ابن كثير · الطبري

تفسير سورة آل عِمران — الآيات 55–58

نصّ الآيات ثم تفسير ابن كثير وتفسير الطبري بتمامهما، كلّ نصّ باسم كتابه.

سورة مدنيةالجزء 34 آيات
المصادر:تفسير ابن كثير (ت 774هـ)تفسير الطبري (ت 310هـ)عن النصوص وطريقة نقلها

تفسير ابن كثير — تفسير القرآن العظيم، الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ). طبعة دار طيبة بتحقيق سامي بن محمد السلامة، في نسختها الرقمية بمكتبة QUL.

تفسير الطبري — جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ). النسخة الرقمية المحققة بمكتبة QUL، بتعليقات المحقق.

ننقل نصّ الإمامَين بتمامه كما طُبع، بما فيه من الآثار بأسانيدها وتعليقات محقّق الطبعة بين معقوفتين، ولا نتصرّف فيه؛ والحكم على ما فيه من الروايات للمفسّر ومحقّقه، وهو مبيَّن في موضعه.

55

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

القول في تأويل قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومكر الله بالقوم الذين حاولوا قتلَ عيسى = مع كفرهم بالله، وتكذيبهم عيسى فيما أتاهم به من عند ربهم = إذ قال الله جل ثناؤه:"إني متوفيك"، فـ"إذ" صلةٌ من قوله:"ومكر الله"، يعني: ومكر الله بهم حين قال الله لعيسى"إني متوفيك ورافعك إليّ، فتوفاه ورفعه إليه.

ثم اختلف أهل التأويل في معنى"الوفاة" التي ذكرها الله عز وجل في هذه الآية.

فقال بعضهم:"هي وفاة نَوْم"، وكان معنى الكلام على مذهبهم: إني مُنِيمك ورافعك في نومك.

ذكر من قال ذلك:

٧١٣٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"إني متوفيك"، قال: يعني وفاةَ المنام، رفعه الله في منامه = قال الحسن: قال رسول الله ﷺ لليهود:"إن عيسَى لم يمتْ، وإنه راجعٌ إليكم قبل يوم القيامة. (1)

وقال آخرون: معنى ذلك: إني قابضك من الأرض، فرافعك إليّ، قالوا: ومعنى"الوفاة"، القبض، لما يقال:"توفَّيت من فلان ما لي عليه"، بمعنى: قبضته واستوفيته. قالوا: فمعنى قوله:"إني متوفيك ورافعك"، أي: قابضك من الأرض حيًّا إلى جواري، وآخذُك إلى ما عندي بغير موت، ورافعُك من بين المشركين وأهل الكفر بك.

ذكر من قال ذلك:

٧١٣٤ - حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن مطر الورّاق في قول الله:"إني متوفيك"، قال: متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت. (2)

٧١٣٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله:"إني متوفيك"، قال: متوفيك من الأرض.

٧١٣٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا"، قال: فرفعه إياه إليه، توفِّيه إياه، وتطهيره من الذين كفروا.

٧١٣٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح: أن كعب الأحبار قال: ما كان الله عز وجل ليميت عيسى ابن مريم، إنما بعثه الله داعيًا ومبشرًا يدعو إليه وحده، فلما رأى عيسى قِلة من اتبعه وكثرة من كذّبه، شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه:"إني متوفيك ورافعك إليّ"، وليس مَنْ رفعته عندي ميتًا، وإني سأبعثك على الأعوَر الدجّال فتقتله، ثم تعيش بعد ذلك أربعًا وعشرين سنة، ثم أميتك ميتة الحيّ.

قال كعب الأحبار: وذلك يصدّق حديث رسول الله ﷺ حيث قال: كيف تهلك أمة أنا في أوّلها، وعيسى في آخرها. (3)

٧١٣٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"يا عيسى إني متوفيك"، أي قابضُك.

٧١٣٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"إني متوفيك ورافعك إليّ"، قال:"متوفيك": قابضك = قال:"ومتوفيك" و"رافعك"، واحدٌ = قال: ولم يمت بعدُ، حتى يقتل الدجالَ، وسيموتُ. وقرأ قول الله عز وجل:"ويكلم الناس في المهد وكهلا"، قال: رفعه الله إليه قبل أن يكون كهلا = قال: وينزل كهلا.

٧١٤٠ - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قول الله عز وجل:"يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي"، الآية كلها، قال: رفعه الله إليه، فهو عنده في السماء.

