تفسير سورة الأنعَام — الآيات 74–79
نصّ الآيات ثم تفسير ابن كثير وتفسير الطبري بتمامهما، كلّ نصّ باسم كتابه.
المصادر:تفسير ابن كثير (ت 774هـ)تفسير الطبري (ت 310هـ)عن النصوص وطريقة نقلها
تفسير ابن كثير — تفسير القرآن العظيم، الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ). طبعة دار طيبة بتحقيق سامي بن محمد السلامة، في نسختها الرقمية بمكتبة QUL.
تفسير الطبري — جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ). النسخة الرقمية المحققة بمكتبة QUL، بتعليقات المحقق.
ننقل نصّ الإمامَين بتمامه كما طُبع، بما فيه من الآثار بأسانيدها وتعليقات محقّق الطبعة بين معقوفتين، ولا نتصرّف فيه؛ والحكم على ما فيه من الروايات للمفسّر ومحقّقه، وهو مبيَّن في موضعه.
۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واذكر، يا محمد = لحجاجك الذي تحاجّ به قومك، وخصومتك إياهم في آلهتهم، وما تراجعهم فيها، مما نلقيه إليك ونعلمكه من البرهان والدلالة على باطل ما عليه قومك مقيمون، وصحة ما أنت عليه مقيم من الدين، وحقيقة ما أنت عليهم به محتج (1) = (2) حِجَاج إبراهيم خليلي قومَه، ومراجعته إياهم في باطل ما كانوا عليه مقيمين من عبادة الأوثان، وانقطاعه إلى الله والرضا به وليًّا وناصرًا دون الأصنام، (3) فاتخذه إمامًا واقتد به، واجعل سيرته في قومك لنفسك مثالا = إذ قال لأبيه مفارقًا لدينه، وعائبًا عبادته الأصنام دون بارئه وخالقه: يا آزر. (4)
ثم اختلف أهل العلم في المعنيّ ب"آزر"، وما هو، اسم هو أم صفة؟ (5) وإن كان اسمًا، فمن المسمى به؟ فقال بعضهم: هو اسم أبيه.
ذكر من قال ذلك:
١٣٤٣٤ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر"، قال: اسم أبيه"آزر".
١٣٤٣٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني محمد بن إسحاق قال:"آزر"، أبو إبراهيم. وكان، فيما ذكر لنا والله أعلم، رجلا من أهل كُوثَى، من قرية بالسواد، سواد الكوفة.
١٣٤٣٦ - حدثني ابن البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز يذكر قال: هو"آزر"، وهو"تارح"، مثل"إسرائيل" و"يعقوب".
وقال آخرون: إنه ليس أبا إبراهيم.
ذكر من قال ذلك:
١٣٤٣٧ - حدثنا محمد بن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال: ليس"آزر"، أبا إبراهيم.
١٣٤٣٧- حدثني الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا الثوري قال، أخبرني رجل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر"، قال:"آزر" لم يكن بأبيه، إنما هو صنم.
١٣٤٣٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:"آزر" اسم، صنم.
١٣٤٤٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال:"وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر"، قال: اسم أبيه، ويقال: لا بل اسمه"تارح"، واسم الصنم"آزر". يقول: أتتخذ آزرَ أصنامًا آلهة. (6)
وقال آخرون: هو سبٌّ وعيب بكلامهم، ومعناه: معوَجٌّ. كأنه تأوّل أنه عابه بزَيْغه واعوجاجه عن الحق. (7)
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الأمصار: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ﴾ بفتح"آزر" على اتباعه"الأب" في الخفض، ولكنه لما كان اسمًا أعجميًّا فتحوه، إذ لم يجروه، وإن كان في موضع خفض.
وذكر عن أبي زيد المديني والحسن البصري أنهما كانا يقرآن ذلك: ﴿آزَرُ﴾ بالرفع على النداء، بمعنى: يا آزر.
فأما الذي ذكر عن السديّ من حكايته أن"آزر" اسم صنم، وإنما نصبَه بمعنى: أتتخذ آزر أصنامًا آلهة = فقولٌ من الصواب من جهة العربية بعيدٌ. وذلك أن العرب لا تنصب اسمًا بفعلٍ بعد حرف الاستفهام، لا تقول:"أخاك أكلمت"؟ وهي تريد: أكلمت أخاك.
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي، قراءةُ من قرأ بفتح " الراء" من ﴿آزَرَ﴾، على اتباعه إعراب"الأب"، وأنه في موضع خفض ففتح، إذ لم يكن جاريًا، لأنه اسم عجمي. وإنما اخترتُ قراءة ذلك كذلك، (8) لإجماع الحجة من القرأة عليه.
وإذْ كان ذلك هو الصواب من القراءة، وكان غير جائز أن يكون منصوبًا بالفعل الذي بعد حرف الاستفهام، صحَّ لك فتحه من أحد وجهين:
إما أن يكون اسمًا لأبي إبراهيم صلوات الله عليه وعلى جميع أنبيائه ورسله، فيكون في موضع خفض ردًّا على"الأب"، ولكنه فتح لما ذكرت من أنه لمّا كان اسمًا أعجميًّا ترك إجراؤه ففتح، كما تفعل العرب في أسماء العجم. (9)
= أو يكون نعتًا له، فيكون أيضًا خفضًا بمعنى تكرير اللام عليه، (10) ولكنه لما خرج مخرج"أحمر" و"أسود" ترك إجراؤه، وفعل به كما يفعل بأشكاله. فيكون تأويل الكلام حينئذ: وإذ قال إبراهيم لأبيه الزائغ: أتتخذ أصنامًا آلهة. (11)
وإذ لم يكون له وِجهة في الصواب إلا أحد هذين الوجهين، فأولى القولين بالصواب منهما عندي قولُ من قال:"هو اسم أبيه"، لأن الله تعالى ذكره أخبر أنه أبوه، وهو القول المحفوظ من قول أهل العلم، دون القول الآخر الذي زعم قائلُه أنه نعتٌ.
فإن قال قائل: فإن أهل الأنساب إنما ينسبون إبراهيم إلى"تارح"، فكيف يكون"آزر" اسمًا له، والمعروف به من الاسم"تارح"؟ قيل له: غير محال أن يكون له اسمان، كما لكثير من الناس في دهرنا هذا، وكان ذلك فيما مضى لكثير منهم. وجائز أن يكون لقبًا يلقّب به. (12)
القول في تأويل قوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيل إبراهيم لأبيه آزر أنه قال:"أتتخذ أصنامًا آلهة"، تعبدها وتتخذها ربًّا دون الله الذي خلقك فسوَّاك ورزقك؟
و"الأصنام": جمع"صنم"، و"الصنم" التمثال من حجر أو خشب أو من غير ذلك في صورة إنسان، وهو"الوثن". وقد يقال للصورة المصوّرة على صورة الإنسان في الحائط وغيره:"صنم" و"وثن".
="إني أراك وقومَك في ضلال مبين"، يقول:"إني أراك"، يا آزر،"وقومَك" الذين يعبدون معك الأصنام ويتخذونها آلهة ="في ضلال"، يقول: في زوال عن محجّة الحق، وعدول عن سبيل الصواب =" مبين"، يقول: يتبين لمن أبصَره أنه جوْرٌ عن قصد السبيل، وزوالٌ عن محجة الطريق القويم. يعني بذلك أنه قد ضلّ هو وهم عن توحيد الله وعبادته، الذي استوجب عليهم إخلاص العبادة له بآلائه عندهم، دون غيره من الآلهة والأوثان. (13)
حواشي المحقّق (13)
- (1)في المطبوعة: "وحقية ما أنت عليهم محتج"، وفي المخطوطة: "وحقيقة أنعم عليهم محتج". فعل ناشر المطبوعة في"حقيقة" ما فعل في أشباهها، كما سلف ص: ٤٣٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك. وأما ما كان في المخطوطة: "ما أنعم عليهم محتج"، فالصواب فيما أرجح أن الناسخ جمع الكلمتين في كلام واحد، فكتب"ما أنت به"، "ما أنعم".
- (2)السياق: "واذكر، يا محمد،. . . حجاج إبراهيم".
- (3)في المطبوعة والمخطوطة: "واليا وناصرًا"، والصواب ما أثبت.
- (4)السياق: "واذكر يا محمد،. . . حجاج إبراهيم. . . إذ قال لأبيه. . . يا آزر"
- (5)في المطبوعة: "اسم أم صفة"، حذف"هو"!
