تفسير سورة الأعرَاف — الآيات 88–89
نصّ الآيات ثم تفسير ابن كثير وتفسير الطبري بتمامهما، كلّ نصّ باسم كتابه.
المصادر:تفسير ابن كثير (ت 774هـ)تفسير الطبري (ت 310هـ)عن النصوص وطريقة نقلها
تفسير ابن كثير — تفسير القرآن العظيم، الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ). طبعة دار طيبة بتحقيق سامي بن محمد السلامة، في نسختها الرقمية بمكتبة QUL.
تفسير الطبري — جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ). النسخة الرقمية المحققة بمكتبة QUL، بتعليقات المحقق.
ننقل نصّ الإمامَين بتمامه كما طُبع، بما فيه من الآثار بأسانيدها وتعليقات محقّق الطبعة بين معقوفتين، ولا نتصرّف فيه؛ والحكم على ما فيه من الروايات للمفسّر ومحقّقه، وهو مبيَّن في موضعه.
۞ قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَٰرِهِينَ
القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿قال الملأ الذين استكبروا﴾، يعني بالملأ الجماعة من الرجال (1) = ويعني بالذين استكبروا، الذين تكبروا عن الإيمان بالله، والانتهاء إلى أمره، واتباع رسوله شعيب، لما حذرهم شعيبٌ بأسَ الله، على خلافهم أمرَ ربهم، وكفرهم به (2) = ﴿لنخرجنك يا شعيب﴾، ومن تبعك وصدقك وآمن بك، وبما جئت به معك= ﴿من قريتنا أو لتعودن في ملتنا﴾، يقول: لترجعن أنت وهم في ديننا وما نحن عليه (3) =قال شعيب مجيبًا لهم: ﴿أولو كنا كارهين﴾.
ومعنى الكلام: أن شعيبًا قال لقومه: أتخرجوننا من قريتكم، وتصدّوننا عن سبيل الله، ولو كنا كارهين لذلك؟ = ثم أدخلت"ألف" الاستفهام على"واو" "ولو".
حواشي المحقّق (3)
- (1)انظر تفسير"الملأ" فيما سلف ص: ٥٤٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
- (2)انظر تفسير"استكبر" فيما سلف ص: ٥٤٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
- (3)انظر تفسير"الملة" فيما سلف ص: ٢٨٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَٰتِحِينَ
هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ [تَعَالَى] (1) عَمَّا وَاجَهَتْ بِهِ الْكُفَّارُ نَبِيَّ اللَّهِ شُعَيْبًا وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فِي (2) تَوَعُّدِهِمْ إِيَّاهُ وَمِنْ مَعَهُ بِالنَّفْيِ مِنَ الْقَرْيَةِ، أَوِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الرُّجُوعِ فِي مِلَّتهم وَالدُّخُولِ مَعَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ. وَهَذَا خِطَابٌ مَعَ الرَّسُولِ وَالْمُرَادُ أَتْبَاعُهُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ عَلَى الْمِلَّةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ يَقُولُ: أَوَ أَنْتُمْ فَاعِلُونَ ذَلِكَ وَلَوْ كُنَّا (3) كَارِهِينَ مَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ؟ فَإِنَّا إِنْ رَجَعْنَا إِلَى مِلَّتِكُمْ وَدَخَلْنَا مَعَكُمْ فِيمَا أَنْتُمْ فِيهِ، فَقَدْ أَعْظَمْنَا الفِرْية عَلَى اللَّهِ فِي جَعْلِ الشُّرَكَاءِ مَعَهُ أَنْدَادًا. وَهَذَا تَعْبِيرٌ مِنْهُ عَنِ أَتْبَاعِهِ. ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ وَهَذَا رَدٌّ إِلَى الْمَشِيئَةِ، فَإِنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وَقَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ أَيْ: فِي أُمُورِنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ ﴿رَبَّنَا افْتَحْ (4) بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ أَيِ: افْصِلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ أَيْ: خَيْرُ الْحَاكِمِينَ، فَإِنَّكَ الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ أَبَدًا.
حواشي المحقّق (4)
- (1)زيادة من ك، م.
- (2)في ك، م، أ: "من".
- (3)في ك، م، أ: "وإن كنا".
- (4)في ك، م: "احكم".