وقال آخرون: معنى ذلك: إني متوفيك وفاةَ موتٍ.

ذكر من قال ذلك:

٧١٤١ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"إني متوفيك"، يقول: إني مميتك.

٧١٤٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني أنه قال: توفى الله عيسى ابن مريم ثلاثَ ساعات من النهار حتى رفعه إليه.

٧١٤٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: والنصارى يزعمون أنه توفاه سبع ساعات من النهار، ثم أحياهُ الله.

وقال آخرون: معنى ذلك: إذ قال الله يا عيسى إني رافعك إليّ ومطهِّرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا. وقال: هذا من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا، قولُ من قال:"معنى ذلك: إني قابضك من الأرض ورافعك إليّ"، لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال، ثم يمكث في الأرض مدة ذكَرها، اختلفت الرواية في مبلغها، ثم يموت فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه.

٧١٤٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليهبطنّ اللهُ عيسى ابن مريم حَكمًا عدلا وإمامًا مُقسِطًا، يكسر الصَّليب، ويقتل الخنزير، ويضَعُ الجزية، ويُفيضُ المالَ حتى لا يجد من يأخذه، وليسكنّ الرّوْحاء حاجًا أو معتمرًا، أو ليُثَنِّينَّ بهما جميعًا. [[الحديث: ٧١٤٤- سلمة: هو ابن الفضل الأبرش. رجحنا توثيقه في: ٢٤٦.

حنظلة بن علي بن الأسقع الأسلمي - ويقال"السلمي"-: تابعي ثقة معروف.

والحديث رواه أحمد في المسند: ٧٨٩٠ (ج ٢ ص ٢٩٠-٢٩١ حلبي)، بنحوه، مطولا، عن يزيد، وهو ابن هارون، عن سفيان، وهو ابن حسين، عن الزهري، عن حنظلة.

ورواه أحمد قبل ذلك، مختصرًا: ٧٢٧١، عن سفيان، وهو ابن عيينة. و: ٧٦٦٧، عن عبد الرزاق، عن معمر - كلاهما عن الزهري، عن حنظلة.

ورواه أيضًا مختصرًا: ١٠٦٧١ (ج ٢ ص ٥١٣)، من طريق ابن أبي حفصة. و: ١٠٩٨٧ (ج ٢ ص ٥٤٠)، من طريق الأوزاعي - كلاهما عن الزهري، عن حنظلة.

وهذه الرواية المختصرة عند أحمد - رواها مسلم ١: ٣٥٦-٣٥٧.

وروى أحمد معنى هذا الحديث مفرقًا في أحاديث، من طرق عن أبي هريرة. انظر المسند: ٧٢٦٧، ٧٦٦٥، ٧٦٦٦، ٩١١٠ (ج ٢ ص ٣٩٤)، ٩٣١٢ (ص ٤١١)، ١٠٢٦٦ (ص ٤٨٢-٤٨٣)، ١٠٤٠٩ (ص ٤٩٣-٤٩٤)، ١٠٩٥٧ (ص ٥٣٨).

وذكر ابن كثير كثيرًا من طرقه ورواياته، في التفسير ٣: ١٥-١٦. وانظر أيضًا تاريخه ٢: ٩٦-١٠١.

قوله: "أو ليثنين بهما"- هذا هو الصواب الثابت في المخطوطة، والصحيح المعنى. ووقع في المطبوعة"أو يدين بهما"!! وهو تخليط لا معنى له.]]

٧١٤٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: الأنبياء إخوَةٌ لعَلاتٍ، أمَّهاتهم شتى، ودينهم واحد. وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وأنه خليفتي على أمتي. وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سَبط الشعر، كأن شَعرَه يقطُر، وإن لم يصبه بَللٌ، بين مُمصَّرَتين، يدق الصّليبَ، ويقتل الخنزير، ويُفيضُ المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه المِللَ كلها، ويهلك الله في زمانه مسيحَ الضّلالة الكذّاب الدجال وتقعُ في الأرض الأمَنَةُ حتى ترتع الأسُود مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الغلمانُ بالحيات، لا يَضرُّ بعضُهم بعضًا، فيثبت في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى، ويصلي المسلمون عليه ويدفنونه. [[الحديث: ٧١٤٥- إسناده ضعيف جدًا. وأصل الحديث صحيح، كما سيأتي.

