ابن كثير · الطبري

تفسير سورة الأنعَام — الآية 152

نصّ الآية ثم تفسير ابن كثير وتفسير الطبري بتمامهما، كلّ نصّ باسم كتابه.

سورة مكيةالجزء 7
المصادر:تفسير ابن كثير (ت 774هـ)تفسير الطبري (ت 310هـ)عن النصوص وطريقة نقلها

تفسير ابن كثير — تفسير القرآن العظيم، الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ). طبعة دار طيبة بتحقيق سامي بن محمد السلامة، في نسختها الرقمية بمكتبة QUL.

تفسير الطبري — جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ). النسخة الرقمية المحققة بمكتبة QUL، بتعليقات المحقق.

ننقل نصّ الإمامَين بتمامه كما طُبع، بما فيه من الآثار بأسانيدها وتعليقات محقّق الطبعة بين معقوفتين، ولا نتصرّف فيه؛ والحكم على ما فيه من الروايات للمفسّر ومحقّقه، وهو مبيَّن في موضعه.

152

وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۖ وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

قَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ:١٠]، فَانْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يُفْضِلُ الشَّيْءَ فَيُحْبَسُ لَهُ حتى يأكله وَيَفْسُدُ. فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] (1): ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٢٠]، قَالَ: فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِمْ، وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: يَعْنِي: حَتَّى يَحْتَلِمَ.

وَقَالَ السُّدِّي: حَتَّى يَبْلُغَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً. قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ بَعِيدٌ هَاهُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ يَأْمُرُ تَعَالَى بِإِقَامَةِ الْعَدْلِ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ، كَمَا تَوَعَّدَ عَلَى تَرْكِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْمُطَفِّفِينَ:١ -٦]. وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ كَانُوا يَبْخَسُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ.

وَفِي كِتَابِ الْجَامِعِ لِأَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ، مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ أَبِي عَلِيٍّ الرّحَبي، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ: "إِنَّكُمْ وُلّيتم أَمْرًا هَلَكَتْ فِيهِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ قَبْلَكُمْ". ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الحُسين، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا (2).

قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُوَيه فِي تَفْسِيرِهِ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيك، عَنِ الْأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْد، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكُمْ مَعْشَر الْمَوَالِي قَدْ بَشَّرَكم اللَّهُ بِخَصْلَتَيْنِ بِهَا هَلَكَتِ الْقُرُونُ الْمُتَقَدِّمَةُ: الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ" (3).

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا نُكَلِّفُ (4) نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ أَيْ: مَنِ اجْتَهَدَ فِي أَدَاءِ الْحَقِّ وَأَخْذِهِ، فَإِنْ أَخْطَأَ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ وَبَذْلِ جُهْدِهِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدُوَيه مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّة، عَنْ مُبَشر (5) بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مهْران، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسَيَّب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ فَقَالَ: "مِنْ أَوْفَى عَلَى يَدِهِ فِي الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ صِحَّةَ نِيَّتِهِ بِالْوَفَاءِ فِيهِمَا، لَمْ يُؤَاخَذْ". وَذَلِكَ تَأْوِيلُ ﴿وُسْعَهَا﴾ هَذَا مرسل غريب (6).

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ] ﴾ (7) [الْمَائِدَةِ:٨]، وَكَذَا الَّتِي تُشْبِهُهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [الْآيَةِ:١٣٥]، يَأْمُرُ تَعَالَى بِالْعَدْلِ فِي الْفِعَالِ وَالْمَقَالِ، عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ لِكُلِّ أَحَدٍ، فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ حَالٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ وَبِوَصِيَّة اللَّهِ الَّتِي أَوْصَاكُمْ بِهَا فَأَوْفُوا. وَإِيفَاءُ ذَلِكَ: أَنْ تُطِيعُوهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ، وَتَعْمَلُوا بِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْوَفَاءُ بِعَهْدِ اللَّهِ.

﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: هَذَا وَصَّاكُمْ بِهِ، وَأَمَرَكُمْ بِهِ، وَأَكَّدَ عَلَيْكُمْ فِيهِ ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ: تَتَّعِظُونَ وَتَنْتَهُونَ عَمَّا (8) كُنْتُمْ فِيهِ قَبْلَ هَذَا، وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ بِتَشْدِيدِ "الذَّالِ"، وَآخَرُونَ بِتَخْفِيفِهَا.

حواشي المحقّق (8)
  1. (1)زيادة من أ.
  2. (2)سنن الترمذي برقم (١٢١٧) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٥٢٨٨) وابن عدي في الكامل (٢/٣٥٢) من طريق الحسين بن قيس أبي علي الرحبي به.
  3. (3)ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/٣٨٥) .
  4. (4)في أ: "لا يكلف الله".
  5. (5)في أ: "ميسر".
  6. (6)ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/٣٨٤) ولم يعزه لأحد غيره، وفي إسناده مبشر بن عبيد الحمصي. قال أحمد: كان يضع الحديث، وقال البخاري: روى عنه بقية، منكر الحديث.
  7. (7)زيادة من م، أ.
  8. (8)في م: "وتنتبهون مما".

