ابن كثير · الطبري

تفسير سورة الأنعَام — الآيات 126–127

نصّ الآيات ثم تفسير ابن كثير وتفسير الطبري بتمامهما، كلّ نصّ باسم كتابه.

سورة مكيةالجزء 72 آيات
المصادر:تفسير ابن كثير (ت 774هـ)تفسير الطبري (ت 310هـ)عن النصوص وطريقة نقلها

تفسير ابن كثير — تفسير القرآن العظيم، الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ). طبعة دار طيبة بتحقيق سامي بن محمد السلامة، في نسختها الرقمية بمكتبة QUL.

تفسير الطبري — جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ). النسخة الرقمية المحققة بمكتبة QUL، بتعليقات المحقق.

ننقل نصّ الإمامَين بتمامه كما طُبع، بما فيه من الآثار بأسانيدها وتعليقات محقّق الطبعة بين معقوفتين، ولا نتصرّف فيه؛ والحكم على ما فيه من الروايات للمفسّر ومحقّقه، وهو مبيَّن في موضعه.

126

وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًۭا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ

القول في تأويل قوله: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهذا الذي بيّنا لك، يا محمد، في هذه السورة وغيرها من سور القرآن= هو صراطُ ربك، يقول: طريق ربّك، ودينه الذي ارتضاه لنفسه دينًا، وجعله مستقيمًا لا اعوجاج فيه. (1) فاثبُتْ عليه، وحرِّم ما حرمته عليك، وأحلل ما أحللته لك، فقد بيّنا الآيات والحجج على حقيقة ذلك وصحته (2) ="لقوم يذكرون"، يقول: لمن يتذكر ما احتجَّ الله به عليه من الآيات والعبر فيعتبر بها. (3) وخص بها"الذين يتذكرون"، لأنهم هم أهل التمييز والفهم، وأولو الحجى والفضل= وقيل:"يذَّكرون"...................... (4)

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٨٨٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وهذا صراط ربك مستقيمًا﴾، يعني به الإسلام.

حواشي المحقّق (4)
  1. (1)انظر تفسير: ((الصراط المستقيم)) فيما سلف ١٠: ١٤٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
  2. (2)انظر تفسير ((فصل)) فيما سلف ص: ٦٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك. = وتفسير ((آية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .
  3. (3)انظر تفسير ((التذكر)) فيما سلف من فهارس اللغة (ذكر.
  4. (4)في المطبوعة ((فقيل يذكرون)) ، وفي المخطوطة: ((وقيل يذكرون)) كأنه أراد أن يكتب شيئًا، ثم قطعه. ولعله أراد أن يبين إدغام التاء في الذال من ((يتذكرون)) ، ثم سقط منه أو من الناسخ، فوضعت نقطًا لذلك، وإن كان إسقاطها لا يضر شيئًا.
127

۞ لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى طَرِيقَةَ (1) الضَّالِّينَ عَنْ سَبِيلِهِ، الصَّادِّينَ عَنْهَا، نَبَّهَ عَلَى أَشْرَفِ مَا أرْسل بِهِ رَسُولَهُ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ (2) فَقَالَ: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: هَذَا الدِّينُ الَّذِي شَرَعْنَاهُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَهُوَ صِرَاطُ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (3) فِي نَعْتِ الْقُرْآنِ: "هُوَ صِرَاطُ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمُ، وَحَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ بِطُولِهِ (4).

﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ﴾ أَيْ: [قَدْ] (5) وَضَّحْنَاهَا وَبَيَّنَّاهَا وَفَسَّرْنَاهَا، ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أَيْ: لِمَنْ لَهُ فَهْمٌ وَوَعْيٌ يَعْقِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ﴾ وَهِيَ: الْجَنَّةُ، ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَإِنَّمَا وَصَفَ اللَّهُ الْجَنَّةَ هاهنا بدار السَّلَامِ لِسَلَامَتِهِمْ فِيمَا سَلَكُوهُ مِنَ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، الْمُقْتَفِي أَثَرَ الْأَنْبِيَاءِ وَطَرَائِقَهُمْ، فَكَمَا سَلِمُوا مِنْ آفَاتِ الِاعْوِجَاجِ أفْضَوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ.

﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ أَيْ: وَالسَّلَامُ -وَهُوَ اللَّهُ -وَلِيُّهُمْ، أَيْ: حَافِظُهُمْ وَنَاصِرُهُمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ، ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: جَزَاءً [عَلَى] (6) أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ تَوَلَّاهُمْ وَأَثَابَهُمُ الْجَنَّةَ، بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.

حواشي المحقّق (6)
  1. (1)في أ: "طريق".
  2. (2)في أ: "الهدى".
  3. (3)زيادة من أ.
  4. (4)سنن الترمذي برقم (٢٩٠٨) وقد تقدم إسناده في فضائل القرآن. وقال الترمذي: "هذا حديث صَحِيحٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ، وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ مَقَالٌ".
  5. (5)زيادة من م، أ.
  6. (6)زيادة من م، أ.

القول في تأويل قوله: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"لهم"، للقوم الذين يذكرون آيات الله فيعتبرون بها، ويوقنون بدلالتها على ما دلت عليه من توحيد الله ومن نبوّة نبيه محمد ﷺ وغير ذلك، فيصدِّقون بما وصلوا بها إلى علمه من ذاك.

وأما"دار السلام"، فهي دار الله التي أعدَّها لأولياته في الآخرة، جزاءً لهم على ما أبلوا في الدنيا في ذات الله، وهي جنته. و"السلام"، اسم من أسماء الله تعالى، (1) كما قال السدي:-

١٣٨٨٤- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿لهم دار السلام عند ربهم﴾، الله هو السلام، والدار الجنة.

وأما قوله: ﴿وهو وليُّهم﴾، فإنه يقول: والله ناصر هؤلاء القوم الذين يذكرون آيات الله (2) = ﴿بما كانوا يعملون﴾، يعني: جزاءً بما كانوا يعملون من طاعة الله، ويتبعون رضوانه.

حواشي المحقّق (2)
  1. (1)انظر تفسير ((السلام)) فيما سلف ١٠: ١٤٥ / ١١: ٣٩٢.
  2. (2)انظر تفسير ((ولي)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولي) .

نصوص التفسير من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. تفسير سورة الأنعَام من أولها · تفسير باقي السور