الحسن بن دينار البصري، كذاب لا يوثق به. وقد مضت ترجمته في: ٦٨٢.

عبد الرحمن بن آدم البصري، صاحب السقاية، مولى أم برثن: تابعي ثقة. ذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج له مسلم في صحيحه، وترجمنا له في شرح المسند: ٧٢١٣.

والحديث سيأتي بإسناد آخر صحيح: من رواية سعيد - وهو ابن أبي عروبة - عن قتادة بهذا الإسناد نحوه (ج ٦ ص ١٦ بولاق).

وقد رواه أحمد في المسند: ٩٢٥٩ (ج ٢ ص ٤٠٦ حلبي)، عن عفان، عن همام، عن قتادة، به نحوه.

وكذلك رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٥٩٥، من طريق عفان. وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.

وذكر ابن كثير في التفسير ٣: ١٦، من رواية أحمد بن عفان. ثم أشار إلى أن أبا داود رواه من طريق همام، ثم أشار إلى رواية الطبري الآتية، من طريق ابن أبي عروبة.

ورواه أحمد أيضًا: ٩٦٣٠ (ج ٢ ص ٤٣٧)، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، به نحوه.

ثم رواه: ٩٦٣١، من طريق هشام، و: ٩٦٣٢، من طريق شيبان - كلاهما عن قتادة. ولم يذكر لفظه.

ونقله ابن كثير في التاريخ ٢: ٩٨-٩٩، عن رواية ابن أبي عروبة في المسند، وأشار إلى روايتي أحمد وأبي داود من طريق همام.

وليس في هذه الروايات ولا في رواية الطبري الآتية-: الكلمة التي هنا في رواية الحسن بن دينار: "وإنه خليفتي على أمتي". وهي عندنا كلمة شاذة، انفرد بروايتها رجل غير موثق به.

وصدر هذا الحديث رواه أحمد، والبخاري، وابن حبان، من أوجه، عن أبي هريرة. وانظر تفسير ابن كثير ٣: ١٦، وتاريخه ٢: ٩٨-٩٩.

قوله: "إخوة لعلات" - بفتح العين المهملة وتشديد اللام- قال ابن الأثير: "أولاد العلات: الذين أمهاتهم مختلفة وأبوهم واحد. أراد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة".

قوله: "وإنه نازل" - نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان: مما لم يختلف فيه المسلمون، لورود الأخبار المتواترة الصحاح عن النبي ﷺ بذلك. وقد ذكر ابن كثير في تفسيره طائفة طيبة منها، ج ٣ ص ١٥-٢٤. وهذا معلوم من الدين بالضرورة، لا يؤمن من أنكره.

قوله: "مربوع الخلق" - بفتح الخاء وسكون اللام- المربوع: هو بين الطويل والقصير. يقال: رجل ربعة ومربوع.

"الشعر السبط": المنبسط المسترسل.

قوله: "بين ممصرتين" - الممصرة من الثياب، بتشديد الصاد المهملة المفتوحة: هي التي فيها صفرة خفيفة.]]

قال أبو جعفر: ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله عز وجل، لم يكن بالذي يميته مِيتةً أخرى، فيجمع عليه ميتتين، لأن الله عز وجل إنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يُميتهم ثم يُحييهم، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الروم: ٤٠].

فتأويل الآية إذًا: قال الله لعيسى: يا عيسى، إني قابضك من الأرض، ورافعك إليّ، ومطهرك من الذين كفروا فجحدوا نبوّتك.

وهذا الخبر، وإن كان مخرجه مخرجَ خبر، فإن فيه من الله عز وجل احتجاجًا على الذين حاجُّوا رسولَ الله ﷺ في عيسى من وفد نجرانَ بأن عيسى لم يُقتَل ولم يُصْلب كما زعموا، وأنهم واليهودَ الذين أقرُّوا بذلك وادَّعوا على عيسى - كذَبةٌ في دعواهم وزعمهم، كما:-

٧١٤٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: ثم أخبرهم - يعني الوفد من نجران - وردّ عليهم فيما أقرُّوا لليهود بصلبه، (4) كيفَ رفعه وطهره منهم، فقال:"إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ". (5)

وأما"مطهِّرك من الذين كفروا"، فإنه يعني: منظّفك، فمخلّصك ممن كفر بك، وجحد ما جئتهم به من الحق من اليهود وسائر الملل غيرها، كما:-

٧١٤٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"ومطهرك من الذين كفروا"، قال: إذْ همُّوا منك بما همّوا. (6)

٧١٤٨ - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله:"ومطهرك من الذين كفروا"، قال: طهَّره من اليهود والنصارى والمجوس ومن كفار قومه.

القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وجاعل الذين اتبعوك على منهاجِك وملَّتك من الإسلام وفطرته، فوق الذين جحدوا نبوّتك وخالفوا سبيلهم [من] جميع أهل الملل، (7) فكذّبوا بما جئت به وصدّوا عن الإقرار به، فمصيِّرهم فوقهم ظاهرين عليهم، كما:-

٧١٤٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله:"وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"، هم أهلُ الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسُنته، فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة.

٧١٥٠ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"، ثم ذكر نحوه.

٧١٥١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"، ثم ذكر نحوه.

٧١٥٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"، قال: ناصرُ من اتبعك على الإسلام، على الذين كفروا إلى يوم القيامة.

٧١٥٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"، أما"الذين اتبعوك"، فيقال: هم المؤمنون، = ويقال: بل هم الرّوم. (8)

٧١٥٤ - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن:"وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"، قال: جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. قال: المسلمون من فوقهم، وجعلهم أعلى ممن ترك الإسلام إلى يوم القيامة.

وقال آخرون: معنى ذلك: وجاعل الذين اتبعوك من النصارى فوق اليهود.

ذكر من قال ذلك:

٧١٥٥ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله:"ومطهرك من الذين كفروا"، قال: الذين كفروا من بني إسرائيل ="وجاعل الذين اتبعوك"، قال: الذين آمنوا به من بني إسرائيل وغيرهم ="فوق الذين كفروا"، النصارى فوقَ اليهود إلى يوم القيامة. قال: فليس بلدٌ فيه أحدٌ من النصارى، إلا وهم فوق يهودَ، في شرقٍ ولا غرب، هم في البلدان كلِّها مستذلون.

القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"ثم إليّ"، ثم إلى الله، أيها المختلفون في عيسى ="مرجعكم"، يعني: مصيركم يوم القيامة ="فأحكم بينكم"، يقول: فأقضي حينئذ بين جَميعكم في أمر عيسى بالحق ="فيما كنتم فيه تختلفون" من أمره.

وهذا من الكلام الذي صُرف من الخبر عن الغائب إلى المخاطبة، وذلك أن قوله:"ثم إليَّ مرجعكم"، إنما قُصد به الخبرُ عن متَّبعي عيسى والكافرين به.

وتأويل الكلام: وجاعلُ الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، ثم إليّ مَرجعُ الفريقين: الذين اتبعوك، والذين كفروا بك، فأحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون. ولكن ردَّ الكلام إلى الخطاب لسبوق القول، (9) على سبيل ما ذكرنا من الكلام الذي يخرج على وجه الحكاية، كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [سورة يونس: ٢٢]. (10)