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾، ولا تقربوا ماله إلا بما فيه صلاحه وتثميره، كما:-

١٤١٤٧- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾، قال: التجارة فيه.

١٤١٤٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾، فليثمر مالَه.

١٤١٤٩- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا فضيل بن مرزوق العنزي، عن سليط بن بلال، عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾، قال: يبتغي له فيه، ولا يأخذ من ربحه شيئًا. (1)

١٤١٥٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾، قال:"التي هي أحسن"، أن يأكل بالمعروف إن افتقر، وإن استغنى فلا يأكل. قال الله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، [سورة النساء: ٦]. قال: وسئل عن الكسوة، فقال: لم يذكر الله الكسوة، إنما ذكر الأكل.

وأما قوله: ﴿حتى يبلغ أشده﴾، فإن"الأشُدّ" جمع"شَدٍّ"، كما"الأضُرّ" جمع"ضر"، وكما"الأشُرّ" جمع"شر"، (2) و"الشد" القوة، وهو استحكام قوة شبابه وسنه، كما"شَدُّ النهار" ارتفاعه وامتداده. يقال:"أتيته شدَّ النهار ومدَّ النهار"، وذلك حين امتداده وارتفاعه؛ وكان المفضل فيما بلغني ينشد بيت عنترة:

عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهَارِ كَأَنَّمَا... خُضِبَ اللَّبَانُ وَرَأْسُهُ بِالْعِظْلِمِ [[من معلقته المشهورة، وهذا البيت من أبيات وصف فيها بطلا مثله، يقول قبله: لَمَّا رَآنِي قَدْ قَصَدْتُ أُرِيدُهُ... أَبْدَى نَوَاجِذَهُ لِغَيْرِ تَبَسُّمِ

فَطَعَنْتُهُ بِالرُّمْحِ ثُمَّ عَلَوْتُهُ... بِمُهَنَّدٍ صَافِي الحَدِيدَةِ مِخْذَمِ

و ((اللبان)) الصدر. و ((العظلم))، صبغ أحمر. يصفه قتيلا سال دمه، فخصب رأسه وأطرافه، لا حراك به.]]

ومنه قول الآخر: (3)

تُطِيفُ بِهِ شَدَّ النَّهَارِ ظَعِينَةٌ... طَوِيلَةُ أَنْقَاءِ اليَدَيْنِ سَحُوقُ (4)

وكان بعض البصريين يزعم أن"الأشد" مثل"الآنُك". (5)

فأما أهل التأويل، فإنهم مختلفون في الحين الذي إذا بلغه الإنسان قيل:"بلغ أشدّه".

فقال بعضهم: يقال ذلك له إذا بلغ الحُلُم.

ذكر من قال ذلك:

١٤١٥١- حدثني أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا عمي قال، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عمرو بن الحارث، عن ربيعة في قوله: ﴿حتى يبلغ أشده﴾، قال: الحلم.

١٤١٥٢- حدثني أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا عمي قال، حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، مثله = قال ابن وهب: وقال لي مالك مثله. (6)

١٤١٥٣- حدثت عن الحماني قال، حدثنا هشيم، عن مجاهد، عن عامر: ﴿حتى يبلغ أشده﴾، قال:"الأشد"، الحلم، حيث تكتب له الحسنات، وتكتب عليه السيئات.

وقال آخرون: إنما يقال ذلك له، إذا بلغ ثلاثين سنة.

ذكر من قال ذلك:

١٤١٥٤- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿حتى يبلغ أشده﴾، قال: أما"أشده"، فثلاثون سنة، ثم جاء بعدها: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. [سورة النساء: ٦].

وفي الكلام محذوف، ترك ذكره اكتفاءً بدلالة ما ظهر عما حذف. وذلك أن معنى الكلام:"ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده"، فإذا بلغ أشده فآنستم منه رشدًا، فادفعوا إليه ماله = لأنه جل ثناؤه لم ينه أن يُقرب مال اليتيم في حال يُتمه إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، ليحِلَّ لوليّه بعد بلوغه أشده أن يقربه بالتي هي أسوأ، (7) ولكنه نهاهم أن يقرَبوه حياطةً منه له، وحفظًا عليه، (8) ليسلموه إليه إذا بلغ أشده.

