تفسير سورة الأعرَاف — الآيات 172–177
نصّ الآيات ثم تفسير ابن كثير وتفسير الطبري بتمامهما، كلّ نصّ باسم كتابه.
المصادر:تفسير ابن كثير (ت 774هـ)تفسير الطبري (ت 310هـ)عن النصوص وطريقة نقلها
تفسير ابن كثير — تفسير القرآن العظيم، الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ). طبعة دار طيبة بتحقيق سامي بن محمد السلامة، في نسختها الرقمية بمكتبة QUL.
تفسير الطبري — جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ). النسخة الرقمية المحققة بمكتبة QUL، بتعليقات المحقق.
ننقل نصّ الإمامَين بتمامه كما طُبع، بما فيه من الآثار بأسانيدها وتعليقات محقّق الطبعة بين معقوفتين، ولا نتصرّف فيه؛ والحكم على ما فيه من الروايات للمفسّر ومحقّقه، وهو مبيَّن في موضعه.
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ ۛ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَٰفِلِينَ
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واذكر يا محمد ربَّك إذ استخرج ولد آدم من أصلاب آبائهم، فقرَّرهم بتوحيده، وأشهد بعضهم على بعض شهادَتَهم بذلك، وإقرارَهم به. (1) كما:-
١٥٣٣٨ - حدثني أحمد بن محمد الطوسي قال: حدثنا الحسين بن محمد قال: حدثنا جرير بن حازم، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنَعْمَان =يعني عرفة= فأخرج من صلبه كل ذرّية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذرِّ، ثم كلمهم قَبَلا (2) فقال: "ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا... " الآية، إلى ﴿ما فعل المبطلون﴾، ". [[الأثر: ١٥٣٣٨ - خبر ابن عباس هذا، من حديث كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، رواه أبو جعفر بخمسة أسانيد: هذا، ورقم: ١٥٣٣٩ - ١٥٣٤١، ثم رقم ١٥٣٥٠. وهذا الأول هو المرفوع وحده، وسائرها موقوف على ابن عباس.
ورواه أبو جعفر بإسناده هذا مرفوعا في التاريخ ١: ٦٧.
ورواه مرفوعا أحمد في مسنده رقم: ٢٤٥٥، من طريق حسين بن محمد، وهو طريق أبي جعفر.
ورواه مرفوعا أيضا، الحاكم في المستدرك ١: ٢٧، من طريق إبراهيم بن مرزوق البصري، عن وهب بن جرير بن حازم، عن جرير بن حازم، بمثله، وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقد احتج مسلم، بكلثوم بن جبر))، ووافقه الذهبي، ثم رواه في المستدرك ٢: ٥٤٤ من طريق الحسين بن محمد المروروذى، عن جرير بن حازم، وصححه، ووافقه الذهبي.
وذكره مرفوعا"، الهيثمى في مجمع الزوائد ٧: ٥ ٢ / ٧: ١٨٨، ١٨٩، وقال: ((رواه احمد، ورجاله رجال الصحيح)).
وأما من رواه موقوفا" فابن جرير بالأسانيد التالية: ١٥٣٣٩ - ١٥٣٤١، ١٥٣٥٠، وابن سعد في الطبقات ١ / ١ / ٨، من طريق ابن علية عن كلثوم، ومن طريق حماد بن زيد، عن كلثوم.
وذكره ابن كثير في تفسيره ٣ / ٥٨٤، ٥٨٥، وفي تاريخه ١: ٩٠، وأطال الكلام في تعليله، وجعل كثرة رواة وقفه علة في رد رواية من رفعه، وقال في ص: ٩ ٨ ٥، انه قد بين انه موقوف لا مرفوع، فقال أخي السيد احمد في شرح المسند: ((وكأن ابن كثير يريد تعليل المرفوع بالموقوف، وما هذه بعلة، والرفع زيادة من ثقة، فهي مقبولة صحيحة)). وقال أيضاً: ((إسناده صحيح)).
ثم انظر تخريج الآثار التالية ورواة الخبر هم: ((احمد بن محمد الطوسى))، هو ((احمد بن محمد بن قيزك بن حبيب الطوسي))، شيخ الطبري، ثقة. مضى برقم: ٣٨٨٣، ٥٤٩٣، ٨٨٧٠. و ((حسين بن محمد بن بهرام التميمى))، ويقال له: ((حسين المعلم)) و ((حسين المؤدب)). روى له الجماعة. مضى برقم: ٢٣٤٠. و ((كلثوم بن جبر بن مؤمل الديلي))، ثقه من صغار التابعين، مضى برقم: ٢٨٦١، ٢٨٦٦، ٦٢٤٠. و ((نعمان))، هو واد لهذيل، من وراء عرفة، على ليلتين من عرفة، وهو ((نعمان الأراك))، يكثر وروده في شعرهم.]]
١٥٣٣٩ - حدثنا عمران بن موسى قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا كلثوم بن جبر قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ قال: سألت عنها ابن عباس، فقال: مسح ربُّك ظهر آدم، فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنَعْمَان هذه =وأشار بيده= فأخذ مواثيقهم، وأشهدهم على أنفسهم ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [[الأثر: ١٥٣٣٩ - ((عمران بن موسى بن حيان الليثي القزاز، الصفار))، شيخ الطبري، ثقة. مضى برقم ٢١٥٤، ٦٥٨٩، ٦٥٩١، ٨٦٨٣. و ((عبد الوراث))، هو: ((عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان))، أحد الأئمة الأعلام. مضى برقم: ٢١٥٤، ٦٥٨٩، ٦٥٩١، ٦٨١٩، وغيرها. رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٦٧، موقوقاً أيضا، وإسناده صحيح. وأشار إليه ابن كثير في تفسيره ٣: ٥٨٥. وكان في المطبوعة هنا: ((بنعمان هذا))، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ، وهو صواب محضن. وانظر التعليق على رقم: ١٥٣٣٨.
تنبيه: قوله تعالى ((ذريتهم))، هي إحدى القراءتين، وهي قراءتنا، وفي القراءة الأخرى: ((ذرياتهم)) بالجمع، ولم يذكر أبو جعفر هذه القراءة، وجاء في المخطوطة: ((ذريتهم)) كثيرا، وفي بعض الأخبار ((ذرياتهم)) بالجمع. ولكن الناشر، وضع في جميع الأخبار ((ذرياتهم)) فغيرت ذلك، وتبعت المخطوطة، فحيث كتب ((ذريتهم)) بالافراد، أتثبتها كذلك. وحيث كتب ((ذرياتهم)) بالجمع، أثبتها كذلك ولم أغيرها.]]
١٥٣٤٠ - حدثنا ابن وكيع ويعقوب قالا حدثنا ابن علية قال: حدثنا كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريَّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾ قال: مسح ربُّك ظهر آدم، فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنَعْمَان هذا الذي وراء عَرَفة، وأخذ ميثاقهم ﴿ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾، اللفظ لحديث يعقوب. (3)
١٥٣٤١ - وحدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية قال ربيعة بن كلثوم، عن أبيه في هذا الحديث: ﴿قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾ (4)
١٥٣٤٢ - حدثنا عمرو قال: حدثنا عمران بن عيينة قال: أخبرنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أول ما أهبط الله آدم، أهبطه بدَهْنَا، أرض بالهند، [[في المطبوعة: ((بد جنى، أرض بالهند)) بالجيم. وأثبت ما في المخطوطة في هذا الموضع، وفي تاريخ الطبري ١: ٦٠، وفي هذا الخبر نفسه: ((بدهناء أرض الهند))، بآخره همزة، كأنه من ((الدهناء))، وهي الفلاة كلها ومل. وليس صوابا كما سترى. وهذا الحرف سيأتي في الخبر رقم: ١٥٣٤٧ في المطبوعة: ((بدجني)) أيضا، بالجيم، وهو تغيير من الناشر. أما المخطوطة، ففيها ((بدحنا)). وقد روى ابن سعد هذا الخبر في الطبقات ١ /١ / ٥، وفيه: ((خلق آدم من أرض يقال لها دحناء)) بالحاء، وبالهمز، ثم مثله في ١ /١ -٨ وفيه: ((خلق اله آدم بدحناء)). وقد وقع خلط شديد في اسم هذا الموضع ومكانه، يحسن تفصيله في هذا الموضع.
١- جاء في سيرة ابن هشام، عن ابن إسحق: ((ثم خرج رسول الله ﷺ حين انصرف عن الطائف على دحنا، حتي نزل الجعرانة، فيمن كان معه من الناس، ومعه من هوازن سبى كثير)). ومثله في تاريخ الطبري ٣: ١٣٤، عن ابن إسحق.
فهذا موضع لا شك أنه في جزيرة العرب، ذكره البكري في معجم ما استعجم: ٥٤٥، ٥٤٦، ولم يخلطه بغيره، وضبطه بفتح الدال، وسكون الحاء المهملة، وفتح النون، علي وزن ((فعلى)).
وأما ياقوت في معجمه، فضبطها مثله ثم قال: ((ويروى فيها القصر والمد)).
وقال البكري في تحديدها: ((موضع بسيف البحر))، ثم عاد فذكر خبر ابن أسحق في سيرته. ثم قال: ((هكذا وقع في كتاب السير، بالنون، وكذلك ذكره الطبري وليس هناك سيف. وأنا أراه أراد: ((سلك علي دحي))، المتقدم ذكره ولولا أنه غير محدد عندنا، لارتفع الارتباب (بفتح الدال وسكون الحاء بعدها ياء) هكذا ذكره البكري في معجمه: ٣٤٧ وقال: ((موضع، ذكره أبو بكر))، ولم يبين. وأما ياقوت فقال في ((دحنا)): ((هي من مخاليف الطائف))، ولم يذكر ترجمة (دحى) التي ذكرها البكرى.