- (6)في المخطوطة: "أتتخذ أصنامًا آلهة"، ليس فيها"آزر"، وما في المطبوعة قريب من الصواب إن شاء الله، لما سيأتي في نقد أبي جعفر مقالة السدي بعد قليل.
- (7)انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٤٠.
- (8)في المطبوعة: "وإنما أجيزت قراءة ذلك"، وهو كلام فاسد، والصواب ما أثبت وهو في المخطوطة غير منقوط بتمامه.
- (9)في المطبوعة: "كما فتح العرب"، والصواب من المخطوطة.
- (10)في المخطوطة: "تكرير الأمر عليه"، والصواب ما في المطبوعة.
- (11)في المطبوعة والمخطوطة: "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصنامًا آلهة"، وهو نص الآية، لا تأويل لها على النعت. وأما تأويل النعت الذي ذكره آنفًا في أن"آزر" سب وعيب في كلامهم ومعناه"معوج"، لزيغه واعوجاجه عن الحق = فهو الذي أثبت، وهو الصواب إن شاء الله.
- (12)في المطبوعة: "وجائز أن يكون لقبا والله تعالى أعلم"، حذف"يلقب به"، وهو وهو ثابت في المخطوطة، وزاد ما ليس في المخطوطة.
- (13)انظر تفسير"الضلال" و"مبين" فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) (بين) .
وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ
القول في تأويل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وكذلك"، وكما أريناه البصيرة في دينه، والحقّ في خلافه ما كانوا عليه من الضلال، (1) نريه ملكوت السماوات والأرض = يعني ملكه. (2)
وزيدت فيه"التاء" كما زيدت في"الجبروت" من"الجبر" (3) وكما قيل:"رَهَبوتٌ خيرٌ من رَحَمُوت"، بمعنى: رهبة خير من رحمة. (4) وحكي عن العرب سماعًا:"له مَلَكوت اليمنِ والعراق"، بمعنى: له ملك ذلك.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض".
فقال بعضهم: معنى ذلك: نريه خلقَ السماوات والأرض.
ذكر من قال ذلك:
١٣٤٤١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض"، أي: خلق السماوات والأرض.
١٣٤٤٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:" وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض"، أي: خلق السماوات والأرض ="وليكون من الموقنين".
١٣٤٤٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض"، يعني ب"ملكوت السماوات والأرض"، خلق السماوات والأرض.
وقال آخرون: معنى"الملكوت" الملك، بنحو التأويل الذي تأوّلناه. (5)
ذكر من قال ذلك:
١٣٤٤٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عمر بن أبي زائدة قال: سمعت عكرمة، وسأله رجل عن قوله:"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض"، قال: هو الملك، غير أنه بكلام النبط:"ملكوتَا". (6)
١٣٤٤٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن أبي زائدة، عن عكرمة قال: هي بالنبطية:"ملكوتَا".
وقال آخرون: معنى ذلك: آيات السماوات والأرض.
ذكر من قال ذلك:
١٣٤٤٦- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد:"نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض"، قال: آيات السماوات والأرض.
١٣٤٤٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض"، قال: آيات.
١٣٤٤٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض"، قال: تفرجت لإبراهيم السماوات السبعُ حتى العرش، فنظر فيهنّ، وتفرَّجت له الأرضون السبع، فنظر فيهنّ.
١٣٤٤٩ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين"، قال: أقيم على صخرة وفتحت له السماوات، فنظر إلى ملك الله فيها، حتى نظر إلى مكانه في الجنة. وفتحت له الأرضون حتى نظَر إلى أسفل الأرض، فذلك قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [سورة العنكبوت: ٢٧]، يقول: آتيناه مكانه في الجنّة، ويقال:"أجره" الثناء الحسن.
١٣٤٥٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد قوله:"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض"، قال: فرجت له السماوات فنظر إلى ما فيهنّ، حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع فنظر ما فيهنّ.
١٣٤٥١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن سالم، عن سعيد بن جبير:"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض"، قال: كشف له عن أدِيم السماواتِ والأرض، حتى نظر إليهن على صخرة، والصخرةُ، على حوت، والحوت على خاتم ربّ العِزّة لا إله إلا الله. (7)
١٣٤٥٢ - حدثنا هناد وابن وكيع قالا حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض، رأى عبدًا على فاحشة، فدعا عليه، فهلك. ثم رأى آخر على فاحشة، فدعا عليه فهلك. ثم رأى آخر على فاحشة، فدعا عليه فهلك. فقال: أنزلوا عبدِي لا يُهْلِك عبادِي!
١٣٤٥٣- حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء قال: لما رفع الله إبراهيم في الملكوت في السماوات، أشرفَ فرأى عبدًا يزني، فدعا عليه، فهلك. ثم رُفع فأشرف، فرأى عبدًا يزني، فدعا عليه، فهلك. ثم رفع فأشرف، فرأى عبدًا يزني، فدعا عليه، فنودي: على رِسْلِك يا إبراهيم، فإنك عبد مستجابٌ لك، وإني من عبدي على ثلاث: إما أن يتوب إليّ فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة، وإما أن يتمادى فيما هو فيه، فأنا من ورائه.
١٣٤٥٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي ومحمد بن جعفر وعبد الوهاب، عن عوف، عن أسامة: أن إبراهيم خليل الرّحمن حدَّث نفسه أنه أرحمُ الخلق، وأن الله رفعه حتى أشرفَ على أهل الأرض، فأبصر أعمالهم. فلما رآهم يعملون بالمعاصي قال: اللهم دمِّر عليهم! فقال له ربه: أنا أرحم بعبادي منك، اهبطْ، فلعلهم أن يتوبوا إليّ ويُراجِعوا. (8)
وقال آخرون: بل معنى ذلك، ما أخبر تعالى أنه أراه من النُّجوم والقمر والشمس.
ذكر من قال ذلك:
١٣٤٥٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك:"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض"، قال: الشمس والقمر والنجوم.
١٣٤٥٦ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد:"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض"، قال: الشمس والقمر.
١٣٤٥٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض"، يعني به: الشمس والقمر والنجوم. (9)
١٣٤٥٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: خُبِّئ إبراهيم ﷺ من جبار من الجبابرة، فجُعِل له رزقه في أصابعه، فإذا مصّ أصبعًا من أصابعه وَجَد فيها رزقًا. فلما خرج، أراه الله ملكوت السماوات والأرض. فكان ملكوت السماوات: الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض: الجبال والشجر والبحار.
١٣٤٥٩- حدثنا بشر بن معاذ، قال، حدثنا يزيد قال، (10) حدثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن نبيّ الله إبراهيم ﷺ، فُرَّ به من جبَّار مُتْرَف، (11) فجعل في سَرَبٍ، (12) وجعل رزقه في أطرافه، فجعل لا يمصُّ إصبعًا من أصابعه إلا وجد فيها رزقًا. فلما خرج من ذلك السَّرَب، أراه الله ملكوت السماوات، فأراه شمسًا وقمرًا ونجومًا وسحابًا وخلقًا عظيمًا، وأراه ملكوت الأرض، فأراه جبالا وبحورًا وأنهارًا وشجرًا ومن كلّ الدواب وخلقًا عظيمًا.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قولُ من قال: عنى الله تعالى ذكره بقوله:"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض"، أنه أراه ملك السماوات والأرض، وذلك ما خلق فيهما من الشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب وغير ذلك من عظيم سلطانه فيهما، وجلَّى له بواطنَ الأمور وظواهرَها، لما ذكرنا قبل من معنى"الملكوت"، في كلام العرب، فيما مضى قبل. (13)
وأما قوله:"وليكون من الموقنين"، فإنه يعني أنه أراه ملكوت السماوات والأرض، ليكون ممن يقرّ بتوحيد الله، (14) ويعلم حقيقة ما هداه له وبصّره إياه، (15) من معرفة وحدانيته، وما عليه قومه من الضلالة، من عبادتهم الأصنام، واتخاذهم إياها آلهة دون الله تعالى. (16)
وكان ابن عباس يقول في تأويل ذلك، ما:-
١٣٤٦٠ - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وليكون من الموقنين"، أنه جلَّى له الأمر سرَّه وعلانيتَه، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق. فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب، قال الله: إنك لا تستطيع هذا! فردَّه الله كما كان قبل ذلك.
فتأويل ذلك على هذا التأويل: أريناه ملكوت السماوات والأرض ليكون ممن يوقن علم كل شيء حسًّا لا خبرًا.