حواشي المحقّق (10)
  1. (1)الأثر: ٧١٣٣- هو أثر مرسل، خرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٦، ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم، وساقه ابن كثير في تفسيره ٢: ١٥٠ بإسناد ابن أبي حاتم.
  2. (2)الأثر: ٧١٣٤-"علي بن سهل الرملي"، ثقة. مضت ترجمته رقم: ١٣٨٤."ضمرة ابن ربيعة الفلسطيني الرملي"، قال ابن سعد: "كان ثقة مأمونًا خيرًا، لم يكن هناك أفضل منه". وقال آدم بن أبي إياس: "ما رأيت أحدًا أعقل لما يخرج من رأسه منه". وهو رواية ابن شوذب. مترجم في التهذيب."ابن شوذب" هو: عبد الله بن شوذب الخراساني. ثقة. مترجم في التهذيب. و"مطر الوراق" هو: مطر بن طهمان الوراق. مضى في رقم: ١٩١٣.
  3. (3)الأثر: ٧١٣٧- خرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣٦، ونسبه للطبري وحده، وقال: "وأخرج ابن جرير بسند صحيح"، وذكر الأثر، وحديثه عن رسول الله ﷺ حديث مرسل، ومهما كان سنده صحيحًا، فإن روايته كعب الأحبار إنما هي لا شيء، ولا يحتج بها. وصدق معاوية في قوله في كعب الأحبار: "إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب"، رواه البخاري.
  4. (4)في المطبوعة: "فيما أخبروا هم واليهود بصلبه"، وما أثبته هو نص المخطوطة ولكن الناسخ أساء كعادته فكتب"أحروا لليهود" كأنها حاء، فبدل الناشر لما شاء كما شاء. ومع ذلك، فالذي في المخطوطة هو نص ابن هشام أيضًا على الصواب.
  5. (5)الأثر: ٧١٤٦- سيرة ابن هشام ٢: ٢٣١، وهو تتمة الآثار التي آخرها رقم: ٧١٣٠.
  6. (6)الأثر: ٧١٤٧- سيرة ابن هشام ٢: ٢٣١، تتمة الأثر السالف رقم: ٧١٤٦.
  7. (7)في المطبوعة: "وخالفوا بسبيلهم جميع أهل الملل"، وفي المخطوطة: "وخالفوا سبيلهم جميع وهل الملل"، والصواب زيادة [من] ، يعني: وخالفوا سبيل الذين اتبعوك، من جميع أهل الملل. أهو صواب المعنى، إن شاء الله.
  8. (8)في المطبوعة: "فيقال هم المؤمنون، ليس هم الروم" بدل ما في المخطوطة، والروم كانوا هم النصارى يومئذ، ويعني بالمؤمنين فيما سلف، أهل الإسلام ممن لم يبدل ولم يقل في عيسى ما قالت النصارى بعد.
  9. (9)في المطبوعة: "لسوق القول" وهو خطأ لا معنى له. وفي المخطوطة"لسوق" غير منقوطة، فلم يحسن قراءتها. والطبري يكثر استعمال"سبوق" مصدر"سبق"، كما أشرت إليه في ٤: ٢٨٧، تعليق: ٤ / ثم ص: ٤٢٧، تعليق: ١ / ثم ص: ٤٤٦، تعليق: ٤، وغيره من المواضع. ويعني بقوله: "لسبوق القول" مثل ما مضى من قوله في ١: ١٥٣ أن من شأن العرب"إذا حكت، أو أمرت بحكاية خبر يتلو القول، أن تخاطب ثم تخبر عن غائب، وتخبر عن غائب ثم تعود إلى الخطاب، لما في الحكاية بالقول من معنى الغائب والمخاطب". والقول هنا هو قوله تعالى: "إذ قال الله يا عيسى ... ". ومعنى ما قال الطبري، أن قوله تعالى: "ثم إلي مرجعكم ... " إنما هو في أمر الذين اختلفوا في أمر عيسى، وقالوا فيه ما قالوا من اليهود والنصارى وغيرهم، وأمر الذين قالوا فيه الحق ولم يمتروا فيه أنه عبد الله ورسوله. وذلك بعد أن كان الخطاب إلى عيسى نفسه، وكان ذكر الذين اتبعوه والذين كفروا به، غائبًا في خطاب عيسى، فرد الخطاب إليهم في آخر الآية.
  10. (10)انظر ما سلف ١: ١٥٣، ١٥٤ / ٣: ٣٠٤، ٣٠٥.
56

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

57

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ

القول في تأويل قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"فأما الذين كفروا"، فأما الذين جَحدوا نبوّتك يا عيسى، وخالفوا ملتك، وكذّبوا بما جئتهم به من الحق، وقالوا فيك الباطلَ، وأضافوك إلى غير الذي ينبغي أن يُضيفوك إليه، من اليهود والنصارى وسائر أصناف الأديان، فإني أعذبهم عذابًا شديدًا، أما في الدنيا فبالقتل والسباء والذلة والمسكنة، وأما في الآخرة فبنار جهنم خالدين فيها أبدًا ="وما لهم من ناصرين"، يقول: وما لهم من عذاب الله مانعٌ، ولا عن أليم عقابه لهم دافع بقوة ولا شفاعة، لأنه العزيز ذُو الانتقام.

وأما قوله:"وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات"، فإنه يعني تعالى ذكره: وأما الذين آمنوا بك يا عيسى - يقول: صدّقوك - فأقروا بنبوتك وبما جئتهم به من الحقّ من عندي، ودانوا بالإسلام الذي بعثتك به، وعملوا بما فرضتُ من فرائضي على لسانك، وشرعتُ من شرائعي، وسننتُ من سنني. كما:

٧١٥٦ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"وعملوا الصالحات"، يقول: أدوا فرائضي.