القول في تأويل قوله: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: قال شعيب لقومه إذ دعوه إلى العود إلى ملتهم، والدخول فيها، وتوعَّدوه بطرده ومَنْ تبعه من قريتهم إن لم يفعل ذلك هو وهم: ﴿قد افترينا على الله كذبًا﴾، يقول: قد اختلقنا على الله كذبًا، (1) وتخرّصنا عليه من القول باطلا= إن نحن عدنا في ملتكم، فرجعنا فيها بعد إذ أنقذنا الله منها، بأن بصَّرنا خطأها وصوابَ الهدى الذي نحن عليه= وما يكون لنا أن نرجع فيها فندين بها، ونترك الحق الذي نحن عليه= ﴿إلا أن يشاء الله ربنا﴾ إلا أن يكون سبق لنا في علم الله أنّا نعود فيها، فيمضي فينا حينئذ قضاء الله، فينفذ مشيئته علينا= ﴿وسع ربنا كل شيء علما﴾، يقول: فإن علم ربنا وسع كل شيء فأحاط به، فلا يخفى عليه شيء كان، ولا شيء هو كائن. (2) فإن يكن سبق لنا في علمه أنّا نعود في ملتكم، ولا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن، (3) فلا بد من أن يكون ما قد سبق في علمه، وإلا فإنا غير عائدين في ملّتكم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٨٥٣-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿قد افترينا على الله كذبًا إن عدنا في ملتكم بعد إذن نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾، يقول: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم بعد إذ نجانا الله منها، إلا أن يشاء الله ربنا، فالله لا يشاء الشرك، ولكن يقول: إلا أن يكون الله قد علم شيئًا، فإنه وسع كل شيء علمًا.
وقوله: ﴿على الله توكلنا﴾، يقول: على الله نعتمد في أمورنا وإليه نستند فيما تعِدوننا به من شرِّكم، أيها القوم، فإنه الكافي من توكَّل عليه. (4)
ثم فزع صلوات الله عليه إلى ربه بالدعاء على قومه= إذ أيس من فلاحهم، وانقطع رجاؤه من إذعانهم لله بالطاعة، والإقرار له بالرسالة، وخاف على نفسه وعلى من اتبعه من مؤمني قومه من فَسَقتهم العطبَ والهلكة= (5) بتعجيل النقمة، فقال: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾، يقول: احكم بيننا وبينهم بحكمك الحقّ الذي لا جور فيه ولا حَيْف ولا ظلم، ولكنه عدل وحق= ﴿وأنت خير الفاتحين﴾، يعني: خير الحاكمين. (6)
ذكر الفرَّاء أنّ أهلَ عُمان يسمون القاضي"الفاتح" و"الفتّاح". (7)
وذكر غيره من أهل العلم بكلام العرب: أنه من لغة مراد، (8) وأنشد لبعضهم بيتًا وهو: (9)
أَلا أَبْلِغْ بَني عُصْمٍ رَسُولا... بِأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ (10)
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٨٥٤-حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن مسعر، عن قتادة، عن ابن عباس قال: ما كنت أدري ما قوله: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾، حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول:"تعالَ أفاتحك"، تعني: أقاضيك.
١٤٨٥٥-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾، يقول: اقض بيننا وبين قومنا.
١٤٨٥٦-حدثني المثنى قال، حدثنا ابن دكين قال، حدثنا مسعر قال، سمعت قتادة يقول: قال ابن عباس: ما كنت أدري ما قوله: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾، حتى سمعت ابنةَ ذي يزن تقول:"تعالَ أفاتحك".
١٤٨٥٧-حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾، أي: اقض بيننا وبين قومنا بالحق.
١٤٨٥٨-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة: ﴿افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾،: اقض بيننا وبين قومنا بالحق.
١٤٨٥٩-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، أما قوله: ﴿افتح بيننا﴾، فيقول: احكم بيننا.
١٤٨٦٠-حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال الحسن البصري: افتح احكم بيننا وبين قومنا، و ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، [الفتح: ١] حكمنا لك حكمًا مبينًا.
١٤٨٦١-حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: "افتح"، اقض.
١٤٨٦٢-حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير قال، حدثنا مسعر، عن قتادة، عن ابن عباس قال: لم أكن أدري ما ﴿افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾، حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها:"انطلق أُفاتحك".
حواشي المحقّق (10)
- (1)انظر تفسير"الافتراء" فيما سلف ص: ٤٨١، تعليق: ٦، والمراجع هناك.
- (2)انظر تفسير"وسع" فيما سلف ص: ٢٠٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
- (3)في المطبوعة: "فلا يخفى" بالفاء، ومثلها في المخطوطة غير منقوطة، والصواب بالواو.
- (4)انظر تفسير"التوكل" فيما سلف ٧: ٣٤٦/ ٨: ٥٦٦/ ١٠: ١٠٨، ١٨٤.
- (5)السياق: " ... بالدعاء على قومه ... بتعجيل النقمة".
- (6)انظر تفسير"الفتح" فيما سلف ٢: ٢٥٤/ ١٠: ٤٠٥.
- (7)انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٨٥.
- (8)هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١: ٢٢٠، ٢٢١.
- (9)هو الأسعر الجعفي، أو محمد بن حمران بن أبي حمران.
- (10)سلف البيت وتخريجه ٢: ٢٥٤، ولم أنسبه هناك إلى هذا الموضع من تفسير الطبري، فقيده، ويزاد أنه في مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٢٠، ٢٢١، وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا"فإني عن فتاحتكم"، والصواب ما سلف، وما في المخطوطة هناك.
نصوص التفسير من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. تفسير سورة الأعرَاف من أولها · تفسير باقي السور