١٣٤٦١ - حدثني العباس بن الوليد قال، أخبرني أبي قال، حدثنا ابن جابر قال، وحدثنا الأوزاعيُّ أيضًا = قال: حدثني خالد بن اللجلاج قال: سمعت عبد الرحمن بن عائش الحضرميّ يقول: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات غداةٍ، فقال له قائل: ما رأيتك أسفرَ وجهًا منك الغداة! (17) قال: ومالي، وقد تبدّى لي ربّي في أحسن صورة، (18) فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى، (19) يا محمد؟ قلت: أنت أعلم [يا رب] ! (20) فوضع يده بين كتفي فوجدت بردَها بين ثدييّ، (21) فعلمت ما في السماوات والأرض. (22) ثم تلا هذه الآية:"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين". [[الأثر: ١٣٤٦١ - هذا خبر مشكل جدًّا، كما سترى بعد، وكان في المخطوطة والمطبوعة محرفًا أشد التحريف، وكان إسناده أشد تحريفًا، ولكني صححته بعون الله تعالى ذكره، من رواية أبي جعفر في ذيل المذيل (تاريخ الطبري ١٣: ٥٩، ٦٠).
"العباس بن الوليد بن مزيد العذري الآملي البيروتي" شيخ الطبري، ثقة، روى عنه كثيرًا مضى برقم: ٨٩١، ١١٠١٤، ١١٨٢١. وأبوه: "الوليد بن مزيد العذري البيروتي"، ثقة؛ مضى برقم: ١١٨٢١. قال الأوزاعي شيخه: "كتبه صحيحة"، وقال النسائي: "هو أحب إلينا في الأوزاعي من الوليد بن مسلم، لا يخطئ، ولا يدلس". و"ابن جابر" هو: "عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، ثقة، روى له الجماعة، روى عنه الأوزاعي، والوليد بن مزيد البيروتي، وغيرهما. ومضى برقم: ٦٦٥٥. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "أبو جابر"، وهو خطأ، صوابه من ذيل المذيل وغيره.
و"خالد بن اللجلاج العامري"، كان ذا سن وصلاح، جريء اللسان على الملوك، في الغلظة عليهم. قال البخاري: "سمع عمر بن الخطاب، وأباه". وقال ابن أبي حاتم: "روي عن عمر، مرسل، وعن أبيه، ولأبيه صحبة، وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي" وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. مترجم في التهذيب، والكبير٢/١/١٥٦، وابن أبي حاتم ١/٢/٣٤٩. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "خالد الحلاج"، وهو خطأ صرف. وأما "عبد الرحمن بن عائش الحضرمي"، فأمره وأمر صحبته مشكل من قديم، وسيأتي ذكر ذلك. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عبد الرحمن بن عياش"، وحذف ناشر المطبوعة"الحضرمي"، وهي ثابتة في المخطوطة. والصواب من رواية أبي جعفر في ذيل المذيل. ولكن أعجب العجب أنه جاء كذلك في المسند ٥: ٢٤٣: "عبد الرحمن بن عياش الحضرمي"، مع أني لم أجد أحدًا ذكر في ترجمته خلافًا في اسم أبيه"عائش"، فمن عجيب الاتفاق، وهو قليل مثله، أن يأتي كذلك في مخطوطة الطبري والمسند جميعًا، وهو اتفاق عجيب على الخطأ في كتابين متباينين. والذي في المسند خطأ لا شك فيه أيضًا، لأني وجدت ابن كثير في تفسيره ٧: ٢٢٠، ونقل الخبر عن هذا الموضع من مسند أحمد، وفيه"عبد الرحمن بن عائش" على الصواب. وتحريف"عائش" إلى"عياش" جائز قريب، لشهرة"عياش" وكثرة من تسمى به، ولخفاء"عائش" وندرة من تسمى به. و"عبد الرحمن بن عائش الحضرمي" مترجم في التهذيب، وفي ابن سعد ٧/٢/١٥٠، في الصحابة، وفي ذيل المذيل للطبري (١٣: ٥٩، ٦٠)، وفي الاستيعاب لابن عبد البر: ٣٩٩، وابن أبي حاتم ٢/٢/٢٦٢، وأسد الغابة ٣: ٣٠٣، ٣٠٤، وفي الإصابة، وفي ميزان الاعتدال ٢: ١٠٨. و"عبد الرحمن بن عائش" مختلف في صحبته، فممن صرح بصحبته، ابن سعد، وابن جرير في ذيل المذيل، وابن حبان أما ابن عبد البر في الاستيعاب، وابن الأثير في أسد الغابة، فذكر أنه لا تصح صحبته، لأن حديثه مضطرب. وأما أبو حاتم فقال: "أخطأ من قال: له صحبة، هو عندي تابعي". أما أبو زرعة فقال: "عبد الرحمن بن عائش، ليس بمعروف". وعد الحافظ ابن حجر في الإصابة من عده في الصحابة فقال: "وذكره في الصحابة: محمد بن سعد، والبخاري، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو الحسن بن سميع، وأبو القاسم، والبغوي، وأبو زرعة الحراني، وغيرهم". وقد استوفى الكلام في ترجمته في الإصابة وقال البخاري: "له حديث واحد، إلا أنهم مضطربون فيه"، يعني هذا الحديث. قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: "قلت: وقد وجدت له حديثًا آخر مرفوعًا، وحديثا آخر موقوفًا" وهذا الخبر رواه أبو جعفر في ذيل المذيل (تاريخه ١٣: ٥٩، ٦٠) بهذا الإسناد، وأشار إليه الترمذي في تفسير"سورة ص" من سننه (١٢: ١١٦، ١١٧ شرح ابن عربي)، بعد أن ذكر حديث معاذ بن جبل، من طريق زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي أنه حدثه عن مالك بن يحامر السكسكي، عن معاذ بن جبل، وذكر الحديث ="قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسمعيل (البخاري) عن هذا الحديث فقال: هذا أصح من حديث الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال، حدثنا خالد بن اللجلاج، حدثني عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، قال: سمعت رسول الله ﷺ، فذكر الحديث، وهذا غير محفوظ، هكذا ذكر الوليد في حديثه عن عبد الرحمن بن عائش قال: سمعت رسول الله ﷺ. وروى بشر بن بكر، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحديث بهذا الإسناد، عن عبد الرحمن بن عائش، عن النبي ﷺ = وهذا أصح، وعبد الرحمن بن عائش لم يسمع من النبي ﷺ". وقد استوفى الحافظ ابن حجر في الإصابة، في ترجمة"عبد الرحمن بن عائش" وجوه الاختلاف والاضطراب في هذا الخبر، وما قالوه في الكتب التي ذكرتها من أنه لم يقل في حديثه: "سمعت النبي ﷺ"، إلا الوليد بن مسلم. وقد ذكر أن الوليد بن مسلم لم ينفرد برواية ذلك، بل رواه أيضًا ثقة ثبت عن الأوزاعي، صحيح الحديث عنه، هو"الوليد بن مزيد البيروتي" بمثل رواية"الوليد بن مسلم"، وإذن فالاضطراب فيه لم يأت من طريق"الوليد بن مسلم". وذكر الحافظ سائر المتابعات التي تؤيد الوليد بن مسلم في روايته. وأما الخبر بغير هذا الإسناد، فقد رواه أحمد في مسنده ٥: ٢٤٣، والترمذي، كما أشرت إليه آنفًا. ثم رواه أحمد من حديث ابن عباس في مسنده رقم: ٣٤٨٤، بمثله. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٥: ٣١٩ - ٣٢١ من حديث جماعة من الصحابة، من حديث ابن عباس، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وأبي أمامة الباهلي، وطارق بن شهاب، وعدي بن حاتم، وأبي عبيدة بن الجراح، وثوبان. وهذا قدر كاف في تخريج هذا الخبر المضطرب، تراجع فيه سائر الكتب التي ذكرتها. وكتبه محمود محمد شاكر.]]
حواشي المحقّق (22)
- (1)في المطبوعة: "في خلاف ما كانوا عليه من الضلال". وفي المخطوطة: "في خلافه بما كانوا عليه من الضلال"، وبينهما بياض، وفي الهامش حرف (ط) دلالة على الخطأ، وظني أن الناسخ أشكل عليه الكلام فترك البياض، والكلام موصول صحيح المعنى.
- (2)في المخطوطة: "يعني ملكوت وزيدت فيه" بينهما بياض أيضًا، والذي في المطبوعة صحيح المعنى.
- (3)في المخطوطة: "من الجبروة"، والصواب ما في المطبوعة.