="فيوفيهم أجورَهم"، يقول: فيعطيهم جزاءَ أعمالهم الصالحة كاملا لا يُبخسون منه شيئًا ولا يُنقصونه.

وأما قوله:"والله لا يحب الظالمين"، فإنه يعني: والله لا يحبُّ من ظلم غيرَه حقًا له، أو وضع شيئًا في غير موضعه.

فنفى جل ثناؤه عن نفسه بذلك أن يظلم عبادَه، فيجازي المسيءَ ممن كفر جزاءَ المحسنين ممن آمن به، أو يجازي المحسنَ ممن آمن به واتبعَ أمره وانتهى عما نهاه عنه فأطاعه، جزاءَ المسيئين ممن كفر به وكذّب رسله وخالف أمره ونهيه. فقال: إني لا أحبّ الظالمين، فكيف أظلم خلقي؟

وهذا القول من الله تعالى ذكره، وإن كان خرج مخرج الخبر، فإنه وعيدٌ منه للكافرين به وبرسله، (1) ووعد منه للمؤمنين به وبرسله، (2) لأنه أعلم الفريقين جميعًا أنه لا يبخسُ هذا المؤمن حقه، ولا يظلمُ كرامته فيضعها فيمن كفر به وخالف أمره ونهيه، فيكون لها بوضعها في غير أهلها ظالمًا.

حواشي المحقّق (2)
  1. (1)في المطبوعة: "كأنه وعيد منه"، وهو خطأ بين، لم يحسن قراءة المخطوطة لسوء خط الناسخ.
  2. (2)في المخطوطة: "ووعيد منه للمؤمنين"، وهو خطأ بين، والصواب ما في المطبوعة.
58

ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْءَايَٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ

اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ فَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ، تَقْدِيرُهُ: إِنِّي رَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُتَوَفِّيكَ، يعني بعد ذلك.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أَيْ: مُمِيتُكَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بن إسحاق، عمن لَا يُتَّهَمُ، عَنْ وَهْب بْنِ مُنَبِّه، قَالَ: تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ حِينَ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَالنَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَوَفَّاهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ ثُمَّ أَحْيَاهُ.

وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ (1) عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ وَهْبٍ: أَمَاتَهُ اللَّهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ، ثُمَّ رَفَعَهُ.

وَقَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ: مُتَوَفِّيكَ مِنَ (2) الدُّنْيَا وَلَيْسَ بِوَفَاةِ مَوْتٍ (3) وَكَذَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَوَفِّيهِ هُوَ رَفْعُهُ.

وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: الْمُرَادُ بِالْوَفَاةِ هَاهُنَا: النَّوْمُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ] (4) ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] (5) ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٢] وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول -إِذَا قَامَ مِنَ النَّوْمِ-: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أحْيَانَا بَعْدَمَا أمَاتَنَا وإلَيْهِ النُّشُورُ"، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا. وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ [تَعَالَى] (6) ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٥٦ -١٥٩] وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عَائِدٌ عَلَى عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَيْ: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا يُؤْمِنُ (7) بِعِيسَى قُبَلَ مَوْتِ عِيسَى، وَذَلِكَ حِينَ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، فَحِينَئِذٍ يُؤْمِنُ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَضَعُ الْجِزْيَةَ وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ يَعْنِي وَفَاةَ الْمَنَامِ، رَفَعَهُ اللَّهُ فِي مَنَامِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْيَهُودِ: "إنَّ عِيسَى لمَْ يَمُتْ، وَإنَّه رَاجِع إلَيْكُمْ قَبْلَ يَوْمِ الْقَيامَةِ" (8).