القول في تأويل قوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:"قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا" = وأن أوفوا الكيل والميزان. يقول: لا تبخسوا الناس الكيلَ إذا كلتموهم، والوزنَ إذا وزنتموهم، ولكن أوفوهم حقوقهم. وإيفاؤهم ذلك، إعطاؤهم حقوقهم تامة (9) ="بالقسط"، يعني بالعدل، كما:-

١٤١٥٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بالقسط﴾، بالعدل.

وقد بينا معنى:"القسط" بشواهده فيما مضى، وكرهنا إعادته. (10)

وأما قوله: ﴿لا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾، فإنه يقول: لا نكلف نفسًا، من إيفاء الكيل والوزن، إلا ما يسعها فيحلّ لها ولا تحرَجُ فيه. [[انظر تفسير ((التكليف)) فيما سلف ٥: ٤٥ / ٦: ١٢٩، ١٣٠ / ٨: ٥٧٩.

= وتفسير ((الوسع)) فيما سلف ٥: ٤٥ /٦: ١٢٩، ١٣٠.]] وذلك أن الله جل ثناؤه، علم من عباده أن كثيرًا منهم تَضيق نفسه عن أن تطيب لغيره بما لا يجبُ عليها له، فأمر المعطي بإيفاء رب الحق حقَّه الذي هو له، ولم يكلِّفه الزيادة، لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها. وأمر الذي له الحق، بأخذ حقه، ولم يكلفه الرضا بأقل منه، لما في النقصان عنه من ضيق نفسه. فلم يكلف نفسًا منهما إلا ما لا حرج فيه ولا ضيق، فلذلك قال: ﴿لا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾.

وقد استقصينا بيان ذلك بشواهده في موضع غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته. (11)

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وإذا قلتم فاعدلوا﴾، وإذا حكمتم بين الناس فتكلمتم فقولوا الحق بينهم، واعدلوا وأنصفوا ولا تجوروا، (12) ولو كان الذي يتوجه الحق عليه والحكم، ذا قرابة لكم، ولا تحملنكم قرابة قريب أو صداقة صديق حكمتم بينه وبين غيره، أن تقولوا غير الحق فيما احتكم إليكم فيه = ﴿وبعهد الله أوفوا﴾، يقول: وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا. وإيفاء ذلك: أن يطيعوه فيما أمرهم به ونهاهم، وأن يعملوا بكتابه وسنة رسوله ﷺ، وذلك هو الوفاء بعهد الله. [[انظر تفسير ((العهد)) فيما سلف من فهارس اللغة (عهد).

= وتفسير ((الإيفاء)) فيما سلف ص: ٢٢٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

وأما قوله: ﴿ذلكم وصاكم به﴾، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل للعادلين بالله الأوثان والأصنام من قومك: هذه الأمور التي ذكرت لكم في هاتين الآيتين، هي الأشياء التي عهد إلينا ربنا، ووصاكم بها ربكم، وأمركم بالعمل بها = لا بالبحائر، والسوائب، والوصائل، والحام، وقتل الأولاد، ووأد البنات، واتباع خطوات الشيطان (13) = ﴿لعلكم تذكرون﴾، يقول: أمركم بهذه الأمور التي أمركم بها في هاتين الآيتين، ووصاكم بها وعهد إليكم فيها، لتتذكروا عواقبَ أمركم، وخطأ ما أنتم عليه مقيمون، فتنزجروا عنها، وترتدعوا وتُنيبوا إلى طاعة ربكم.

وكان ابن عباس يقول: هذه الآيات، هنَّ الآيات المحكمات.

١٤١٥٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن قيس، عن ابن عباس قال: هن الآيات المحكمات، قوله: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا﴾. [[الأثر: ١٤١٥٦ - ((على بن صالح بن صالح بن حي الهمداني)) ثقة، مضى برقم: ١٧٨، ١١٩٧٥.

وفي المخطوطة والمطبوعة: ((علي بن أبي صالح))، وهو خطأ لا شك فيه، والزيادة سهو من الناسخ، وإنما هو ((علي بن صالح))، فهو الذي يروي عن إسحاق السبيعي، ويروي عنه وكيع، وكما في المستدرك، كما سيأتي في التخريج.

و ((أبو إسحاق)) هو السبيعي.

و ((عبد الله بن قيس))، راوى هذا الخبر، خص براوية هذا الخبر عن ابن عباس، ورواية أبي إسحاق السبيعي عنه. مترجم في التهذيب (٥: ٣٦٥)، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ١٣٨.

وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٨٨، وقال: ((صحيح))، ووافقه الذهبي. وقد أشرت إلى ذلك في تخريج الخبر رقم: ٦٥٧٣، فراجعه.

ورواه الحاكم أيضًا في المستدرك ٢: ٣١٧، بإسناد آخر من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن ابن عباس، وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي.

و ((عبد الله بن خليفة الهمداني))، مضى برقم: ٥٧٩٦.]]