- (4)انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة١: ١٩٧، ١٩٨.
- (5)في المخطوطة: "وبنحو الذي تأولناه"، وفي الهامش"التأويل"، وعليها علامة"صح"، وفي الجهة الأخرى من السطر (كذا) بالحمرة، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب، إلا أنه كتب"الذي أولناه"، والصواب ما في المخطوطة.
- (6)الأثر: ١٣٤٤٤، ١٣٤٤٥ -"عمر بن أبي زائدة الهمداني الوادعي"، وهو"ابن أبي زائدة" في الإسناد الثاني، هو أخو"زكريا بن أبي زائدة"، وهو الأكبر. و"زكريا" أخوه أعلى منه بكثير. وهو ثقة، ولكنه كان يرى القدر، وهو في الحديث مستقيم. مترجم في التهذيب.
- (7)قد مضى قولنا في هذا الضرب من الأخبار التي لا حجة فيها من الصادق ﷺ.
- (8)في المطبوعة: "ويرجعوا"، والصواب الجيد من المخطوطة.
- (9)في المطبوعة: "يعني به: نريه الشمس"، وزاد"نريه"، وليست في المخطوطة.
- (10)في المطبوعة، سقط"قال حدثنا يزيد".
- (11)في المخطوطة: "قربه جبار مترف"، وأما ما في المطبوعة، فهو نص ما في الدر المنثور ٣: ٢٥.
- (12)"السرب" (بفتحتين) : حفير في الأرض، كالسرداب.
- (13)انظر ما سلف ص: ٤٧٠ وما بعدها.
- (14)في المطبوعة والمخطوطة: "ممن يتوحد بتوحيد الله"، وهو كلام لا معنى له، صوابه ما أثبت. وإنما هو خطأ من عجلة الناسخ، واستظهرته من معنى"يوقن" فيما سلف ١٠: ٣٩٤.
- (15)في المطبوعة: "ويعلم حقية ما هداه له"، فعل بها ما فعل بصواحباتها، كما سلف قريبًا: ص: ٤٦٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
- (16)انظر تفسير"أيقن" فيما سلف ١٠: ٣٩٤، ٣٩٥.
- (17)في المطبوعة والمخطوطة: "ما رأيت أسعد منك اليوم"، وهو خطأ، صوابه من منتخب ذيل المذيل لأبي جعفر الطبري، تاريخه ١٣: ٥٩، حيث روى الخبر بتمامه هناك. وقوله: "أسفر وجهًا منك الغداة"، يعني: أحسن إشراقًا وإضاءة، يقال: "سفر وجهه حسنا، وأسفر"، إذا أشرق وأضاء، ومنه في التنزيل العزيز: "وجوه يومئذ مسفرة".
- (18)في المطبوعة: "ما لي قد أتاني ربي"، وفي المخطوطة: "ومالي وقد ستاني ربي" غير منقوطة، محرفة، صوابها من ذيل المذيل لأبي جعفر.
- (19)في المطبوعة: "ففيم يختصم" لم يحسن قراءة المخطوطة، وهو الموافق لما في ذيل المذيل.
- (20)زيادة ما بين القوسين من رواية أبي جعفر في ذيل المذيل.
- (21)قوله: "فوجدت بردها بين ثديي"؛ أسقطه ناشر المطبوعة، لأنه كان في المخطوطة هكذا: "فوضع يده بين كتفي، ثديي"، أسقط الناسخ ما بين الكلامين، والصواب زيادته من رواية أبي جعفر في ذيل المذيل.
- (22)في ذيل المذيل: "ما في السماء والأرض".
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًۭا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ
القول في تأويل قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (٧٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما واراه الليل وغيّبه. (1)
يقال منه:"جنَّ عليه الليل"، و"جنَّه الليل"، و"أجنه"، و"أجنّ عليه". وإذا ألقيت"على"، كان الكلام بالألف أفصح منه بغير"الألف"،"أجنه الليل"، أفصح من"أجن عليه" و"جنّ عليه الليل"، أفصح من" جنَّه"، وكل ذلك مقبول مسموع من العرب. (2) "جنّه الليل"، في أسد ="وأجنه وجنه" في تميم. (3) والمصدر من:"جن عليه"،"جنًّا وجُنُونًا وجَنَانًا"، = ومن"أجنّ""إجنانًا". ويقال:"أتى فلان في جِنّ الليل". (4) و"الجن" من ذلك لأنهم استجنُّوا عن أعين بني آدم فلا يرون. وكل ما توارى عن أبصار الناس، فإن العرب تقول فيه:"قد جَنّ"، ومنه قول الهذلي: (5)
وَمَاءٍ وَرَدْتُ قُبَيْلَ الكَرَى... وَقَدْ جَنَّهُ السَّدَفُ الأَدْهَمْ [[ديوان الهذليين ٣: ٥٦، وما بقي من أشعار الهذليين رقم: ٣١، واللسان (سدف) (جنن)، من أبيات يمجد فيها نفسه، وبعد البيت: مَعِي صَاحِبٌ مِثْلُ نَصْل السِّنانِ... عَنِيفٌ عَلَى قِرْنِهِ مِغْشَمُ
ويروى: "وما وردت علي خيفة"، ويروى"قبيل الصباح"، وكله حسن. و"السدف": الظلمة من أول الليل أو آخره، عند اختلاط الضوء. و"الأدهم": الضارب إلى السواد.]]
وقال عبيد:
وَخَرْقٍ تَصِيحُ البُومُ فِيهِ مَعَ الصَّدَى... مَخُوفٍ إذَا مَا جَنَّهُ اللَّيْلُ مَرْهُوبِ [[ديوانه: ٣٣، ذكر نفسه في هذا البيت ثم قال بعده: قَطَعْتُ بِصَهْبَاءِ السَّرَاةِ شِمِلَّةٍ... تَزِلُّ الوَلايَا عَنْ جَوَانِبِ مَكْرُوبِ
وختمها بالبيت الحكيم: تَرَى المَرْءَ يَصْبُو لِلحَيَاةِ وَطُولِهَا... وَفِي طُولِ عَيْش المَرْءِ أَبْرَحُ تَعْذِيبِ
وصدق غاية الصدق! وكان في المطبوعة: "الليل مرهب"، والصواب من المخطوطة. و"الخرق" (بفتح فسكون): الفلاة الواسعة، ورواية الديوان: "تصيح الهام"، و"الهام" ذكر البوم، ورواية أبي جعفر أجود، لأن"الصدى" هو أيضًا ذكر البوم.]]
ومنه:" أجننت الميت"، إذا واريته في اللحد، و"جننته"، وهو نظير "جنون الليل"، في معنى غطيته. ومنه قيل للترس"مِجَنّ" لأنه يُجنّ من استجنَّ به فيغطّيه ويواريه.
وقوله:"رأى كوكبًا"، يقول: أبصر كوكبًا حين طلع =" قال هذا ربي"، فروي عن ابن عباس في ذلك، ما:-
١٣٤٦٢ - حدثني به المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين"، يعني به الشمس والقمر والنجوم ="فلما جنّ عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربي"، فعبده حتى غاب، فلما غاب قال: لا أحب الآفلين ="فلما رأى القمر بازغًا قال هذا ربي"، فعبده حتى غاب، فلما غاب قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ="فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر" فعبدها حتى غابت، فلما غابت قال: يا قوم إنّي بريء مما تشركون.