وظني أن البكرى نقل قوله: ((موضع بسيف البحر))، من بعض شراح الشعر، فأنه أنشد شعر ربيعة بن جحدر الهذلى اللحيانى: َلَوْ رَجُلا خَادَعْتُه لَخَدَعْتُه... ولكنَّما حوتًا بدحنا أقامس
أقول له، كيما أخالف روغه:... وراءك ملْ أروى شياه كوانس
فكأن شارح الشعر جعله موضعاً لسيف البحر، لقوله: ((حوتا بد حنا أقامس))، وليس ذلك لزاماً، إلا أن تكون ((دحنا)) موضع آخر غير المذكور في السيرة.
وأنشد أيضا عن الأصمعى: وصاحب لى بدحنى، أيما رجل... أنى قتلت وأنت الفارس البطل!
ومهما يكن من شيء، فهو موضع ببلاد العرب لاشك فيه، وهو بمعزل عن ((دحنا)) الأخرى كما سترى بعد.
٢- وأما ((دحنا)) الأخرى، المذكورة في هذا الخبر، فهي موصوفة فيه أنها ((بأرض الهند)) وذكرها البكرى في مادة (واشم): ١٣٦٤، قال: ((قال ابن إسحق: يذكر أهل العلم أن مهبط آدم وحواء، علي جبل يقال له وأشم، من أرض الهند، وهو اليوم وسط بين قراها، بين الدهنج والمندل))، وذكره الطبري في تاريخه ١: ٦٠، وفيه: ((وأما أهل التوراة فانهم قالوا: أهبط آدم بالهند، على جبل يقال له: واسم، عند واد يقال له: بهيل، بين الدهنج والمندل، بلدين بأرض الهند)). وهو نص ابن إسحق كما رواه بإسناده فالأخبار التي ورد فيها ذكر هبوط آدم، أو خلقه، وفيها ((دحنا))، ولم يبين موضعها، تبينها هذه الأخبار التي ذكرت ذلك، وبينت أنه بأرض الهند. و ((دحنا)) بالحاء المهلة، هي ((دهنج)) في الأخبار التي ذكرتها قبل، معربة. وهكذا جاءت في المراجع ((دحنا)) بالحاء المهملة، ولكن رواة كتب اللغة رووا لنا في خبر ابن عباس: ((إن الله مسح ظهر آدم بدجناء، وهو اسم موضع، ويروى بالحاء المهملة))، هكذا ذكر صاحب لسان العرب في (دجن) ثم في " دحن "، وقال: ((وهو بين الطائف ومكة)) فهذا أول الخلط وإنما هو موضع بالهند في هذا الخبر أما الذي "بين الطائف ومكة"، فهو ((دحنا)) العربية التي ذكرناها أولا.
وقال صاحب القاموس: ((ودجني، بالضم أو بالكسر، وقد يمد، أرض خلق منها آدم عليه السلام، أو هي بالحاء المهملة)) ثم ذكرها في (دحن) وقال: ((ودحنى في د ج ن))، يعنى أنه هو هو، وبضم الدال.
وعلق الزبيدى في تاج العروس وقال: ((وقد جاء ذكرها في سيرة ابن إسحاق، في انصراف رسول الله ﷺ من الطائف على دجناء. وجاء في حديث ابن عباس: إن الله خلق آدم من دجناء، فمسح ظهره بنعمان الأراك. وكان مسح ظهره بعد خروجه من الجنة، بالأتفاق من الروايات))، كل ذلك ذكره بالجيم. فخلط أيضا بين الموضعين، الموضع الذي في السيرة، وموضع خلق آدم أو مهبطة. وإنما خلط اتباعاً للسهيلي في الروض الأنف ٢: ٣٠٥. وسبب هذا الخلط بلا ريب، هو ذكر ((نعمان الأراك)) في خبر خلق آدم، و ((نعمان الأراك)) بأرض العرب، فقال من لم يجمع أخبار الخلق أن ((دحنا)) بأرض العرب، ولم ينظر فيما جاء في رواية الخبر الأخرى أنها بأرض الهند.
هذا، وظني أن ((دحنا))، و ((دجنا)) بالقصر والمد، هو تعريب في ((دهنج)) التي مضى ذكرها، وهي الأرض التي بالهند، أما التي ببلاد العرب، فهي ((دحنا)) بالحاء، لاغير. وهذا كافي إن شاء الله في تحقيق هذه الكلمة.]] فمسح الله ظهره، فأخرج منه كل نَسَمة هو بارئها إلى أن تقوم الساعة، ثم أخذ عليهم الميثاق: ﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾. (5)
١٥٣٤٣ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أهبط آدم حين أهبط، فمسح الله ظهره، فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم قال ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾،، ثم تلا ﴿وإذ أخذ ربُّك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾، فجفَّ القلمُ من يومئذ بما هو كائن إلى يوم القيامة. (6)
١٥٣٤٤ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ قال: لما خلق الله آدم، أخذ ذريّته من ظهره مثل الذرِّ، فقبض قبضَتين، فقال لأصحاب اليمين: " ادخلوا الجنة بسلام "، وقال للآخرين: " ادخلوا النارَ ولا أبالي ". (7)
١٥٣٤٥ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن الأعمش، عن حبيب، عن ابن عباس قال: مسح الله ظهر آدم، فأخرج كلَّ طيبٍ في يمينه، وأخرج كل خبيثٍ في الأخرى. (8)
١٥٢٤٦ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن علية، عن شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: مسح الله ظهر آدم، فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة. (9)
١٥٣٤٧ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام قال: حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ قال: لما خلق الله آدم مسح ظهره بدَحنا، (10) وأخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فقال: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ قال: فيُرَوْن يومئذٍ جفَّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. [[الأثر: ١٥٣٤٧ - طريق أخرى للخبر السالف. ((عمرو بن أبي قيس الرازي))، الأزرق، ثقة، وكان يهم في الحديث قليلا، مضى برقم: ٦٨٨٧، ٩٣٤٦، وغيرها.
وهذا الخبر رواه أبو جعفر في التاريخ ١ / ٦٨، ورواه ابن سعد في الطبقات ١ /١/ ٨، من طريق منصور بن أبي الأسود، عن عطاء بن السائب، بنحو هذا اللفظ، وفي آخره: ((قال سعيد: فيرون أن الميثاق أخذ يومئذ)). ونسبه في الدر المنثور ١: ١٤١ لأبن المنذر وحده. وقوله: ((يرون)) (بضم إلياء وفتح الراء) بالبناء للمجهول، بمعنى: يظنون ذلك ويقدرونه.]]
١٥٣٤٨ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن المسعودي، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما خلق الله آدم عليه السلام أخذ ميثاقه، فمسح ظهره، فأخذ ذرّيته كهيئة الذرِّ، فكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم، = ﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى﴾. (11)
١٥٣٤٩ -.... قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ قال: لما خلق الله آدم، أخذ ميثاقه أنه ربُّه، وكتب أجله ومصائبَه، واستخرج ذريّته كالذرِّ، وأخذ ميثاقهم، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبَهم. (12)
١٥٣٥٠ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن ربيعة بن كلثوم بن جبر، عن أبيه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم﴾ قال: مسح الله ظهر آدم عليه السلام وهو ببطن نعمان، =واد إلى جنب عرفة=، وأخرج ذريته من ظهره كهيئة الذرّ، ثم أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا. (13)
١٥٣٥١ -.... قال: حدثنا أبي، عن أبي هلال، عن أبي جَمْرَة الضُّبَعي، عن ابن عباس قال: أخرج الله ذريّة آدم عليه السلام من ظهره كهيئة الذر، وهو في آذيٍّ من الماء. [[الأثر: ١٥٣٥١ - ((أبو هلال))، هو ((محمد بن سليم الراسبي))، ثقة متكلم فيه، قال ابن أبي عدى، بعد أن ذكر له أحاديث كلها أو عامتها غير محفوظة: ((وله غير ما ذكرت، وفي بعض رواياته مالا يوافقه عليه الثقات، وهو ممن يكتب حديثه)). مضى برقم: ٢٩٩٦، ٤٦٨١، ١٣٩٦٧.
و ((أبو جمزة الضبعى)) هو: ((نصر بن عمران بن عصام الضبعى))، ثقة مأمون. مضى برقم ٥٩٩٥، ٦٢٢٨.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: ((عن أبي حمزة)) وهو خطأ صرف. ((آذى الماء))، الأطباق التي تراها ترفعها من متنه الريح، دون الموج. ويأتي أيضا بمعنى: الموج الشديد، وهو الأكثر. والمراد في هذا الخبر، هو المعنى الأول. وكان في المطبوعة: ((أذى)) بغير مد، وليس صواباً وفي المخطوطة ((أدنى)) وهو خطآ صرف. وهذا الخبر، نقله ابن كثير في تفسيره ٣: ٥٨٥، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ١٤١، ونسبه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن منده في كتاب الرد على الجهمية، وأبي الشيخ.]]