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: بِرَفْعِي إِيَّاكَ إِلَى السَّمَاءِ ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وَهَكَذَا وَقَعَ؛ فَإِنَّ الْمَسِيحَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ تَفَرَّقت أَصْحَابُهُ شيَعًا بَعْدَهُ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِمَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَابْنُ أُمَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ غَلَا فِيهِ فَجَعَلَهُ ابْنَ اللَّهِ، وَآخَرُونَ قَالُوا: هُوَ اللَّهُ. وَآخَرُونَ قَالُوا: هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. وَقَدْ حَكَى اللَّهُ مَقَالَاتِهِمْ فِي الْقُرْآنِ، ورَد عَلَى كُلِّ فَرِيقٍ، فَاسْتَمَرُّوا كَذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ نَبَع لَهُمْ ملك مِنْ مُلُوكِ الْيُونَانِ، يُقَالُ لَهُ: قُسْطَنْطِينُ، فَدَخَلَ فِي دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، قِيلَ: حِيلَةٌ لِيُفْسِدَهُ، فَإِنَّهُ كَانَ فَيْلَسُوفًا، وَقِيلَ: جَهْلَا مِنْهُ، إِلَّا أَنَّهُ بَدل لَهُمْ دِينَ الْمَسِيحِ وَحَرَّفَهُ، وَزَادَ فِيهِ وَنَقَصَ مِنْهُ، وَوُضِعَتْ لَهُ الْقَوَانِينُ وَالْأَمَانَةُ الْكَبِيرَةُ -الَّتِي هِيَ الْخِيَانَةُ الْحَقِيرَةُ-وَأُحِلَّ فِي زَمَانِهِ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ، وصَلّوا لَهُ إِلَى الْمَشْرِقِ (9) وَصَوَّرُوا لَهُ الْكَنَائِسَ، وَزَادُوا فِي صِيَامِهِمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَجْلِ ذَنْبٍ ارْتَكَبَهُ، فِيمَا يَزْعُمُونَ. وَصَارَ دِينُ الْمَسِيحِ (10) دِينَ قُسْطَنْطِينَ إِلَّا أَنَّهُ بَنَى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارت مَا يَزِيدُ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ مَعْبَدٍ، وَبَنَى الْمَدِينَةَ الْمَنْسُوبَةَ إِلَيْهِ، وَاتَّبَعَهُ (11) الطَّائِفَةُ المَلْكِيَّة مِنْهُمْ. وَهُمْ فِي هَذَا كُلُّهُ قَاهِرُونَ لِلْيَهُودِ، أيَّدهم (12) اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ منهم، وإن كان الجميع كفار، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ.

فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، فَكَانَ مَنْ آمَنَ بِهِ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْحَقِّ -كَانُوا هُمْ أَتْبَاعَ كُل نَبِيٍّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ-إِذْ قَدْ صَدَّقُوا الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ، خَاتَمَ الرُّسُلِ، وَسَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى التَّصْدِيقِ بِجَمِيعِ الْحَقِّ، فَكَانُوا (13) أَوْلَى بِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْ أُمَّتِهِ، الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى مِلَّتِهِ وَطَرِيقَتِهِ، مَعَ مَا قَدْ حَرّفوا وَبَدَّلُوا.

ثُمَّ لَوْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ قَدْ نَسَخَ اللَّهُ بِشَرِيعَتِهِ (14) شَرِيعَةَ جَمِيعِ الرُّسُلِ بِمَا بَعَثَ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ الدِّينِ الْحَقِّ، الَّذِي لَا يُغَيَّرُ وَلَا يُبَدَّلُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَلَا يَزَالُ قَائِمًا مَنْصُورًا ظَاهِرًا عَلَى كُلِّ دِينٍ. فَلِهَذَا فَتَحَ اللَّهُ لِأَصْحَابِهِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَاحْتَازُوا (15) جَمِيعَ الْمَمَالِكِ، وَدَانَتْ لَهُمْ جميعُ الدُّوَلِ، وَكَسَرُوا كِسْرَى، وقَصروا قَيْصَرَ، وَسَلَبُوهُمَا كُنُوزَهما، وَأُنْفِقَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَمَا أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ نَبِيُّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ الْآيَةَ [النُّورِ: ٦٥] وَلِهَذَا (16) لَمَّا كَانُوا هُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمَسِيحِ حَقًّا (17) سَلَبُوا النَّصَارَى بِلَادَ الشَّامِ وأَجْلَوهم إِلَى الروم، فلجؤوا إِلَى مَدِينَتِهِمُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَلَا يَزَالُ الْإِسْلَامُ وَأَهْلُهُ فَوْقَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ المصدوق أمَّته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية، ويستفيؤون (18) مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ، وَيَقْتُلُونَ الرُّومَ مَقْتلة عَظِيمَةً جِدًّا، لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهَا وَلَا يَرَوْنَ بَعْدَهَا نَظِيرَهَا، وَقَدْ جَمَعْتُ فِي هَذَا جُزْءًا مُفْرَدًا. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ وَكَذَلِكَ فَعَلَ تَعَالَى (19) بِمَنْ كَفَرَ بِالْمَسِيحِ مِنَ الْيَهُودِ، أَوْ غَلَا فِيهِ وَأَطْرَاهُ مِنَ النَّصَارَى؛ عَذبهم فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وأخْذ الْأَمْوَالِ وَإِزَالَةِ الْأَيْدِي عَنِ الْمَمَالِكِ، وَفِي الدَّارِ الْآخِرَةِ عَذابُهم أَشَدُّ وَأَشَقُّ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرَّعْدِ:٣٤].