١٣٤٦٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فلما جن عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحبّ الآفلين"، علم أن ربّه دائم لا يزول. فقرأ حتى بلغ:"هذا ربي هذا أكبر"، رأى خلقًا هو أكبرَ من الخلقين الأوّلين وأنور. (6)
وكان سبب قيل إبراهيم ذلك، ما:-
١٣٤٦٤- حدثني به محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني محمد بن إسحاق = فيما ذكر لنا، والله أعلم = أن آزر كان رجلا من أهل كوثى، من قرية بالسوادِ، سواد الكوفة، وكان إذ ذاك ملك المشرق النمرود، (7) فلما أراد الله أن يبعث إبراهيم [عليه السلام، خليل الرحمن، حجة على قومه]، (8) ورسولا إلى عباده، ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم نبيّ إلا هود وصالح، فلما تقارب زمان إبراهيم الذي أراد الله ما أراد، أتى أصحابُ النجوم نمرودَ فقالوا له: تَعَلَّمْ، أنّا نجد في عِلْمنا أن غلامًا يولد في قريتك هذه يقال له"إبراهيم"، (9) يفارق دينكم، ويكسر أوثانكم، في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا. فلما دخلت السنة التي وصف أصحابُ النجوم لنمرود، بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده = إلا ما كان من أمّ إبراهيم امرأة آزر، فإنه لم يعلم بحبَلها، وذلك أنها كانت امرأة حَدَثة، فيما يذكر، لم تعرف الحبَل في بطنها، (10) ولِمَا أرادَ الله أن يبلغ بولدها، (11) = يريدُ أن يقتل كل غلام ولد في ذلك الشهر من تلك السنة، حذرًا على ملكه. فجعلَ لا تلد امرأة غلامًا في ذلك الشهر من تلك السنة، إلا أمر به فذبح. فلما وجدت أم إبراهيم الطَّلقَ خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبًا منها، فولدت فيها إبراهيم، وأصلحت من شأنه ما يُصْنع بالمولود، (12) ثم سَدّت عليه المغارة، ثم رجعت إلى بيتها، ثم كانت تطالعه في المغارة فتنظر ما فعل، فتجده حيًّا يمصّ إبهامه، يزعمون، والله أعلم، أن الله جعل رزق إبراهيم فيها وما يجيئه من مصّه. وكان آزر، فيما يزعمون، سأل أمّ إبراهيم عن حمْلها ما فعل، فقالت: ولدت غلامًا فمات! فصدّقها، فسكت عنها. وكان اليوم، فيما يذكرون، على إبراهيم في الشَّباب كالشهر، والشهر كالسنة. فلم يلبث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرًا حتى قال لأمه: أخرجيني أنظر! فأخرجته عِشاء فنظر، وتفكر في خلق السماوات والأرض، وقال:"إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربّي، ما لي إله غيره"! ثم نظر في السماء فرأى كوكبًا، قال:"هذا ربي"، ثم اتّبعه ينظر إليه ببصره حتى غاب، فلما أفل قال:"لا أحب الآفلين"، ثم طلع القمر فرآه بازغًا، قال:"هذا ربي"، ثم اتّبعه ببصره حتى غاب، فلما أفل قال:"لئن لم يهدني ربّي لأكونن من القوم الضالين"! فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس، أعظَمَ الشمسَ، (13) ورأى شيئًا هو أعظم نورًا من كل شيء رآه قبل ذلك، فقال:"هذا ربي، هذا أكبر"! فلما أفلت قال:"يا قوم إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين". ثم رجع إبراهيم إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته، وعرف ربَّه، وبرئ من دين قومه، إلا أنه لم يبادئهم بذلك. وأخبر أنه ابنه، وأخبرته أم إبراهيم أنه ابنه، وأخبرته بما كانت صنعت من شأنه، فسرَّ بذلك آزر وفرح فرحًا شديدًا. وكان آزر يصنع أصنام قومِه التي يعبدونها، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم، فيما يذكرون، فيقول:"من يشتري ما يضرُّه ولا ينفعه"، فلا يشتريها منه أحد. فإذا بارت عليه، (14) ذهب بها إلى نهر فصوَّبَ فيه رؤوسها، (15) وقال:"اشربي"، استهزاء بقومه وما هم عليه من الضلالة، حتى فشا عيبُه إياها واستهزاؤُه بها في قومه وأهل قريته، من غير أن يكون ذلك بلغ نمرودَ الملك. (16)
قال أبو جعفر: وأنكر قوم من غير أهل الرواية هذا القول الذي روي عن ابن عباس وعمن روي عنه، من أن إبراهيم قال للكوكب أو للقمر:"هذا ربي"، وقالوا: غير جائز أن يكون لله نبيٌّ ابتعثه بالرسالة، أتى عليه وقتٌ من الأوقات وهو بالغٌ إلا وهو لله موحدٌ، وبه عارف، ومن كل ما يعبد من دونه برئ. قالوا: ولو جاز أن يكون قد أتى عليه بعض الأوقات وهو به كافر، لم يجز أن يختصه بالرسالة، لأنه لا معنى فيه إلا وفي غيره من أهل الكفر به مثله، وليس بين الله وبين أحد من خلقه مناسبة، فيحابيه باختصاصه بالكرامة. قالوا: وإنما أكرم من أكرم منهم لفضله في نفسه، فأثابه لاستحقاقه الثوابَ بما أثابه من الكرامة. وزعموا أن خبرَ الله عن قيل إبراهيم عند رؤيته الكوكب أو القمر أو الشمس:"هذا ربي"، لم يكن لجهله بأن ذلك غير جائز أن يكون ربّه، وإنما قال ذلك على وجه الإنكار منه أن يكون ذلك ربه، وعلى العيب لقومه في عبادتهم الأصنام، إذْ كان الكوكبُ والقمرُ والشمسُ أضوأ وأحسنَ وأبهجَ من الأصنام، ولم تكن مع ذلك معبودة، وكانت آفلةً زائلة غير دائمة، والأصنام التي [هي] دونها في الحسن وأصغرَ منها في الجسم، أحقُّ أن لا تكون معبودة ولا آلهة. (17) قالوا: وإنما قال ذلك لهم، معارضةً، كما يقول أحد المتناظرين لصاحبه معارضًا له في قولٍ باطلٍ قال به بباطل من القول، (18) على وجه مطالبته إياه بالفُرْقان بين القولين الفاسدين عنده، اللذين يصحِّح خصمه أحدَهما ويدعي فسادَ الآخر.
وقال آخرون منهم: بل ذلك كان منه في حال طفولته، (19) وقبل قيام الحجة عليه. وتلك حال لا يكون فيها كفر ولا إيمان.
وقال آخرون منهم: إنما معنى الكلام: أهذا ربي؟ على وجه الإنكار والتوبيخ، أي: ليس هذا ربي. وقالوا: قد تفعل العرب مثل ذلك، فتحذف"الألف" التي تدلّ على معنى الاستفهام. وزعموا أن من ذلك قول الشاعر: (20)
رَفَوْنِي وَقَالُوا: يَا خُوَيْلِدُ، لا تُرَعْ!... فَقُلْتُ، وأَنْكَرْتُ الوُجُوهَ: هُمُ هُمُ؟ (21)
يعني: أهم هم؟ قالوا: ومن ذلك قول أوس: (22)
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي، وَإنْ كُنْتُ دَارِيًا،... شُعَيْثَ بنَ سَهْمٍ أم شُعَيْثَ بْنَ مِنْقَرِ [[سيبويه ١: ٤٨٥، البيان والتبين ٤: ٤٠، ٤١، الكامل ١: ٣٨٤، ٢: ١١٥، الخزانة ٤: ٤٥٠، شرح شواهد المغني: ٥١، وغيرها كثير. قال الجاحظ: "وذكروا أن حزن بنالحارث، أحد بني العنبر، ولد"محجنًا"، فولد محجن: "شعيب بن سهم"، فأغير على إبله، فأتى أوس بن حجر يستنجده، فقال له أوس: أو خير من ذلك، أحضض لك قيس بن عاصم! وكان يقال إن"حزن بن الحارث" هو"حزن بن منقر"، فقال أوس: سَائِلُ بِهَا مَوْلاَكَ قَيْسَ بن عَاصِمٍ... فَمَوْلاَكَ مَوْلَى السَّوْءِ إنْ لَمْ يُغَيِّرِ
لَعَمْرُكَ مَا أدْرِي: أمِنْ حزن مِحْجَنٍ... شُعَيْثُ بن سَهْمٍ أمْ لِحَزْنِ بن مِنْقَرِ
فَما أنْتَ بالمَوْلَى المُضَيِّعِ حَقَّهُ... وَمَا أنْتَ بِالْجَارِ الضَّعِيفِ المُسَترِ
فسعى قيس في إبله حتى ردها على آخرها". والبيت برواية الجاحظ لا شاهد فيه. وكان في المطبوعة في المواضع كلها: "شعيب" بالباء، وهو خطأ. وفي المطبوعة: "أو شعيب" والصواب"أم" كما في المخطوطة وسائر الروايات.]] بمعنى: أشعيث بن سهم؟ فحذف"الألف"، ونظائر ذلك. وأما تذكير"هذا" في قوله:"فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي"، فإنما هو على معنى: هذا الشيء الطالع ربِّي.