١٥٣٥٢ - حدثني علي بن سهل قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة قال: حدثنا أبو مسعود، عن جويبر قال: مات ابن للضحاك بن مزاحم، ابنَ ستة أيام قال: فقال: يا جابر إذا أنت وضعت ابني في لحده، فأبرزْ وجهه، وحُلّ عنه عقده، فإن ابني مُجْلَسٌ ومسئول! ففعلت به الذي أمرني، فلما فرغت، قلت: يرحمك الله، عمّ يُسألُ ابنك؟ مَنْ يسأله إيّاه؟ (14) قال: يُسْأَل عن الميثاق الذي أقرّ به في صلب آدم عليه السلام. قلت: يا أبا القاسم، وما هذا الميثاق الذي أقر به في صلب آدم؟ قال: ثني ابن عباس أن الله مسح صلب آدم، فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، وأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، وتكفّل لهم بالأرزاق، فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ، (15) فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفَى به نفعه الميثاق الأوّل، ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يفِ به لم ينفعه الميثاق الأوّل، ومن مات صغيرًا قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة. (16)
١٥٣٥٣ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني السريّ بن يحيى، أن الحسن بن أبي الحسن، حدّثهم عن الأسود بن سريع من بني سعد قال: غزوت مع رسول الله ﷺ أربعَ غزوات قال: فتناول القوم الذرّيّة بعد ما قَتَلوا المقاتلة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فاشتدّ عليه، ثم قال: "ما بال أقوام يتناولون الذرية؟ " فقال رجل: يا رسول الله، أليسوا أبناءَ المشركين؟ فقال: "إن خيارَكم أولادُ المشركين! ألا إنها ليست نسمة تُولد إلا ولدت على الفطرة، فما تزال عليها حتى يبين عنها لِسَانها، فأبواها يهوِّدانها أو ينصرانها" =قال الحسن: والله لقد قال الله ذلك في كتابه، (17) قال: "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) [[الأثر: ١٥٣٥٣ - ((السرى بن يحيى بن إياس الشيباني))، ((أبو الهيثم))، ثقة. ثبت، روى عن الحسن البصري مترجم في التهذيب، والكبير ٢ /٢ ١٧٦، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٢٨٣ و ((الأسود بن سريع بن حميرى بن عبادة التميمي))، صحابي، كان شاعراًً مشهوراً، وكان أول من قص في مسجد البصرة، وهو القائل في قصصه في الميت، (البيان والتبين ١: ٤٦٧ / طبقات فحول الشعراء ١٥١، تعليق: ٦): فإن تنج منها، تنج من ذي عظيمة... وإلا فإني لا إخالك ناجيا
مترجم في الإصابة، وأسد الغابة، وابن سعد ٧ / ١ / ٢٨، والاستيعاب: ٤٤، والمعارف لابن قتيبة: ٢٧٦، والكبير للبخاري ١ / ١ / ٤٤٥، وابن أبي حاتم ١/١/١٢٩، وغيرها.
وهذا الخبر، رواه من هذه الطريق، أحمد في مسنده ٤: ٢٤، مع خلاف يسير في لفظه، وابن سعد مختصرا" في الطبقات ٧/١/٢٨، والبخاري مختصرا" في التاريخ ١ / ١ / ٤٤٥. وابن عبد البر في الاستيعاب بنحوه مطولا: ٤٤، وذكره ابن حجر في الإصابة في ترجمته وقال: (وأخرجه ابن حبان وابن السكن، من طريق السرى)). ورواه أحمد في مسنده ٣: ٤٣٥، من طريق يونس بن محمد المؤدب، عن أبان بن يزيد، عن قتادة، عن الحسن مختصراً، ثم رواه بعده من طريق يونس بن عبيد عن الحسن، بنحوه. ثم رواه في ٤: ٢٤ من طريق سعيد، عن قتادة، عن الحسن، وبين الخبر أن ذلك كان في سرية بعثها رسول الله ﷺ يوم حنين. ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ١٢٣ من طريق يونس بن محمد المؤدب، ثم من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن، بنحو ما رواه أحمد، وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)) ووافقه الذهبي.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٩: ٧٧، من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن. ثم رواه أيضا في السنن ٩: ١٣٠، من طريق يونس بن محمد المؤدب، عن أبان بن يزيد، عن قتادة. وذكره الهيثمى في مجمع الزوائد ٥: ٣١٦، ثم قال: ((رواه أحمد بأسانيد، والطبراني في الكبير والأوسط كذلك ٠ ٠ ٠ وبعض أسانيد أحمد، رجاله رجال الصحيح)). وخرجه ابن كثير في تفسيره ٣: ٥٨٤ وقال: ((وأخرجه النسائى في سننه، من حديث هشيم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، قال حدثني الأسود بن سريع، فذكره، ولم يذكر قول الحسن البصري، واستخصاره الآية عند ذلك)).]].
١٥٣٥٤ - حدثنا عبد الرحمن بن الوليد قال: حدثنا أحمد بن أبي طَيبة، عن سفيان بن سعيد بن الأجلح، عن الضحاك =وعن منصور، عن مجاهد=، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ قال: "أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس، فقال لهم ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ قالت الملائكة: شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين". (18)
١٥٣٥٥ - حدثنا ابن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، في قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم﴾ قال: أخذهم كما يأخذ المشط من الرأس. (19)
١٥٣٥٦ - حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم﴾ قال: أخذهم كما يأخذ المشط عن الرأس. قال ابن حميد: كما يؤخذ بالمشط. (20)
١٥٣٥٧ - حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا روح بن عبادة، وسعد بن عبد الحميد بن جعفر، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يسار الجهني: أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم﴾، فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه، (21) فاستخرج منه ذرية، فقال: "خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون". ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: "خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون". فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال: "إن الله إذا خلق العبدَ للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من عمل أهل الجنة، فيدخله الجنة؛ وإذا خلق العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من عمل أهل النار، فيدخله النار. [[الأثر: ١٥٣٥٧ - ((إبراهيم بن سعيد الجوهري الطبري))، شيخ الطبري، مضى مرارًا. و ((سعد بن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري))، ثقة، وضعفوه، مضى برقم: ٣٩٥٩، ٩٢٢٥، ولكن ضعفه لا يضر في هذا الإسناد، فإن ((روح بن عبادة))، ثقة بلا شك وهو العمدة في رواية الخبر في سائر الكتب.
و ((زيد بن أبي أنيسة الجزري))، ثقة، مضى برقم: ٤٩٦٤، ٨٣٩٦.
و ((عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب))، ثقة مأمون، روى له الجماعة، مضى برقم: ١٤٦٨٥.
و ((مسلم بن يسار الجهني))، تابعي ثقة، قيل: لم يسمع من عمر، وبينه وبينه ((نعيم بن ربيعة الأزدي))، كما سيأتي في الأثر التالي. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ /١ / ٢٧٦، ولا أدري لم أغفله ابن أبي حاتم في كتابة، أو هو سقط من تراجمه. وهذا الخبر رواه أبو جعفر بإسناده هذا في تاريخه ١: ٦٧، مع خلاف يسير في لفظه. ورواه مالك في الموطأ: ٨٩٨، ورواه أحمد في المسند رقم: ٣١١، وأبو داود في سننه ٤: ٣١٢ رقم: ٤٧٠٣، والحاكم في المستدرك ١: ٢٧ وقال: ((هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه))، وتعقبه الذهبي فقال: ((فيه إرسال))، ثم عاد الحاكم فرواه في المستدرك ٢: ٣٢٤، ٥٤٤ وقال: ((هذا حديث على شرط مسلم، ولم يخرجاه))، فخالف ما قاله أولا، ولكن أعجب منه أن الذهبي في هذين الموضعين وافقه، ولم يتعقبه بأنه فيه إرسال!! وهذا عجب! ورواه الآجري في كتاب الشريعة: ١٧٠، وابن عبد البر في التقصي: ٥٤، وقال: ((في إسناد هذا الحديث علتان قد بينتهما في كتاب التمهيد)). ورواه الترمذي في كتاب التفسير وقال: ((هذا حديث حسن، ومسلم بن يسار، لم يسمع من عمر. وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر، رجلا)). وبعد كتابة ما تقدم، وجدت الإمام بن القيم قد ذكر الخبر في شفاء العليل: ١٠٢٩، ما قاله ابن عبد البر في التمهيد وقال: ((قال الحاكم: هذا الحديث على شرط مسلم، وليس كما قاله، بل هو حديث منقطع.قال أبو عمر (ابن عبد البر): هو حديث منقطع، فإن مسلم بن يسار هذا، لم يلق عمر بن الخطاب، بينهما نعيم بن ربيعة. هذا إن صح أن الذي رواه عن زيد بن أبي أنيسة فذكر فيه نعيم بن ربيعة، إذ ليس هو بأحفظ من مالك، ولا ممن يحتج به إذا خالفه مالك. ومع ذلك فإن نعيم بن ربيعة، ومسلم بن يسار جميعا مجهولان غير معروفين بحمل العلم ونقل الحديث. وليس هو مسلم بن يسار العابد البصري، وإنما هو رجل مدنى مجهول. ثم ذكر من تاريخ ابن أبي خيثمة قال: قرأت على يحيى بن معين حديث مالك هذا، فكتب بيده على مسلم بن يسار لا يعرف. قال أبو عمر: هذا الحدبث وإن كان عليل الإسناد فإن معناه عن النبي ﷺ قد روى من وجوه كثيرة)) ثم ساق أسماء من روى عنهم من الصحابة. وخرجه ابن كثير في تفسيره ٣: ٥٨٦ وفي تاريخه ١: ٨٩، ٩٠، وقال بعد نقل كلام الترمذي: ((كذا قاله أبو حاتم، وأبو زرعة، زاد أبو حاتم بينهما نعيم بن ربيعة. وهذا الذي قاله أبو حاتم ثم رواه أبو داود في سننه عن محمد بن مصفي، عن بقية، عن عمر بن جعثم القرشي عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يسار الجهني، عن نعيم بن ربيعة قال: كنت عند عمر،... وقال الحافظ الدارقطني: وقد تابع عمر بن جعثم، يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي، وقولهما أولى بالصواب من قول مالك. قال ابن كثير: الظاهر أن مالكاً إنما أسقط نعيم بن ربيعة عمداً، لما جهل حال نعيم ولم يعرفه، فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث. وكذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم، ولهذا يرسل كثيراً من الرفوعات، ويقطع كثيراً من الموصولات)). وانظر التعليق على الخبر التالي.]]
