاهُ. وَقُرِئَ ﴿تُعَلِّمُون﴾ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّعْلِيمِ ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ تحفظون (10) ألفاظه.

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ أَيْ: وَلَا يَأْمُرُكُمْ بِعِبَادَةِ أَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ، لَا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ وَلَا مَلَكٍ مُقَرَّب ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أَيْ: لَا يَفْعَل (11) ذَلِكَ؛ لأنَّ مَنْ دَعَا إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ دَعَا إِلَى الْكَفْرِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِنَّمَا يَأْمُرُونَ بِالْإِيمَانِ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي (12) إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الْآيَةَ، [النَّحْلِ:٣٦] وَقَالَ تَعَالَى (13) ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ:٤٥] وَقَالَ [تَعَالَى] (14) إِخْبَارًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:٢٩].

حواشي المحقّق (14)
  1. (1)زيادة من جـ، ر، أ، و.
  2. (2)السيرة النبوية لابن هشام (١/٥٥٤) ورواه الطبري في تفسيره (٦/٥٣٩) من طريق ابن إسحاق به.
  3. (3)في أ: "وقوله".
  4. (4)في جـ، ر، أ، و: "إذا".
  5. (5)في أ، و: "يصح".
  6. (6)في أ: "يصح".
  7. (7)زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
  8. (8)في أ، و: "فذاك".
  9. (9)في أ، و: "يعلمون أي يفهمون".
  10. (10)في ر: "يحفظون".
  11. (11)في ر: "تفعل".
  12. (12)في ر: "يوحي".
  13. (13)زيادة من جـ، ر، أ.
  14. (14)زيادة من جـ، ر، أ، و.

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) ﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله:"ولا يأمركم".

فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة: ﴿وَلا يَأْمُرُكُمْ﴾، على وجه الابتداء من الله بالخبر عن النبي ﷺ أنه لا يأمركم، أيها الناس، أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا. واستشهد قارئو ذلك كذلك بقراءة ذكروها عن ابن مسعود أنه كان يقرؤها، وهي: ﴿" وَلَنْ يَأْمُرَكُمْ "﴾، فاستدلوا بدخول"لن"، على انقطاع الكلام عما قبله، وابتداء خبر مستأنف. قالوا: فلما صير مكان"لن" في قراءتنا"لا"، وجبت قراءَته بالرفع. (1)

وقرأه بعض الكوفيين والبصريين: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ﴾، بنصب"الراء"، عطفًا على قوله:"ثم يقولَ للناس". وكان تأويله عندهم: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب، ثم يقولَ للناس، ولا أن يأمرَكم = بمعنى: ولا كان له أن يأمرَكم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا.

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك:"ولا يأمرَكم"، بالنصب على الاتصال بالذي قبله، بتأويل: (2) ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتابَ والحكمَ والنبوةَ، ثم يقولَ للناس كونوا عبادًا لي من دون الله = ولا أنْ يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا. لأن الآية نزلت في سبب القوم الذين قالوا لرسول الله ﷺ: (3) "أتريد أن نعبدك"؟ فأخبرهم الله جل ثناؤه أنه ليس لنبيّه ﷺ أن يدعو الناسَ إلى عبادة نفسه، ولا إلى اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا. ولكن الذي له: أنْ يدعوهم إلى أن يكونوا ربانيين.

فأما الذي ادَّعى من قرأ ذلك رفعًا، (4) أنه في قراءة عبد الله:"ولن يأمركم" استشهادًا لصحة قراءته بالرفع، فذلك خبر غيرُ صحيح سَنَده، وإنما هو خبر رواه حجاج، عن هارون الأعور [[في المطبوعة والمخطوطة: "... عن هارون لا يجوز أن ذلك... "، وهو كلام بلا معنى، جعل الناشرين الأولين للتفسير يكتبون في وجوه تأويلها وتصويبها خلطًا لا معنى له أيضًا، والصواب ما أثبت. وهذا من التصحيف الغريب في نسخ النساخ.