قال أبو جعفر: وفي خبر الله تعالى عن قيل إبراهيم حين أفل القمر:"لئن لم يهدني ربّي لأكونن من القوم الضالين"، الدليلُ على خطأ هذه الأقوال التي قالها هؤلاء القوم، وأنّ الصوابَ من القول في ذلك، الإقرارُ بخبر الله تعالى الذي أخبر به عنه، والإعراض عما عداه. (23)
وأما قوله:"فلما أفل"، فإن معناه: فلما غاب وذهب، كما:-
١٣٤٦٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، قال ابن إسحاق:"الأفول"، الذهاب.
يقال منه:"أفل النجم يأفُلُ ويأفِلُ أفولا وأفْلا"، إذا غاب، ومنه قول ذي الرمة:
مَصَابِيحُ لَيْسَتْ بِالَّلوَاتِي تَقُودُهَا... نُجُومٌ، وَلا بالآفِلاتِ الدَّوَالِكِ (24)
ويقال:"أين أفلت عنا" بمعنى: أين غبت عنا؟ (25)
حواشي المحقّق (25)
- (1)في المطبوعة: "داراه الليل وجنه"، والصواب من المخطوطة.
- (2)هذا بيان لا تصيبه في كتب اللغة، فقيده هناك، وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٤١.
- (3)يعني أن الأولى أشهر في لغة بني أسد، وأن الثانية أشهر في لغة بني تميم.
- (4)"جن الليل" (بكسر الجيم) : اختلاط ظلمته.
- (5)هو البريق الهذلي، واسمه: "عياض بن خويلد الخناعي"، وروى الأصمعي أن قائل الشعر هو"عامر بن سدوس الخناعي".
- (6)في المطبوعة: "وأي خلق"، وهو فاسد المعنى، وفي المخطوطة: "وأي خلقا"، وصواب قراءتها ما أثبت.
- (7)في المطبوعة: "لنمرود بن كنعان"، وليس ذلك في المخطوطة، ولا في تاريخ الطبري ١: ١١٩، بل الذي هناك: "لنمرود الخاطئ، وكان يقال له: الهاصر. وكان ملكه فيما يزعمون قد أحاط بمشارق الأرض ومغاربها، وكان ببابل. . ."، فاختصر أبو جعفر الخبر كعادته. وهو خبر قسمه أبو جعفر في تاريخه، فروى صدره هذا، ثم فصل، ثم عاد إلى حديث ابن إسحق.
- (8)الزيادة بين القوسين من تاريخ أبي جعفر ١: ١١٩.
- (9)"تعلم" (بفتح التاء والعين وتشديد اللام المفتوحة) فعل أمر بمعنى: اعلم، يكثر ورودها في سيرة ابن إسحق، ويخطئ كثير من الناس في ضبطها من قلة معرفتهم بالكلام.
- (10)"امرأة حدثة" (بفتحات) : حديثة السن صغيرة، بينة الحداثة. والمذكر: "رجل حدث"، أي شاب صغير. وكان في المطبوعة: "حدبة" بالباء، وهو خطأ صرف، وهي في المخطوطة غير منقوطة، والصواب في تاريخ الطبري.
- (11)في المطبوعة: "ولما أراد الله أن يبلغ بولدها أراد أن يقتل. . ." غير ما كان في المخطوطة، لأنه لم يفهم سياق الكلام، فوضع مكان"يريد"، "أراد". وسياق الكلام: ". . . بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده. . . يريد أن يقتل كل غلام. . ."، ووضعت العبارة الفاصلة في شأن ولدها بين خطين، لذلك. وقوله"ولما أراد الله. . ."، أي وللذي أراد الله. وهذه الجملة ليست في تاريخ أبي جعفر، اختصر الكلام هناك كعادته.
- (12)في المطبوعة: "ما يصنع مع المولود"، أراد الناشر ترجمة كلام أبي جعفر إلى سقم عربيته!! ، والصواب من المخطوطة والتاريخ.
- (13)هكذا في المطبوعة والمخطوطة: "أعظم الشمس"، كأنه يعني: استعظمها، ووجدها عظيمة، وهو صواب في المعنى، وأما في التاريخ فهناك: "رأى عظم الشمس"، وهو صواب أيضًا.
- (14)هكذا في التاريخ، وفي المخطوطة: "وإذا بات عليه" غير منقوطة، فأثبت ما في التاريخ.
- (15)في المطبوعة والمخطوطة: "فضرب فيه رؤوسها"، والصواب من التاريخ. و"صوب رؤوسها"، نكسها.
- (16)الأثر: ١٣٤٦٤ - هذا الأثر رواه أبو جعفر في تاريخه مطولا ١: ١١٩، ١٢٠.
- (17)في المطبوعة والمخطوطة: "والأصنام التي دونها في الحسن"، وفي المخطوطة: "فأحق"، ورأيت السياق يقتضي ما أثبت، مع زيادة [هي] بين القوسين.
- (18)السياق: معارضا له. . . بباطل من القول.
- (19)في المطبوعة: "طفوليته"، وأثبت ما في المخطوطة.
- (20)هو أبو خراش الهذلي.
- (21)ديوان الهذليين ٢: ١٤٤، الخزانة ١: ٢١١ واللسان، (رفأ) (رفو) ، وغيرها كثير. هي مطلع شعر له في فرة فرها على رجليه، فوصف ذلك وحسن فرته. وقوله: "رفوني"، أي: سكنوني، كأن قلبه قد طار شعاعًا، فضموا بعضه إلى بعض. يقال: "رفوته من الرعب" و"رفأته".
- (22)ينسب أيضًا للأسود بن يعفر النهشلي، واللعين المنقري.
- (23)انظر أيضًا معاني القرآن للفراء ١: ٣٤١.
- (24)ديوانه: ٤٢٥، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٩٩، الأزمنة ٢: ٤٩، كتاب القرطين ١: ٢٦١، اللسان (دلك) ، من قصيدة طويلة، وصف بها الإبل، وهذا البيت من صفة الإبل."مصابيح" جمع"مصباح"، و"المصباح" التي تصبح في مبركها لا ترعى حتى يرتفع النهار، وهو مما يستحب من الإبل، وذلك لقوتها وسمنها. يقول: ليست بنجوم آفلات، ولكنها إبل.
- (25)هذا مجاز لا تكاد تجده في كتاب آخر.
فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًۭا قَالَ هَٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ
فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةًۭ قَالَ هَٰذَا رَبِّى هَٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ
القول في تأويل قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما طلع القمر فرآه إبراهيم طالعًا، وهو"بُزُوغه".
يقال منه:"بزغت الشمس تَبْزُغُ بزُوغًا"، إذا طلعت، وكذلك القمر.
="قال هذا ربي فلما أفل"، يقول: فلما غاب ="قال"، إبراهيم،"لئن لم يهدني ربي"، ويوفقني لإصابة الحق في توحيده ="لأكونن من القوم الضالين"، أيْ: من القوم الذين أخطؤوا الحق في ذلك، فلم يصيبوا الهدى، وعبدوا غير الله.
وقد بينا معنى"الضلال"، في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (1)
القول في تأويل قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله (2) " فلما رأى الشمس بازغة"، فلما رأى إبراهيم الشمس طالعةً، قال: هذا الطالعُ ربّي ="هذا أكبر"، يعني: هذا أكبر من الكوكب والقمر = فحذف ذلك لدلالة الكلام عليه = "فلما أفلت"، يقول: فلما غابت، (3) قال إبراهيم لقومه ="يا قوم إنّي بريء مما تشركون"، أي: من عبادة الآلهة والأصنام ودعائه إلهًا مع الله تعالى ذكره. (4)
حواشي المحقّق (4)
- (1)انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة: (ضلل) .
- (2)"بقوله"، ساقطة من المخطوطة والمطبوعة، وهي حق سياقة الكلام.
- (3)انظر تفسير"أفل" و"بزغ" فيما سلف قريبًا.
- (4)انظر تفسير"برئ" فيما سلف ص: ٢٩٣.
إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَبَا إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ آزرُ، إِنَّمَا كَانَ اسْمُهُ تَارِحَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ شَبِيبٌ، حَدَّثَنَا عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ﴾ يَعْنِي بِآزَرَ: الصَّنَمَ، وَأَبُو إِبْرَاهِيمَ اسْمُهُ تَارِحُ، وَأُمُّهُ اسْمُهَا مَثَانِي، وَامْرَأَتُهُ اسْمُهَا سَارَةُ، وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ اسْمُهَا هَاجَرُ، وَهِيَ سُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ.
وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ النَّسَبِ: إِنَّ اسْمَهُ تَارِحُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ والسُّدِّي: آزَرُ: اسْمُ صَنَمٍ.