١٥٣٥٨ - حدثنا إبراهيم قال: حدثنا محمد بن المصفي، عن بقية، عن عمر بن جُعْثم القرشي قال: حدثني زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة، عن عمر، عن النبي ﷺ، بنحوه. (22)
١٥٣٥٩ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن عمارة، عن أبي محمد رجل من المدينة، (23) قال: سألت عمر بن الخطاب عن قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريّتهم﴾ قال: سألت النبي ﷺ عنه كما سألتني، فقال: "خلق الله آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، ثم أجلسه فمسح ظهره بيده اليمنى، فأخرج ذَرْءًا، فقال: "ذَرْءٌ ذرأتهم للجنة"، ثم مسح ظهره بيده الأخرى، وكلتا يديه يمين، فقال: "ذَرْءٌ ذرأتهم للنار، يعملون فيما شئت من عمل، ثم أختم لهم بأسوإ أعمالهم فأدخلهم النار". (24)
١٥٣٦٠ - حدثني المثني قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ قال: إن الله خلق آدم عليه السلام، ثم أخرج ذريّته من صلبه مثل الذرِّ، فقال لهم: من ربكم؟ قالوا: الله ربُّنا، ثم أعادهم في صلبه، حتى يولد كل من أخذ ميثاقه لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم إلى أن تقوم الساعة. (25)
١٥٣٦١ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾،.. إلى قوله: ﴿قالوا بلى شهدنا﴾ قال ابن عباس: إن الله لما خلق آدم مسح ظهره، وأخرج ذريته كلّهم كهيئة الذر، فأنطقهم فتكلموا، وأشهدهم على أنفسهم، وجعل مع بعضهم النّور، وإنه قال لآدم: هؤلاء ذرّيتك آخذ عليهم الميثاق: أنا ربهم، لئلا يشركوا بي شيئًا، وعليَّ رزقهم. قال آدم: فمن هذا الذي معه النُّور؟ قال: هو داود. قال: يا رب كم كتبت له من الأجل؟ قال: ستين سنة. قال: كم كتبت لي؟ قال: ألف سنة، وقد كتبت لكل إنسان منهم كم يعمَّر وكم يلبث. قال: يا رب زده. قال: هذا الكتاب موضوعٌ فأعطه إن شئت من عمرك! قال: نعم. وقد جفَّ القلم عن أجل سائر بني آدم، فكتب له من أجل آدم أربعين سنة، فصار أجله مائة سنة. فلما عمر تسع مائة سنة وستين سنة جاءه ملك الموت؛ فلما رآه آدم قال: ما لك؟ قال له: قد استوفيت أجلك. قال له آدم: إنما عمرت تسعمئة وستين سنة، وبقي أربعون سنة. قال: فلما قال ذلك للملك، قال الملك: قد أخبرني بها ربي. قال: فارجع إلى ربك فاسأله! فرجع الملك إلى ربه، فقال: ما لك؟ قال: يا رب رجعت إليك لما كنت أعلم من تكرمتك إياه. قال الله: ارجع فأخبره أنه قد أعطى ابنه داود أربعين سنة. (26)
١٥٣٦٢ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن الزبير بن موسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن الله تبارك وتعالى ضرب منكبه الأيمن، فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاءَ نقية، فقال: هؤلاء أهل الجنة. ثم ضرب منكبه الأيسر، فخرجت كل نفس مخلوقة للنار سوداءَ، فقال: هؤلاء أهل النار. ثم أخذ عهودهم على الإيمان والمعرفة له ولأمره، والتصديق به وبأمره، بني آدم كلهم، فأشهدهم على أنفسهم، فأمنوا وصدَّقوا وعرَفوا وأقرُّوا. وبلغني أنه أخرجهم على كفه أمثال الخردل =قال ابن جريج عن مجاهد قال: إن الله لما أخرجهم قال: يا عباد الله أجيبوا الله - "والإجابة": الطاعة - فقالوا: أطعنا، اللهم أطعنا، (27) اللهم لبيك! قال: فأعطاها إبراهيم عليه السلام في المناسك: "لبَّيك اللهم لبَّيك". قال: ضرب مَتْنَ آدم حين خلقه. قال: وقال ابن عباس: خلق آدم، ثم أخرج ذريته من ظهره مثل الذر، فكلمهم، ثم أعادهم في صلبه، فليس أحدٌ إلا وقد تكلم فقال: "ربي الله". فقال: وكل خَلْق خَلَق فهو كائن إلى يوم القيامة، وهي الفِطْرة التي فَطَر الناس عليها. =قال ابن جريج: قال سعيد بن حبير: أخذ الميثاق عليهم بنَعْمَان -ونعمان من وراء عرفة- "أن يقولوا يوم القيامة ﴿إنا كنا عن هذا غافلين﴾، عن الميثاق الذي أخذ عليهم. (28)
١٥٣٦٣ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: جمعهم يومئذٍ جميعًا، ما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم استنطقهم، وأخذ عليهم الميثاق ﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾، قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرَضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم: أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا! اعلموا أنه لا إله غيري، ولا رب غيري، ولا تشركوا بي شيئًا، وأني سأرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي، (29) وسأنزل عليكم كتبي! (30) قالوا: شهدنا أنك ربُّنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك. فأقرُّوا له يومئذٍ بالطاعة، ورفع عليهم أباهم آدم، فنظر إليهم، فرأى منهم الغنيّ والفقير، وحسن الصورة، ودون ذلك، فقال: رب لولا ساويت بينهم! قال: فإني أحب أن أشكر. قال: وفيهم الأنبياء عليهم السلام يومئذٍ مثلُ السُّرُج. وخص الأنبياء بميثاق آخر قال الله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، [سورة الأحزاب: ٧] وهو الذي يقول تعالى ذكره: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، [سورة الروم: ٣٠] وفي ذلك قال: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى﴾، [سورة النجم: ٥٦] يقول: أخذنا ميثاقه مع النذر الأولى، ومن ذلك قوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾، [سورة الأعراف: ١٠٢]، [وهو قوله تعالى] (31) ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾، [سورة يونس: ٧٤] قال: كان في علمه يوم أقروا به، من يصدِّق ومن يكذِّب. (32)
١٥٣٦٤ - حدثنا ابن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهَدَهم على أنفسهم ألست بربكم﴾ قال: أخرجهم من ظهر آدم، وجعل لآدم عمر ألف سنة. قال: فعرضوا على آدم، فرأى رجلا من ذرّيته له نور فأعجبه، فسأل عنه، فقال: هو داود، قد جُعِل عمره ستين سنة! فجعل له من عمره أربعين سنة؛ فلما احتُضِرَ آدمُ، جعل يخاصمهم في الأربعين سنة، فقيل له: إنك أعطيتها داود! قال: فجعل يخاصمهم.
١٥٣٦٥ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم﴾ قال: أخرج ذريته من ظهره كهيئة الذرِّ، فعرضهم على آدم بأسمائهم وأسماء آبائهم وآجالهم! قال: فعرض عليه روح داود في نورٍ ساطع، فقال: من هذا؟ قال: هذا من ذرّيتك، نبيٌّ خليفة. قال: كم عمره؟ قال: ستون سنة قال: زيدوه من عمري أربعين سنة. قال: والأقلام رطبة تجري. فأثبت لداود الأربعون، وكان عمر آدم عليه السلام ألف سنة؛ فلما استكملها إلا الأربعين سنة، بُعث إليه ملك الموت، فقال: يا آدم أمرت أن أقبضك قال: ألم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: فرجع ملك الموت إلى ربه، فقال: إن آدم يدَّعي من عمره أربعين سنة! قال: أخبر آدم أنه جعلها لابنه داودَ والأقلام رطبة! فأُثبتت لداود.
١٥٣٦٦ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو داود، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، بنحوه.
١٥٣٦٧ -.... قال: حدثنا ابن فضيل وابن نمير، عن عبد الملك، عن عطاء: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم﴾ قال: أخرجهم من ظهر آدم حتى أخذ عليهم الميثاق، ثم ردّهم في صلبه.
١٥٣٦٨ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا ابن نمير، عن نضر بن عربي: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ قال: أخرجهم من ظهر آدم حتى أخذ عليهم الميثاق، ثم ردَّهم في صلبه.
١٥٣٦٩ -.... قال: حدثنا محمد بن عبيد، عن أبي بسطام، عن الضحاك قال: حيث ذرأ الله خلقه لآدم عليه السلام (33) قال: خلقهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى. (34)
١٥٣٧٠ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال: حدثنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ قال: قال ابن عباس: خلق الله آدم، ثم أخرج ذريته من ظهره، فكلمهم الله وأنطقهم، فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، ثم أعادهم في صلبه، فليس أحدٌ من الخلق إلا قد تكلم فقال: "ربي الله"، وإن القيامة لن تقوم حتى يولد من كان يومئذ أشهد على نفسه.