١٤١٥٧- حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا أبي قال، سمعت يحيى بن أيوب يحدّث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن عبيد الله بن عديّ بن الخيار قال، سمع كعب الأحبار رجلا يقرأ: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾، فقال: والذي نفس كعب بيده، إنّ هذا لأوَّل شيء في التوراة: "بسم الله الرحمن الرحيم"، قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم". [[الأثر: ١٤١٥٧ - ((وهب بن جرير بن حازم الأزدي))، الحافظ الثقة.

وأبو ((جرير بن حازم الأزدي))، ثقة، روى له الجماعة.

و ((يحيى بن أيوب الغافقي))، ثقة، مضى برقم: ٣٨٧٧، ٤٣٣٠.

و ((يزيد بن أبي حبيب المصري))، مضى مرارًا، آخرها: ١١٨٧١.

و ((مرثد بن عبد الله اليزني))، الفقيه المصري، مضى برقم: ٢٨٣٩، ٢٨٤٠، ١٠٨٩٠.

و ((عبيد الله بن عدي بن الخيار النوفلي القرشي)) ثقة، قليل الحديث، من فقهاء قريش وعلمائهم، أدرك أصحاب رسول الله ﷺ متوافرين. مترجم في التهذيب.

وهذا خبر إسناده صحيح إلى كعب الأحبار.]]

١٤١٥٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبيه، عن سعيد بن مسروق، عن رجل، عن الربيع بن خثيم أنه قال لرجل: هل لك في صحيفة عليها خاتم محمد؟ ثم قرأ هؤلاء الآيات: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا﴾.

١٤١٥٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق الرازي، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة قال: قال الربيع: ألا أقرأ عليكم صحيفة من رسول الله ﷺ؟ = لم يقل:"خاتمها" = فقرأ هذه الآيات: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾.

١٤١٦٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: جاء إليه نفر فقالوا: قد جالست أصحابَ محمد، فحدثنا عن الوَحي. فقرأ عليهم هذه الآيات من"الأنعام": ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا﴾، قالوا: ليس عن هذا نسألك! قال: فما عندنا وحيٌ غيره.

١٤١٦١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: هؤلاء الآيات التي أوصى بها من محكم القرآن.

١٤١٦٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وإذا قلتم فاعدلوا﴾، قال: قولوا الحق.

حواشي المحقّق (13)
  1. (1)الأثر: ١٤١٤٩ - ((فضيل بن مرزوق العنزي)) ، الرقاشي، الأغر. مضى برقم: ٥٤٣٧. و ((سليط بن بلال)) ، لا أدري من هو، ولم أجد له ترجمة.
  2. (2)هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة: ((الأضر)) و ((الأشر)) ، ولم أجد لشيء من ذلك أصلا في كتب العربية، وهذان اللفظان محرفان فيما أرجح، ولكني تركتهما على حالهما، حتى أقف على الصواب في قراءتهما إن شاء الله. ولكنهم مثلوا له بقولهم ((قد)) و ((أقد)) وهو قريب التحريف في الأولى، ولكن الثانية مبهمة.
  3. (3)لم أعرف قائله.
  4. (4)((الظعينة)) ، يعني زوجته. ((الأنقاء)) جمع ((نقو)) (بكسر فسكون) ، وهو كل عظم فيه مخ، كعظام اليدين والساقين، وامرأة ((سحوق)) : طويلة كأنها نخلة مستوية قد انجرد عنها كربها.
  5. (5)((آنك)) (بالمد وضم النون) هو. الرصاص القلعي، وهو القزدير. ويعني أنه مفرد لا جمع.
  6. (6)الأثران: ١٤١٥١، ١٤١٥٢ - ((أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري)) ، مضى برقم: ٢٧٤٧، ٦٦١٣، ١٠٣٣٠، وهو ابن أخي ((عبد الله بن وهب)) و ((عمه)) ، هو: ((عبد الله بن وهب)) .
  7. (7)في المطبوعة: ((ويحل)) بالواو، والذي في المخطوطة حق السياق.
  8. (8)في المطبوعة: ((أن يقربوا)) ، والصواب ما في المخطوطة.
  9. (9)انظر تفسير ((الإيفاء)) فيما سلف ٩: ٤٢٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.
  10. (10)انظر تفسير ((القسط)) فيما سلف ١٠: ٣٣٤، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
  11. (11)انظر ما سلف ٥: ٤٥، ٤٦ / ٦: ١٢٩، ١٣٠.
  12. (12)انظر تفسير ((العدل)) فيما سلف من فهارس اللغة (عدل) .
  13. (13)انظر تفسير ((وصى)) فيما ص: ٢٢١، تعليق: ١، والمراجع هناك.

نصوص التفسير من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. تفسير سورة الأنعَام من أولها · تفسير باقي السور