وحجاج، هو: "حجاج بن محمد المصيصي الأعور" سكن بغداد، ثم تحول إلى المصيصة قال أحمد: "ما كان أضبطه وأشد تعاهده للحروف" ورفع أمره جدًا. كان ثقة صدوقًا، ثم تحول من المصيصة فعاد إلى بغداد في حاجة له، فمات بها سنة ٢٠٦، وعند مرجعه هذا إلى بغداد كان قد تغير وخلط، فرآه يحيى بن معين، فقال لابنه: "لا تدخل عليه أحدًا"، ولكن روى الحافظ في ترجمة سنيد ابن داود ما يدل على أن حجاجًا قد حدث في حال اختلاطه، حتى ذكره أبو العرب القيرواني في الضعفاء، لسبب الاختلاط. وأخشى أن يكون الطبري، إنما أشار إلى هذا، وإلى رواية سنيد عنه في حال اختلاطه، فقال إن إسناده غير صحيح، لأنه من رواية سنيد عنه.

وأما "هارون الأعور" فهو: "هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور العتكي" علامة صدوق نبيل، له قراءة معروفة. وهو من الثقات. وكلاهما مترجم في التهذيب، وفي الطبقات القراء لابن الجزري.]] أنّ ذلك في قراءة عبد الله كذلك. ولو كان ذلك خبرًا صحيحًا سنده، لم يكن فيه لمحتجٍّ حجة. لأن ما كان على صحته من القراءة من الكتاب الذي جاءَ به المسلمون وراثةً عن نبيهم ﷺ، لا يجوز تركه لتأويلٍ على قراءة أضيفت إلى بعض الصحابة، (5) بنقل من يجوز في نقله الخطأ والسهو.

قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: وما كان للنبي أن يأمركم، أيها الناس، (6) "أن يتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا" = يعني بذلك آلهة يعبدون من دون الله =، كما ليس له أن يقول لهم: كونوا عبادًا لي من دون الله.

ثم قال جل ثناؤه = نافيًا عن نبيّه ﷺ أن يأمرَ عباده بذلك =:"أيأمُركم بالكفر"، أيها الناس، نبيُّكم، بجحود وحدانية الله ="بعد إذ أنتم مسلمون"، يعني: بعد إذ أنتم له منقادون بالطاعة، متذللون له بالعبودة = (7) أي أن ذلك غير كائن منه أبدًا. وقد:-

٧٣٢٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال:"ولا يأمركم" النبيُّ ﷺ ="أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربايًا".

حواشي المحقّق (7)
  1. (1)هذا وجه ذكره الفراء في معاني القرآن ١: ٢٢٤، ٢٢٥.
  2. (2)في المطبوعة والمخطوطة: "بتأول"، والسياق يقتضي ما أثبت.
  3. (3)في المطبوعة: "في سب القوم.."، وهو باطل المعنى، ولم يحسن قراءة المخطوطة، لأنها غير منقوطة، يعني بقوله: "في سب القوم ... "، من جراء القوم وبسبب قولهم ما قالوا.
  4. (4)يعني الفراء كما أسلفنا في التعليق رقم: ١، ص: ٥٤٧.
  5. (5)في المطبوعة: "لتأويل نحو قراءة ... "، وهي عبارة مريضة، وسبب ذلك أنه لم يحسن قراءة"على" لسوء حظ الناسخ، فكتبها"نحو"، فمرضت العبارة.
  6. (6)في المخطوطة: "وما كان للنبي أن يأمر الناس أن يتخذوا ... "، وهي عبارة مستقيمة المعنى، أما المخطوطة فقد كانت فيها عجيبة من عجائب التصحيف - وقد كثر تصحيف الناسخ في هذا الموضع كما ترى وذلك أنه كتب: "وما كان للنبي أن يأمر كما نهى الناس"، وصل ألف"أيها" بالميم في"يأمركم"، ثم قرأ"يها" من"أيها"، "نهى"، وكتبها كذلك. وكأن الناسخ كان قد تعب وكل، فكل مع كلالة ذهنه. وجاء الناشر، فلم يجد لذلك معنى فحذفه. كل هو أيضًا من كثرة تصحيف الناسخ!!
  7. (7)في المطبوعة: "بالعبودية"، وأثبت ما في المخطوطة، ولم يدع الناشر كلمة"العبودة" إلا جعلها"العبودية" في كل ما سلف. انظر آخر تعليق على ذلك ص: ٤٠٤، تعليق: ٢.

نصوص التفسير من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. تفسير سورة آل عِمران من أولها · تفسير باقي السور