١٥٣٧١ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمر بن طلحة، عن أسباط، عن السدي: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى﴾، وذلك حين يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، [سورة آل عمران: ٨٣] وذلك حين يقول: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينََ.﴾، [سورة الأنعام: ١٤٩] يعني: يوم أخذ منهم الميثاق، ثم عرضهم على آدم عليه السلام. (35)
١٥٣٧٢ - قال: حدثنا عمر، عن أسباط، عن السدي قال: أخرج الله آدم من الجنة، ولم يهبط من السماء، ثم مسح صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منه ذريته كهيئة الذرِّ، أبيض، مثل اللؤلؤ، (36) فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي! ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه كهيئة الذر سودًا، (37) فقال: ادخلوا النار ولا أبالي! فذلك حين يقول: "أصحاب اليمين وأصحاب الشمال"، ثم أخذ منهم الميثاق، فقال: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾،، فأطاعه طائفة طائعين، وطائفة كارهين على وجه التقية. (38)
١٥٣٧٣ - حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي بنحوه =وزاد فيه بعد قوله: "وطائفة على وجه التقية"= فقال هو والملائكة: "شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم". فلذلك ليس في الأرض أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف أن ربه الله، ولا مشرك إلا وهو يقول لابنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾، والأمة: الدين ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾، [سورة الزخرف: ٢٣] وذلك حين يقول الله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى﴾، وذلك حين يقول: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، [سورة آل عمران: ٨٣] وذلك حين يقول: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، [سورة الأنعام: ١٤٩] يعني يوم أخذ منهم الميثاق. (39)
١٥٣٧٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الكلبي: ﴿من ظهورهم ذرياتهم﴾ قال: مسح الله على صلب آدم، فأخرج من صلبه من ذريته ما يكون إلى يوم القيامة، وأخذ ميثاقهم أنه ربهم، فأعطوه ذلك، ولا تسأل أحدًا كافرًا ولا غيره (40) من ربك؟ إلا قال: "الله". وقال الحسن مثل ذلك أيضًا. (41)
١٥٣٧٥ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا حفص بن غياث، عن جعفر، عن أبيه، عن علي بن حسين أنه كان يَعْزِلُ، (42) ويتأول هذه الآية: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرّيتهم﴾. (43)
١٥٣٧٦ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يحيى بن واضح قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ قال: أقرَّت الأرواح قبلَ أن تُخْلق أجسادها. (44)
١٥٣٧٧ - حدثنا أحمد بن الفرج الحمصي قال: حدثنا بقية بن الوليد قال: حدثني الزبيدي، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة النَّصْري، عن أبيه، عن هشام بن حكيم: أن رجلا أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسولَ الله، أتبْدَأ الأعمال أم قد قُضِي القضاء؟ (45) فقال رسول الله ﷺ: "إن الله أخذ ذرية آدم من ظهورهم، ثم أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه، (46) ثم قال: "هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار"، فأهل الجنة ميسَّرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسَّرون لعمل أهل النار. [[الأثر: ١٥٣٧٧ - رواه أبو جعفر بأربعة أسانيد، هذا، والذي يليه إلى رقم، ١٥٣٨٠. وهو خبر قد نصوا قديماً على أنه مضطرب الإسناد. واضطرابه من وجوه سأبينها بعد: إن شاء الله، في هذا الموضع.
((أحمد بن الفرج بن سليمان الكندي الحمصي))، ((أبو عتبة)) يعرف بالحجازي. ورد بغداد غير مرة، وحدث بها عن بقية بن الوليد، وغيره. روى عنه عبد الله بن أحمد ابن حنبل، وابن جرير، والحسين بن إسماعيل المحاملي، وغيرهم، وكتب عنه ابن أبي حاتم، وقال: ((محله عندنا الصدق)). قال ابن عدي: ((كان محمد بن عوف الطائي، يضعفه، ومع ضعفه يكتب حديثه)). قال محمد بن عوف الطائي: ((الحجازى كذاب... وليس عنده في حديث بقية بن الوليد عن الزبيدي، أصل. هو فيها أكذب خلق الله. إنما هي أحاديث وقعت إليه في ظهر قرطاس كتاب صاحب حديث، في أولها مكتوب: حدثنا يزيد بن عبد ربه، قال حدثنا بقية))، ثم رماه بأشياء. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ((يخطئ وهو مشهور بكنيته)). ومع ذلك، فهذا الخبر الذي رواه عنه أبو جعفر، رواه بعده عن محمد بن عوف الطائي وغيره، فما قيل فيه لا يضر. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٦٧، وتاريخ بغداد ٤: ٣٣٩ - ٣٤١، وقد مضى برقم: ٦٨٩٩، بروايته عن بقية بن الوليد، ولم يترجم هناك.
و ((بقية بن الوليد الحمصي))، ثقة، تكلموا فيه من أجل تدليسه، فإذا صرح بالسماع كانت روايته صحيحة، وقد صرح بها في هذا الأثر، ولم يصرح في الذي يليه. وقد مضى برقم: ١٥٣، ٥٥٦٣، ٦٥٢١، ٦٨٩٩، ٩٢٢٤، وغيرها.
و ((الزبيدي)) هو ((محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي))، ثقة، روى له الشيخان. مضى برقم: ٦٦٥٦، ٦٨٩٩.
و ((راشد بن سعد المقرئي الحبراني الحمصي))، وثقه ابن سعد، وابن معين وغيرهما. وقال أحمد: ((لا بأس به))، وقال الدارقطني: ((يعتبر به إذا لم يحدث عن متروك)). وشذ ابن حزم فضعفه. وذهبت عين راشد بن سعد في يوم صفين، وتوفي سنة ١٠٨. مترجم في التهذيب، وابن سعد٧/٢/١٦٢، والكبير ٢/١/٢٦٦، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٤٨٣، وميزان الاعتدال ١: ٣٣١، ومختصر تاريخ ابن عساكر ٥: ٢٨٩.
ومن عند رواية راشد بن سعد يبدأ الاضطراب في إسناد الخبر، وفي نسبة بعض رجاله، والاختلاف في لفظه. وهذه هي أسانيده التي وقعت لي، جمعتها مع ذكر موضع كل إسناد:
١ - الزبيدي، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة النصري، عن أبيه، عن هشام بن حكيم = الطبري: ١٥٣٧٧ - ١٥٣٧٩ / الكبير للبخاري ٤/٢/١٩١، ١٩٢ / إسحق بن راهويه، في ((شفاء العليل)) لابن القيم: ١٠ / ابن كثير ٣: ٥٨٨.
٢ - الزبيدي، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة النصري، عن هشام بن حكيم = الآجري في الشريعة: ١٧٢.
٣ - معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة، عن هشام بن حكيم = الطبري: ١٥٣٨٠
٤ - معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ، سمعت رسول الله ﷺ = ابن سعد ١ / ١ / ٩ ثم ٧/٢/١٣٥ = المسند ٤: ١٨٦ / المستدرك ١: ٣١ / أسد الغابة ٣: ٣١٩ / الإصابة ٤: ١٧٩، في ترجمة عبد الرحمن بن قتادة.
٥ - الزبيدي،... عن عبد الرحمن بن قتادة، عن أبيه، وهشام بن حكيم = الإصابة ٤: ١٧٩، غير مبين تمام إسناده، ولكنه عن راشد بن سعد بلا شك.
فالأسانيد الثلاثة الأولى، والإسناد الخامس، رواية الخبر فيها عن هشام بن حكيم، أو عن قتادة النصري. واختلف الزبيدي على راشد بن سعد، فقال مرة: ((عبد الرحمن بن قتادة، عن أبيه، عن هشام)) وقال مرة أخرى: ((عبد الرحمن بن قتادة، عن هشام))، وأسقط ذكر ((عن أبيه)). وأما معاوية بن صالح، فاختلف على راشد بن سعد، فقال مرة: ((عبد الرحمن بن قتادة عن هشام بن حكيم))، كإسناد الزبيدي الثاني، وقال مرة أخرى: ((عبد الرحمن بن قتادة السلمي وكان من أصحاب رسول الله ﷺ، سمعت رسول الله).
قال ابن حجر: ((وأعل البخاري الحديث: بأن عبد الرحمن إنما رواه عن هشام بن حكيم. هكذا رواه معاوية بن صالح وغيره عن راشد بن سعد. وقال معاوية مرة أن عبد الرحمن قال: سمعت، وهو خطأ. ورواه الزبيدي، عن عبد الرحمن بن قتادة، عن أبيه، وهشام بن حكيم. وقيل عن الزبيدي: عبد الرحمن، عن أبيه، عن هشام)) (الإصابة ٤: ١٧٩).
أما الاختلاف الثاني في نسبة بعض رجاله، فإن الذي جاء في الإسناد الأول والثاني: ((عبد الرحمن بن قتادة النصري)). ثم جاء في الإسناد الرابع ((عبد الرحمن بن قتادة السلمي))، ولم يذكر في ترجمة ((عبد الرحمن بن قتادة السلمي)) الصحابي أنه يقال له: ((النصري))، وسيتبين ذلك في الكلام بعد عن رجال الإسناد.
أما الاختلاف الثالث، ففي لفظة. فهذا اللفظ الذي رواه أبو جعفر الطبري هنا برقم ١٥٣٧٧، رواه بنحوه البخاري في الكبير ٤/٢/١٩١، ١٩٢، والآجري في كتاب الشريعة: ١٧٢، وإسحق ابن راهويه (شفاء العليل:١٠)، ومجمع الزوائد ٧: ١٨٦، والدر المنثور ١: ١٤٣، وزاد نسبته إلى البزار والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، وكل ذلك عن هشام بن حكيم.