قُلْتُ: كَأَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ آزَرُ لخدمته ذلك الصنم، فالله أعلم (1) وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: "هُوَ سَبٌّ (2) وَعَيْبٌ بِكَلَامِهِمْ، وَمَعْنَاهُ: مُعْوَج" وَلَمْ يُسْنِدْهُ وَلَا حَكَاهُ عَنْ أَحَدٍ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكر عَنْ مُعْتَمِر بْنِ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي يَقْرَأُ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ﴾ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهَا أَعْوَجُ، وَأَنَّهَا أَشَدُّ كَلِمَةٍ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ أَنَّ اسْمَ أَبِيهِ آزَرُ. ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ قَوْلَ النَّسَّابِينَ أَنَّ اسْمَهُ تَارِحُ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ اسْمَانِ، كَمَا لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، أَوْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا لَقَبًا (3) وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي أَدَاءِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ﴾ فَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ مَعْنَاهُ: يَا آزَرُ، أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالْفَتْحِ، إِمَّا عَلَى أَنَّهُ عَلَمٌ أَعْجَمِيٌّ لَا يَنْصَرِفُ، وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿لأبِيهِ﴾ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، وَهُوَ أَشْبَهُ.
وَعَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ نَعْتًا لَا يَنْصَرِفُ أَيْضًا كَأَحْمَرَ وَأَسْوَدَ.
فَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ لِكَوْنِهِ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا﴾ تَقْدِيرُهُ: يَا أَبَتِ، أَتُتَّخِذُ آزَرَ أَصْنَامًا آلِهَةً، فَإِنَّهُ قَوْلٌ بَعِيدٌ فِي اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ صَدْرَ الْكَلَامِ، كَذَا قَرَّرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ. وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي قَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَظَ أَبَاهُ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَزَجَرَهُ عَنْهَا، وَنَهَاهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ أَيْ: أَتَتَأَلَّهُ لِصَنَمٍ تَعْبُدُهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ﴾ أَيِ: السَّالِكِينَ مَسْلَكَكَ ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أَيْ: تَائِهِينَ لَا يَهْتَدُونَ أَيْنَ يَسْلُكُونَ، بَلْ فِي حِيرَةٍ وَجَهْلٍ وَأَمْرُكُمْ فِي الْجَهَالَةِ وَالضَّلَالِ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ صَحِيحٍ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لأبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤١ -٤٨]، فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَسْتَغْفِرُ لِأَبِيهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا مَاتَ عَلَى الشِّرْكِ وَتَبَيَّنَ إِبْرَاهِيمُ ذَلِكَ، رَجَعَ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ، وَتَبَرَّأَ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١٤].
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ يَلْقَى أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، الْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: أَيْ رَبِّ، أَلَمْ تَعِدْنِي أَنَّكَ لَا (4) تُخْزُنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (5) وَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ؟ فَيُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، انْظُرْ مَا وَرَاءَكَ. فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ (6)
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أَيْ: تبين لَهُ وَجْهَ الدَّلَالَةِ فِي نَظَرِهِ إِلَى خَلْقِهِمَا عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي مُلْكِهِ وَخَلْقِهِ، وَإِنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، كَقَوْلِهِ (7) ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [يُونُسَ: ١٠١]، وَقَالَ ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٥]، وَقَالَ ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سَبَأٍ: ٩].
فَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وعَطاء، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، والسُّدِّي، وَغَيْرِهِمْ قَالُوا -وَاللَّفْظُ لِمُجَاهِدٍ -: فُرِجَتْ لَهُ السَّمَوَاتُ، فَنَظَرَ إِلَى مَا فِيهِنَّ، حَتَّى انْتَهَى بَصَرُهُ إِلَى الْعَرْشِ، وَفُرِجَتْ لَهُ الْأَرْضُونَ السَّبْعُ، فَنَظَرَ إِلَى مَا فِيهِنَّ -وَزَادَ غَيْرُهُ -: فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى الْعِبَادِ عَلَى الْمَعَاصِي فَيَدْعُوَا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: إِنِّي أَرْحَمُ بِعِبَادِي مِنْكَ، لَعَلَّهُمْ أَنْ يَتُوبُوا وَيُرَاجِعُوا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدُوَيه فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْنِ مَرْفُوعَيْنِ، عَنْ مُعَاذٍ، وَعْلَيِّ [بْنِ أَبِي طَالِبٍ] (8) (9) وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ فَإِنَّهُ تَعَالَى جَلَا لَهُ الْأَمْرَ؛ سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ، فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْخَلَائِقِ، فَلَمَّا جَعَلَ يَلْعَنُ أَصْحَابَ الذُّنُوبِ قَالَ اللَّهُ: إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ هَذَا. فَرَدَّهُ [اللَّهُ] (10) -كَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ -فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَشَفَ لَهُ عَنْ بَصَرِهِ، حَتَّى رَأَى ذَلِكَ عَيَانًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ بَصِيرَتِهِ حَتَّى شَاهَدَهُ بِفُؤَادِهِ وَتَحَقَّقَهُ وَعَرَفَهُ، وَعَلِمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ الْبَاهِرَةِ وَالدَّلَالَاتِ الْقَاطِعَةِ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (11) فِي حَدِيثِ الْمَنَامِ: "أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي يَا رَبِّ، فَوَضَعَ كَفَّهُ (12) بَيْنَ كَتِفِي، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيِي، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ... " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (13)
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ قِيلَ: "الْوَاوُ" زَائِدَةٌ، تَقْدِيرُهُ: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ [وَكَذَلِكَ] (14) نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٥].
وَقِيلَ: بَلْ هِيَ عَلَى بَابِهَا، أَيْ نُرِيهِ ذَلِكَ لِيَكُونَ عَالِمًا وَمُوقِنًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أَيْ: تَغَشَّاهُ وَسَتَرَهُ ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ أَيْ: نَجْمًا، ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أَيْ: غَابَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: "الْأُفُولُ" الذَّهَابُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يُقَالُ: أَفَلَ النَّجْمُ يأفلُ ويأفِل أُفُولًا وأفْلا إِذَا غَابَ، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ.
مَصَابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّوَاتِي تَقُودُها (15) نُجُومٌ، وَلَا بِالْآفِلَاتِ الدَّوَالِكِ (16)
وَيُقَالُ: أَيْنَ أَفَلْتَ عَنَّا؟ بِمَعْنَى: أَيْنَ غِبْتَ عَنَّا؟
قَالَ: ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: عَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ دَائِمٌ لَا يَزُولُ، ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ أَيْ: طَالِعَا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ أَيْ: هَذَا الْمُنِيرُ (17) الطَّالِعُ رَبِّي ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ أَيْ: جِرْمًا مِنَ النَّجْمِ وَمِنَ الْقَمَرِ، وَأَكْثَرَ إِضَاءَةً.: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ أَيْ: غَابَتْ، ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أَيْ أَخْلَصْتُ دِينِيَ وَأَفْرَدْتُ عِبَادَتِي ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ﴾ أَيْ: خَلَقَهُمَا وَابْتَدَعَهُمَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ. ﴿حَنِيفًا﴾ أَيْ فِي حَالِ كَوْنِي حَنِيفًا، أَيْ: مَائِلًا عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، هَلْ هُوَ مَقَامُ نَظَرٍ أَوْ مُنَاظَرَةٍ؟ فَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَقَامُ نَظَرٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي [لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ] (18) ﴾
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ ذَلِكَ حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّرَبِ الَّذِي وَلَدَتْهُ فِيهِ أُمُّهُ، حِينَ تَخَوَّفَتْ عَلَيْهِ النَّمْرُودَ بْنَ كَنْعَانَ، لَمَّا أنْ قَدْ أُخْبِرَ بِوُجُودِ مَوْلُودٍ يَكُونُ ذَهَابُ مُلْكِكَ عَلَى يَدَيْهِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْغِلْمَانِ عامئذٍ. فَلَمَّا حَمَلَتْ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ بِهِ وَحَانَ وَضْعُهَا، ذَهَبَتْ بِهِ إِلَى سَرَبٍ ظاهر البلد، فولدت فيه إِبْرَاهِيمَ وَتَرَكَتْهُ هُنَاكَ. وَذَكَرَ أَشْيَاءَ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، كَمَا ذَكَرَهَا غَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
وَالْحَقُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَانَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مُنَاظِرًا لِقَوْمِهِ، مُبَيِّنًا لَهُمْ بُطْلَانَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْهَيَاكِلِ وَالْأَصْنَامِ، فَبَيَّنَ فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ مَعَ أَبِيهِ خَطَأَهُمْ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ الْأَرْضِيَّةِ، الَّتِي هِيَ عَلَى صُورَةِ الْمَلَائِكَةِ السَّمَاوِيَّةِ، لِيَشْفَعُوا لَهُمْ إِلَى الْخَالِقِ الْعَظِيمِ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَإِنَّمَا يَتَوَسَّلُونَ إِلَيْهِ بِعِبَادَةِ مَلَائِكَتِهِ، لِيَشْفَعُوا لَهُمْ عِنْدَهُ فِي الرِّزْقِ وَالنَّصْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. وَبَيَّنَ فِي هَذَا الْمَقَامِ خَطَأَهُمْ وَضَلَالَهُمْ فِي عِبَادَةِ الْهَيَاكِلِ، وَهِيَ الْكَوَاكِبُ السَّيَّارَةُ السَّبْعَةُ الْمُتَحَيِّرَةُ، وَهِيَ: الْقَمَرُ، وَعُطَارِدُ، وَالزَّهْرَةُ، وَالشَّمْسُ، وَالْمِرِّيخُ، وَالْمُشْتَرَى، وَزُحَلُ، وَأَشُدُّهُنَّ إِضَاءَةً وَأَشْرَقُهُنَّ عِنْدَهُمُ الشَّمْسُ، ثُمَّ الْقَمَرُ، ثُمَّ الزُّهَرَةُ. فَبَيَّنَ أَوَّلًا أَنَّ هَذِهِ الزُّهْرَةَ لَا تَصْلُحُ لِلْإِلَهِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مُسَخَّرَةٌ مَقَدَّرَةٌ بِسَيْرٍ مُعَيَّنٍ، لَا تَزِيغُ عَنْهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا وَلَا تَمْلِكُ لِنَفْسِهَا تَصَرُّفًا، بَلْ هِيَ جِرْمٌ مِنَ الْأَجْرَامِ خَلَقَهَا اللَّهُ مُنِيرَةً، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ (19) الْعَظِيمَةِ، وَهِيَ تَطْلُعُ مِنَ الْمَشْرِقِ، ثُمَّ تَسِيرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ حَتَّى تَغِيبَ عَنِ الْأَبْصَارِ فِيهِ، ثُمَّ تَبْدُو فِي اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ. وَمِثْلُ هَذِهِ لَا تَصْلُحُ لِلْإِلَهِيَّةِ. ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْقَمَرِ. فَبَيَّنَ فِيهِ مِثْلَ مَا بَيَّنَ فِي النَّجْمِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الشَّمْسِ كَذَلِكَ. فَلَمَّا انْتَفَتِ الْإِلَهِيَّةُ عَنْ هَذِهِ الْأَجْرَامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ أَنْوَرُ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ الْأَبْصَارُ، وَتَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ، ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أَيْ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ عِبَادَتِهِنَّ وَمُوَالَاتِهِنَّ، فَإِنْ كَانَتْ آلِهَةً، فَكِيدُونِي بِهَا جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونَ، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَعْبُدُ خَالِقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَمُخْتَرِعَهَا وَمُسَخِّرَهَا وَمُقَدِّرَهَا وَمُدَبِّرَهَا، الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ وَإِلَهُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ [الْخَلِيلُ] (20) نَاظِرًا فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ الْآيَاتِ [الْأَنْبِيَاءِ: ٥١، ٥٢]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٠ -١٢٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦١].
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "كل مولود يولد على الْفِطْرَةِ" (21) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حَمَّادٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ: إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ" (22) وَقَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الرُّومِ: ٣٠]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٧٢] وَمَعْنَاهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقٍّ سَائِرِ الْخَلِيقَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ -الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ ﴿أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٠] نَاظِرًا فِي هَذَا الْمَقَامِ؟! بَلْ هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَالسَّجِيَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَا شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّهُ كَانَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مُنَاظِرًا لِقَوْمِهِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ لَا نَاظِرًا قَوْلُهُ تَعَالَى (23)
حواشي المحقّق (23)
- (1)في أ: "والله أعلم".
- (2)في م: "سبب".
- (3)وقد اعترض على قول ابن جرير الطبري ومحاولته الجمع، المحدث أحمد شاكر - رحمه الله - في بحث له في آخر كتاب "المعرب" للجواليقي قال في خاتمته: "والحجة القاطعة في نفي التأويلات التي زعموها في كلمة: "آزر"، وفي إبطال ما سموه قراءات، تخرج باللفظ عن أنه علم لوالد إبراهيم: الحديث الصحيح الصريح في البخاري: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فاليوم لا أعصيك.... إلى آخر الحديث". وفي البخاري (٤/١٣٩ من الطبعة السلطانية) وفتح الباري (٦/٢٧٦ من طبعة بولاق) وشرح العيني (١٥/٢٤٣، ٢٤٤) من الطبعة المنيرية) ، فهذا النص يدل على أنه اسمه العلم، وهو لا يحتمل التأويل ولا التحريف.
- (4)في أ: "أن لا".
- (5)في م، أ: "الدين".
- (6)صحيح البخاري برقم (٣٣٥٠) .
- (7)في أ: "كما قال تعالى".
- (8)زيادة من م، أ.
- (9)أما حديث علي بن أبي طالب، فذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/٣٠٢) . وأما حديث معاذ بن جبل، فرواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٦٧٠٠) مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ شهر بن حوشب، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
- (10)زيادة من م.
- (11)زيادة من أ.
- (12)في أ: "يده".
- (13)المسند (٥/٢٤٣) وسنن الترمذي برقم (٣٢٣٥) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، سالت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح".
- (14)زيادة من أ.
- (15)في م: "يقودها".
- (16)البيت في تفسير الطبري (١١/٤٨٥) واللسان مادة (دلك) .
- (17)في م: "الشيء"، وفي أ: "البين".
- (18)زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".
- (19)في أ: "الحكمة".
- (20)زيادة من أ.
- (21)صحيح البخاري برقم (١٣٨٥) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٨) .
- (22)صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥) .
- (23)في أ: "عز وجل".
القول في تأويل قوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن خليله إبراهيم عليه السلام: أنه لما تبيّن له الحق وعرَفه، شهد شهادةَ الحقّ، وأظهر خلاف قومِه أهلِ الباطل وأهلِ الشرك بالله، ولم يأخذه في الله لومة لائم، ولم يستوحش من قِيل الحقِّ والثبات عليه، مع خلاف جميع قومه لقوله، وإنكارهم إياه عليه، وقال لهم:"يا قوم إنّي بريء مما تشركون" مع الله الذي خلقني وخلقكم في عبادته من آلهتكم وأصنامكم، (1) إني وجهت وجهي في عبادتي إلى الذي خلق السماوات والأرض، الدائم الذي يبقى ولا يفنى، ويُحْيي ويميت = لا إلى الذي يفنى ولا يبقى، ويزول ولا يدوم، ولا يضر ولا ينفع.
ثم أخبرهم تعالى ذكره: أن توجيهه وجهه لعبادته، بإخلاص العبادة له، والاستقامة في ذلك لربه على ما يحبُّ من التوحيد، لا على الوجه الذي يوجَّه له وَجْهه من ليس بحنيف، ولكنه به مشرك، (2) إذ كان توجيه الوجه على غير التحنُّف غير نافع موجِّهه، (3) بل ضارّه ومهلكه ="وما أنا من المشركين"، ولست منكم، أي: لست ممن يدين دينكم، ويتّبع ملّتكم أيُّها المشركون.
وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول:
١٣٤٦٥م - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول قوم إبراهيم لإبراهيم: تركت عبادة هذه؟ فقال:"إني وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض"، فقالوا: ما جئت بشيء! ونحن نعبده ونتوجّهه! فقال: لا حنيفًا!! قال: مخلصًا، لا أشركه كما تُشْركون.
حواشي المحقّق (3)
- (1)انظر تفسير"فطر" فيما سلف ص: ٢٨٣، ٢٨٤.
- (2)انظر تفسير"الحنيف" فيما سلف ٣: ١٠٤ - ١٠٨، ٦ ٤٩٤، ٩: ٢٥٠.
- (3)في المطبوعة: "إذا كان توجيه الوجه لا على التحنيف"، وفي المخطوطة: ". . . توجيه الوجه على التحنف"، والصواب ما أثبت.
نصوص التفسير من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. تفسير سورة الأنعَام من أولها · تفسير باقي السور