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ (١) أُجُورَهُمْ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فِي الدُّنْيَا بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْجَنَّاتِ الْعَالِيَاتِ ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي قَصَصْنَاه عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ فِي أَمْرِ عِيسَى وَمَبْدَأِ مِيلَادِهِ وَكَيْفِيَّةِ أَمْرِهِ، هُوَ مِمَّا قَالَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَوْحَاهُ إِلَيْكَ وَنَزَّلَهُ عَلَيْكَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَلَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٤-٣٥] وَهَاهُنَا قَالَ تَعَالَى.

حواشي المحقّق (19)
  1. (1)في أ: "بشير".
  2. (2)في أ: "في".
  3. (3)في أ: "مرة".
  4. (4)زيادة من جـ، ر، أ، و.
  5. (5)زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
  6. (6)زيادة من ر، أ.
  7. (7)في جـ، أ، و: "ليؤمن"، وفي ر: "فيؤمن".
  8. (8)تفسير ابن أبي حاتم (٢/٢٩٦) ورواه الطبري في تفسيره (٦/٤٥٥) من طريق عبد الله بن جعفر عن أبيه عن الربيع عن الحسن به مرسلا.
  9. (9)في ر: "الشرق".
  10. (10)في أ: "عيسى".
  11. (11)في أ: "واتبعته".
  12. (12)في ر: "أيديهم".
  13. (13)في جـ، أ: "وكانوا".
  14. (14)في جـ: "شريعة". وفي ر: "شريعته".
  15. (15)في ر، و: "واختاروا".
  16. (16)في أ: "فلهذا".
  17. (17)في و: "حقا بالمسيح".
  18. (18)في أ: "ويستلبون".
  19. (19)في ر: "تعالى فعل".

القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ذلك"، هذه الأنباءَ التي أنبأ بها نبيه عن عيسى وأمِّه مريم، وأمِّها حَنَّة وزكريا وابنه يحيى، وما قصَّ من أمر الحواريين واليهودَ من بنى إسرائيل ="نتلوها عليك"، يا محمد، يقول: نقرؤها عليك يا محمد على لسان جبريل ﷺ، (1) بوحيناها إليك ="من الآيات"، يقول: من العبر والحجج على من حاجَّك من وفد نصارى نجران، (2) ويهود بني إسرائيل الذين كذَّبوك وكذبوا ما جئتهم به من الحق من عندي ="والذكر"، يعني: والقرآن (3) ="الحكيم"، يعني: ذي الحكمة الفاصلة بين الحقّ والباطل، (4) وبينك وبين ناسبي المسيح إلى غير نسبه، كما:-

٧١٥٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم"، القاطع الفاصل الحقّ، الذي لم يخلطه الباطل من الخبر عن عيسى وعما اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلنّ خبرًا غيره. (5)

٧١٥٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك:"ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم"، قال: القرآن.

٧١٥٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله:"والذكر"، يقول: القرآن ="الحكيم" الذي قد كمَلَ في حكمته.

حواشي المحقّق (5)
  1. (1)انظر معنى"التلاوة" فيما سلف ٢: ٤١١، ٥٦٩.
  2. (2)انظر معنى"الآيات"، فيما سلف قريبًا، ومادة (أيي) من فهارس اللغة.
  3. (3)انظر تفسير"الذكر" فيما سلف ١: ٩٤، ٩٩.
  4. (4)انظر تفسير"الحكيم" فيما سلف، في مادة (حكم) من فهارس اللغة.
  5. (5)الأثر: ٧١٥٧- سيرة ابن هشام ٢: ٢٣١، وهو من تتمة الآثار التي آخرها رقم: ٧١٤٧، وكان في المطبوعة: "فلا يقبلن" بالياء، وهو خطأ، والصواب ما أثبت.

نصوص التفسير من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. تفسير سورة آل عِمران من أولها · تفسير باقي السور