وقال الهيثمى في مجمع الزوائد، وذكر هذا الخبر بلفظه، عن هشام بن حكيم، ثم قال: ((رواه البزار، والطبراني. وفيه بقيه بن الوليد، وهو ضعيف، ويحسن حديثه بكثرة الشواهد. وإسناد الطبراني حسن)).
وأما اللفظ الثاني: فهو عبد الرحمن بن قتادة السلمي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أن الله عز وجل خلق آدم، ثم اخذ الخلق من ظهره. وقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي.فقال قائل: يا رسول الله، فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر))
وبهذا اللفظ ونحوه عن عبد الرحمن بن قتاده السلمي الصحابي، رواه احمد في المسند ٤: ١٨٦، وابن سعد في الطبقات ١ / ١/ ٩ ثم ٧ / ٢ / ١٣٥ = ثم ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢ /٢ / ٢٧٦ = ثم الحاكم في المستدرك ١: ٣١ / مجمع الزوائد ٧: ١٨٦ / الإصابة ٤: ١٧٩ / تعجيل المنفعة: ٢٥٥، ٢٥٦ / الدر المنشور ١: ١٤٤، ١٤٥، ونسبه إلى ابن سعد وأحمد. قال الحاكم في المستدرك: ((هذا حديث صحيح، قد اتفقا على الاحتجاج برواته عن آخرهم إلى الصحابة. وعبد الرحمن بن قتادة من بنى سلمة، من الصحابة. وقد احتجا جميعاً بزهير بن عمرو عن رسول الله ﷺ، وليس له راو غير أبي عثمان النهدى، وكذلك احتج البخاري بحديث أبي سعيد بن المعلى، وليس له راو غير حفص بن عاصم)). ووافقه الذهبي.
وأما الهيثمى في مجمع الزوائد فقال: ((رواه أحمد، ورجاله ثقات))، يعنى الإسناد الرابع الذي ذكرناه، باللفظ الثاني.
ثم نقضي إلى القول في ((عبد الرحمن بن قتادة)). فهو في الإسناد الأول والثاني ((عبد الرحمن بن قتادة النصري))، يروى عن أبيه، عن هشام، الحديث باللفظ الأول، ولا يظهر من إسناده أنه صحابي، فإن كان صحابياً، فهو صحابي، يروى عن صحابي، عن صحابي، وهو غريب نادر. فإذا صح ما قاله البخاري أن الراوي هو عبد الرحمن عن هشام، وان قوله: ((عن أبيه)) زيادة، فهو رواية صحابي عن صحابي. ويحتمل أن يكون ((عبد الرحمن بن قتادة النصري))، تابعياً. ولكن لم يبين أحد أن ((عبد الرحمن بن قتادة النصري))، غير ((عبد الرحمن بن قتادة السلمي))، و ((السلمي))، صحابي، كما جاء في نص الإسناد الرابع. وترجم للصحابي ((عبد الرحمن بن قتادة السلمي)): ابن سعد ٧ / ٢ / ١٣٥ ثم ابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢٧٦ وقال بعد: ((روى عن هشام بن حكيم، روى عنه راشد بن سعد = ثم الاستيعاب: ٣٩٨ / وأسد الغابة ٣: ٣١٩ / وتعجيل المنفعة: ٢٥٥ / والإصابة ٤٥: ١٧٩. ولم يذكر أحد منهم أن هذا ((السلمي)) يقال له ((النصري)). وهذا غريب أيضا.
ثم إنهم ترجموا لأبيه ((قتادة النصري)) في الكبير ٤ / ١ / ١٨٥، وقال: ((سمع هشام بن حكيم، روى عنه ابنه عبد الرحمن))، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ١٣٥، وقال مثله. أما ((قتادة السلمي))، فلم يذكر الموضعين، بل جاء ذكره في ترجمة ((هشام بن حكيم)) في التهذيب، والإصابة. وهذا غريب أيضاً.
((ونسبة السلمي))، مضبوطة بالقلم في ابن سعد وغيره بضم السين وفتح اللام، نسبة إلى ((سليم ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان)) وأما الحاكم في المستدرك، فقد بين أنه من ((بني سلمة)) (بفتح السين وكسر اللام) والنسبة إليها ((السلمي)) (بفتحتين)، وهم من الأنصار. وسواء أكان هذا أو ذاك، فلا أدري كيف يكون ((نصرياً)) من كان من هذه أو تلك. و ((النصري)) فيما أرجح، إنما هو نسبة إلى ((نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة))، وهم من أبناء عمومة ((سليم بن منصور)) فجائز أن يكون ((عبد الرحمن بن قتادة)) من بني ((سليم ابن منصور))، دخل في بني عمومته ((نصر بن معاوية)) فنسب إليهم أيضاً. ولا حجة لى في ذلك، كما لم أجد حجة لما قاله الحاكم في المستدرك.
وقد أطلت في بيان هذا الاضطراب، لأضبطه بعض الضبط. وبعد ذلك كله، فمعنى الحديث صحيح، مروى عن جماعة من الصحابة بأسانيد ليس فيها هذا الاضطراب. وهو اضطراب قديم، كما نصوا على ذلك فيما نقلت آنفاً.]]
١٥٣٧٨ - حدثني محمد بن عوف الطائي قال: حدثنا حيوة ويزيد قالا حدثنا بقية، عن الزبيدي، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة النصْري، عن أبيه، عن هشام بن حكيم، عن النبي ﷺ مثله. [[الأثر: ١٥٣٧٨: "محمد بن عوف بن سفيان الطائي" شيخ أبي جعفر، حافظ ثقة من الرواة عن أحمد، مضى برقم: ٥٤٤٥.
و"حيوة" هو "حيوة بن شريح بن يزيد الحضرمي فقيه عالم ثقة مضى برقم: ٢٨٩١، ٣١٧٩، و"يزيد" هو "يزيد بن هارون" أحد الحفاظ مضى مرارا كثيرة وهذا إسنادا في الخبر السالف.]]
١٥٣٧٩ - حدثني [عبد الله بن] أحمد بن شبويه قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا عمرو بن الحرث قال: حدثنا عبد الله بن مسلم، عن الزبيدي قال: حدثنا راشد بن سعد: أن عبد الرحمن بن قتادة حدّثه: أن أباه حدّثه: أن هشام بن حكيم حدثه: أنه قال: أتى رسول الله ﷺ رجلٌ، فذكر مثله. (47)
١٥٣٨٠ - حدثنا محمد بن عوف قال: حدثني أبو صالح قال: حدثنا معاوية، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة، عن هشام بن حكيم، عن النبي ﷺ، بنحوه. (48)
قال أبو جعفر: واختلف في قوله: ﴿شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾، فقال السدي: هو خبرٌ من الله عن نفسه وملائكته، أنه جل ثناؤه قال هو وملائكته إذ أقرَّ بنو آدم بربوبيته حين قال لهم (49) ألست بربكم؟ فقالوا: (50) "بلى".
فتأويل الكلام على هذا التأويل: "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى". فقال الله وملائكته: شهدنا عليكم بإقراركم بأن الله ربكم، كيلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. وقد ذكرت الرواية عنه بذلك فيما مضى، والخبرَ الآخرَ الذي روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ بمثل ذلك. (51)
وقال آخرون: ذلك خبر من الله عن قيل بعض بني آدم لبعض، حين أشهد الله بعضهم على بعض. وقالوا: معنى قوله: ﴿وأشهدهم على أنفسهم﴾، وأشهد بعضهم على بعضٍ بإقرارهم بذلك، وقد ذكرت الرواية بذلك أيضًا عمن قاله قبلُ.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، ما روي عن رسول الله ﷺ إن كان صحيحًا، ولا أعلمه صحيحًا؛ لأن الثقات الذين يعتمد على حفظهم وإتقانهم حدَّثوا بهذا الحديث عن الثوري، فوقفوه على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه، ولم يذكروا في الحديث هذا الحرف الذي ذكره أحمد بن أبي طَيبة عنه. (52) وإن لم يكن ذلك عنه صحيحًا، فالظاهر يدلُّ على أنه خبر من الله عن قِيل بني آدم بعضهم لبعض، لأنه جل ثناؤه قال: ﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾، فكأنه قيل: فقال الذين شهدوا على المقرِّين حين أقروا، فقالوا: "بلى"=: شهدنا عليكم بما أقررتم به على أنفسكم، كيلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين.
حواشي المحقّق (52)
- (1)مضى أثر في تفسير هذه الآية، برقم: ١٠٨٥٥: لم يذكر هنا. وهو في اختصار أبي جعفر، مضى في الصفحة السابقة.
- (2)في المطبوعة: ((فتلا، فقال)) ، لم يحسن قراءة المخطوطة، فظنه من التلاوة، والصواب ما أثبته. يقال: ((كلمه الله قبلا)) أي عيانا ومقابلة لا من وراء حجاب، وقد مضى تفسير هذا الحرف فيما سلف من الأخبار ١: ٥١٤، تعليق: ١ / ٤: ٢٦٦، تعليق: ٣ / ٩: ٢٣١، تعليق: ٣.
- (3)الأثر: ١٥٣٤٠ - ((ابن علية)) ، هو: ((إسماعيل بن إبراهيم الأسدى)) ، الإمام المشهور، سلف مرارًا كثيرة. وهذا هو ثاني الآثار الموقوفة على ابن عباس، ورواه بهذا الإسناد أبو جعفر في تاريخه ١: ٦٧، ورواه من هذه الطريق نفسها، ابن سعد في الطبقات ١/ ١ / ٨، بلفظه هذا. إسناد صحيح، وانظر التعليق علي رقم: ١٥٣٣٨.
- (4)الأثر: ١٥٣٤١ - رواه ابن سعد في الطبقات ١ / ١ / ٨، واقتصر فيه إلى قوله تعالى: ((يوم القيامة)) . انظر التعليقات السالفة.
- (5)الأثر: ١٥٣٤٢ - ((عمرو)) ، هو: ((عمرو بن على الفلاس)) ، مضى مرارًا كثيرة. و ((عمران بن عيينة)) ، هو أخو: ((سفيان بن عيينة)) الإمام المشهور. قال ابن معين وأبو زرعة: ((صالح الحديث)) . وأما ابن أبي حاتم، فقال: ((لا يحتج بحديثه، لأنه يأتي بالمناكير)) . وقال لعقيلى: ((في حديثه وهم)) . وقد مضى برقم: ٤١٨٩، ١٠٥٨٠. وهذا الخبر، رواه أبو جعفر مختصراً في تاريخه ١: ٦٠، وابن سعد مختصراً ١ / ١ / ٥، وسيأتي برقم: ١٥٣٤٣، من رواية وكيع، عن عمران، عن عطاء، وليس فيه ذكر ((دحنا)) . بأسانيد أخر رقم: ١٥٣٤٦، ١٥٣٤٧، عن غير عمران، عن عطاء.
- (6)الأثر: ١٥٣٤٣ - هو طريق أخرى للأثر السالف، ومن هذه الطريق، رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٦٧، وانظر التعليق السالف.
- (7)الأثر: ١٥٣٤٤ - هذا الخبر والذي يليه، رواه من طريقين. رواه أولهما أبو جعفر في تاريخه ١: ٦٧. ((يحيى بن عيسي بن عبد الرحمن التميمي النهشلي)) ، وثقه أحمد وغيره، وضعفه ابن معين وغيره. مضى برقم: ٣٠٠، ٦٣١٧، ٩٠٣٥، ١٤٢٠١. و ((حبيب بن أبي ثابت)) ، هو ((حبيب بن قيس بن نيار)) ، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٩٠١٢، ٩٠٣٥، ١٠٤٢٣، وغيرها. ومعنى هذا الخبر، مخرج في مسانيد جماعة من الصحابة، ولكني لم أجده بنصه عن ابن عباس في غير هذا الموضع، وفي تاريخ الطبري. وانظر التعليق التالي.
- (8)الأثر: ١٥٣٤٥ - هذه طريق أخرى للخبر السالف، بغير لفظه، أخرجه الآجري في كتاب الشريعة: ٢١١، ٢١٢، من طريق على بن مسهر عن الأعمش، بغير هذا اللفظ وفي المخطوطة: ((كل خبيث في الآخرة)) .
- (9)الأثر: ١٥٣٤٦ - انظر ما سلف رقم ١٥٣٤٢، ١٥٣٤٣، حديث عطاء، عن سعيد بغير هذا اللفظ. وهذا خبر صحيح الإسناد، وسيأتي من طريق أخرى في الذي يليه.
- (10)في المطبوعة ((بد جنى)) بالجيم، وأثبت ما في المخطوطة، وانظر تحقيق ذلك في ص: ٢٢٥، تعليق: ١.
- (11)الأثر: ١٥٣٤٨ - هذا الخبر رواه أبو جعفر من طريقين، هذا والذي يليه. ((المسعودى)) هو ((عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود)) مضى برقم: ٢١٥٦، ٢٧٢٩، ٢٩٣٧، ٥٥٦٣، وغيرها، وهو ثقة، اختلط بآخرة، وتغير حفظه، وما روى عنه الشيوخ القدماء، فهو مستقيم. وسماع وكيع من المسعودى قديم. ((على بن بذيمة الجزرى)) ، ثقة، متكلم فيه بما لا يفدح، مضى برقم: ٦٢٩، وغيرها وخرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ١٤١، ونسبه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
- (12)الأثر: ١٥٣٤٩ - ((يزيد بن هارون السلمي)) ، أحد الأعلام الحفاظ المشاهير، مضى مرارًا كثيرة. وقد روى ((يزيد بن هارون)) عن المسعودى أحاديث مختلطة، بعد ما تغير حفظه، كما ذكرت في التعليق السالف.
- (13)الأثر: ١٥٣٥٠ - هذه طريق أخرى للأخبار السالفة ١٥٣٣٨ - ١٥٣٤١، ومضى تخريجها هناك.
- (14)في المطبوعة والدر المنثور، أسقط قوله: ((من يسأله إياه)) ، وهي ثابتة في المخطوطة، وفي ابن كثير، الناقل من هذا الموضع من التفسير.
- (15)في المخطوطة، أسقط من أول قوله ((ثم تكفل لهم)) إلى قوله: ((تقوم الساعة)) ، وهي ثابتة في تفسير ابن كثير، والدر المنثور. وأما المطبوعة، فأسقطت من ((وتكفل)) إلى قوله: ((تقوم الساعة)) ، وهي ثابتة في تفسير ابن كثير والدر المنثور. وأما المطبوعة، فأسقطت من ((وتكفل)) إلى قوله: ((في صلبه)) .
- (16)الأثر: ١٥٣٥٢ - ((على بن سهل الرملى)) ، شيخ الطبري، مضى مرارًا. و ((ضمرة بن ربيعة الفلسطينى)) . ثقة، مضى برقم: ٧١٣٤، ١٢٨٦٨، ١٣٦٥٠. و ((أبو مسعود)) الروى عن ((جويبر)) ، أخشى أن يكون هو ((سعيد بن إياس الجريرى)) ، ولست أحققه. و ((جويبر)) ، لقب، ويقال اسمه ((جابر بن سعيد)) . مضى كثيراً، وجاء في هذا الخبر، التصريح باسمه ((جابر)) ، فإلا يكن ((جويبر)) لقباً، فهو تصغير ((جابر)) . وهذا الخبر، نقله ابن كثير في تفسيره ٣: ٥٨٥، والسيوطي في الدر المنثور ١: ١٤٣.
- (17)في المطبوعة: ((والله لقد قال الله)) ، لا أدرى من أين زاد ذلك
- (18)الأثر: ١٥٣٥٤ - رواه أبو جعفر من طرق ثلاث، أولاهما مرفوعة، والأخريان موقوفتان على عبد الله بن عمرو. ولهذا الخبر، إسنادان: ((سفيان الثورى، عن الأجلح)) ، و ((سفيان، عن منصور)) . ((عبد الرحمن بن الوليد الجرجاني)) ، شيخ أبي جعفر، لم أجد له ترجمة، ولكنه روى عنه في التاريخ ٣: ٢٠٧، عن ((أحمد بن أبي طبية)) أيضا، ثم في المنتخب من ذيل المذيل (التاريخ: ١٣) ص: ٤٨، ٦٠. و ((أحمد بن أبي طبية)) هو: ((أحمد بن عيسى بن سليمان الجرجاني)) ، قاضى قومس. قال أبو حاتم: ((يكتب حديثه)) ، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدى: ((حدث بأحاديث أكثرها غرائب)) . مترجم في التهذيب، والخلاصة: ٧، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٦٤. وضبط ((طيبة)) في الخلاصة بالظاء المعجمة، ولكنه في غيره بالطاء المهملة. ((وسفيان بن سعيد)) هو الثوري، وكان في المطبوعة والمخطوطة: ((سفيان عن سعيد)) ، وهو خطا محض، وإنما يروى عن الأجلح ((سفيان بن سعيد الثورى)) بغير واسطة الكبير ١ / ٢ / ٦٨. و ((الأجلح)) هو ((الأجلح بن عبد الله بن حجية الكندي)) ، مضى برقم: ٥٣٨٤، ١٠٨٥٧، وهو متكلم فيه، ووثقه ابن عدى. وهذا الخبر، خرجه السيوطي مرفوعاً في الدر المنثور ١: ١٤٢ وزاد نسبته لابن منده في كتاب الرد على الجهمية. وذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٥٨٦، ٥٨٩ وضعف رفعه، وبين أن وقفه أصح. وسيأتي قول الطبري فيه ص: ٢٥٠: ((ولا أعلمه صحيحاً، لأن الثقات الذين يعتمد على حفظهم وإتقانهم حدثوا بهذا الحديث عن الثورى، فوقفوه على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه، ولم يذكروا في الحديث هذا الحرف الذي ذكره أحمد بن أبي طبية عنه)) .
- (19)الأثر: ١٥٣٥٥ - هذا الأثر والذي يليه، هما الأثران الموقوفان الصحيحان. راجع التعليق السالف.
- (20)(٢) الأثر: ١٥٣٥٦ - هو موقوف على عبد الله بن عمرو، صحيح الإسناد كالسالف. وكان في المخطوطة: ((كما يؤخذ المشط)) مرة أخرى، بغير باء، وكأن الصواب ما في المطبوعة، وبذلك ورد في الدر المنثور. وانظر التعليق السالف. وهذه الأخبار الثلاثة، ذكرها ابن كثير في تفسيره ٣: ٥٨٦، ٥٨٩، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ١٤١ موقوفاً، ونسبة إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، واللالكائي في السنة، وقصر في نسبته إلى ابن جرير.
- (21)في المطبوعة: ((مسح ظهره)) ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ.
- (22)١٥٣٥٨ - ((محمد بن المصفي بن بهلول القرشي)) ، حافظ صدوق، متكلم فيه، قيل إنه كان ممن يدلس تدليس التسوية. مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٢٤٦، وابن أبي حاتم ٤/١/١٠٤. و ((بقية)) هو ((بقية بن الوليد)) ، مضى مرارًا. و ((عمر بن جعثم القرشي)) ، ذكره ابن حبان في الثقات، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/١٠١، وكان في المخطوطة: ((عمر بن جعفر القرشي)) ، وهو خطأ، وكان في المطبوعة: ((عمر بن جعثم)) ، وهو خطأ أيضاً. و ((نعيم بن ربيعة الأزدي) ، لم يذكر البخاري فيه جرحاً، ولا ابن أبي حاتم. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ٢ / ٩٦، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٤٦٠. وهذا الخبر رواه البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٩٦، ٩٧ عن محمد بن يحيى، عن محمد بن يزيد، سمع أباه، سمع زيداً، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار الجهنى، عن نعيم بن ربيعة الأزدي)) ، بنحوه مختصراً. ورواه أبو داود في السنن ٤: ٣١٣ رقم: ٤٧٠٤، من طريق محمد بن المصفي، عن بقية، ولم يذكر لفظه، وقال: ((وحديث مالك أتم)) . وانظر ذكر هذه الرواية الموصولة، في التعليق على الخبر السالف.
- (23)في المطبوعة: ((رجل من المدينة)) ، وأثبت ما في المخطوطة.
- (24)الأثر: ١٥٣٥٩ - ((عمارة)) ، هو ((عملرة بن عمير التيمى)) ، روى له أصحاب الكتب الستة، مضى برقم: ٣٢٩٤، ٥٧٨٩. و ((أبو محمد، رجل من أهل المدينة)) ، لم أجد بياناً عنه في شيء من الكتب. وهذا الخبر، رواه ابن عبد البر في التمهيد (ملحق بكتاب التقصى) : ٣٠٢، بهذا الإسناد نفسه، بلفظه، إلا أن فيه: ((ثم أختم لهم بشر أعمالهم)) . وخرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ١٤٢، ولم ينسبه لغير ابن جرير.
- (25)الأثر: ١٥٣٦٠ - هذا إسناد دائر في التفسير، مضى بيانه في الخبر رقم ١٨٦، ١٨٧. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ١٤١ ونسبه إلى ابن أبي حاتم، واللالكائى في السنة.
- (26)الأثر: ١٥٣٦١ - هذا إسناد دائر في التفسير، مضى بيان ضعفه في التعليق على رقم: ٣٠٥.
- (27)في المطبوعة، كرر هنا ((اللهم أطعنا)) مرة أخرى، فحذفتها مطابقاً للمخطوطة.
- (28)الأثر: ١٥٣٦٢ - ((الزبير بن موسى بن ميناء المكي)) ثقة، مضى برقم: ٨٦٤٩. وهذا الخبر، رواه الآجري في كتاب الشريعة، مختصراً: ٢١٢، من طريق على ابن الحسن ابن شقيق، عن عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، عن الزبير موسى. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ١٤٤، ولم ينسبه إلى غير ابن جرير وأبي الشيخ.
- (29)في المطبوعة: ((وسأرسل)) ، وفي المخطوطة: ((وأنا سأرسل)) والصواب من مراجع الحديث المذكورة بعد.
- (30)ليس في المخطوطة: ((كتبي)) ، سقطت من الناسخ.
- (31)هذه الزيادة بين القوسين، من سائر المراجع، وليست في المخطوطة ولا المطبوعة.
- (32)الأثر: ١٥٣٦٣ - إسناد صحيح، مضى مثله مرارًا. وهذا الخبر رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل، في زياداته على مسند أبيه، (٥: ١٣٥) عن شيخه محمد بن يعقوب الربالى، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، مختصراً. ونقله الهيثمى في مجمع لزوائد ٧: ٢٥ وقال: ((رواه عبد الله بن أحمد، عن شيخه محمد بن يعقوب الربالي، وهو مستور، وبقية رجاله رجال الصحيح)) . ورواه الحاكم في المستدرك مطولاً ٢: ٣٢٣ من طريق عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر عيسى بن عبد الله بن ماهان، عن الربيع بن أنس، وقال ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) ، ووافقه الذهبي. ورواه الاجري في كتاب الشريعة: ٢٠٧، من طريق حكام بن مسلم الرازي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس. ورواه ابن عبد البر في التمهيد (ملحف كتاب التقصى) : ٣٠٧، من طريق أحمد بن عبد الله بن صالح، عن عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر الرازي، وهو طريق الحاكم في المستدرك. وذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٥٨٨ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه في تفسيريهما. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ١٤٢، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ، وابن منده في كتاب الرد على الجهمية، واللالكائي، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن عساكر في تاريخه.
- (33)(١) هذه عبارة غريبة، ولكن هكذا هي في المخطوطة والمطبوعة.
- (34)الأثر: ١٥٣٦٩ - ((محمد بن عبيد)) ، هو فيما أرجح ((محمد بن عبيد بن أبي أمية الطنافسى)) ، مضى برقم: ٤٠٥، ٩١٥٥، ١١٤١٨. و ((أبو بسطام)) ، هو ((مقاتل بن حيان البلخى)) ، مضى برقم: ٣٨٤٢.
- (35)(١) الأثر: ١٥٣٧١ - ((عمرو بن طلحة)) ، هو ((عمرو بن حماد بن طلحة القناد)) ، من أكثر الرجال دوراناً في التفسير، مضى برقم: ١٦٨، وكان في المطبوعة هنا وفي الذي يليه ((عمر بن طلحة)) ، وهو خطأ صرف. وهذا الخبر، جزء من خبر طويل رواه ابن عبد البر في التمهيد (ملحق بكتاب التقصى) : ٣٠٣، ٣٠٤، بإسناده عن محمد بن عبد الله بن سنجر، عن عمرو بن حماد، عن نصر بن نصر الهمذانى، عن السدي، عن أصحابه = قال عمرو: وأصحابه: أبو مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمذانى، عن ابن مسعود، وعن نا من أصحاب النبي ﷺ)) . وخرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ١٤١، مطولاً، ولم ينسبه إلى غير ابن عبد البر في التمهيد. وانظر الأثر التالي رقم ١٣٥٧٣.
- (36)في المطبوعة: ((فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ، كهيئة الذر)) ، وهو موافق لما رواه ابن أبي عبد البر، ولكنى أثبت ما في المخطوطة. وأما ما رواه أبو جعفر في التاريخ فهو: ((فأخرج منه ذرية كهيئة الذر بيضاً مثل اللؤلؤ)) ، بالجمع ((بيضاً)) .
- (37)في المطبوعة: ((فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر)) ، وهو مطابق لما في التمهيد لابن عبد البر، ولكنى أثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما رواه أبو جعفر في التاريخ.
- (38)الأثر: ١٥٣٧٢ هذا الخبر السالف لدى ابن عبد البر في التمهيد (ملحق بكتاب التقصي: ٣٠٣، ٣٠٤، مطولا ورواه ابن جعفر في تاريخه مختصرا بلفظ هذا ١:٦٨.
- (39)الأثر: ١٣٥٧٣ هذا الخبر جزء من الخبرين السالفين فيما أرجح ١٥٣٧١، ١٥٣٧٢، وانظر تخريجهما فيما سلف ولكن صدر الخبر لم يرد في شيء من المراجع.
- (40)في المطبوعة: ((ولا يسأل أحد كافر ولا غيره)) ، وأثبت ما في المخطوطة.
- (41)الأثر: ١٥٣٧٤ - هذا الخبر حرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ١٤١ من حديث ابن عباس، ونسبه إلى عبد الرزاق، وابن المنذر. وظاهر أنه من تفسير الكلبى، بإسناده عن ابن عباس.
- (42)في المطبوعة: ((كان يقول ويتأول)) ، وهو كلام لا معنى له، صوابه ما كان في المخطوطة. و ((العزل)) هو أن يعزل الرجل ماءه عن المرأة، أي ينحيه عن رحمها إذا جامعها، لئلا تحمل.
- (43)الأثر: ١٥٣٧٥ - خرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ١٤٤، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة.
- (44)الأثر: ١٥٣٧٦- رواه ابن عبد البر في التمهيد (ملحق بكتاب التقصي: ٣٠١ من طريق قاسم بن أصبغ عن محمد بن الجهم، عن روح بن عبادة عن موسى بن عبيدة، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ١٤٠ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة.
- (45)في رواية أخرى ((أم قد مضى القضاء)) .
- (46)قوله: ((أفاض بهم في كفه)) : بسطهم متفرقين منبثين. وأصله، من: ((أفاض الضارب بالقداح)) ، إذا أجالها وضرب بها، فوقعت منبثة متفرقة. وقد جاء هذا اللفظ في خبر عباس: ((اخرج الله ذرية آدم من ظهره، فأفاضهم إفاضة القدح)) ، وهي الضرب به وإجالته عند القمار. وقد جاء في رواية الطبراني لهذا الخبر (مجمع الزوائد ٧: ١٨٦) : ((ثم نثرهم في كفيه، أو كفه)) .
- (47)الأثر: ١٥٣٧٩ ((عبد الله بن أحمد بن شبوبه)) ، هو ((عبد الله بن أحمد بن محمد بن ثابت المروزى)) ، شيخ أبي جعفر، من أئمة الحديث، مضى مرارًا، منها: ١٩٠٩، ٤٦١٢، ٤٩٢٣. وكان في المطبوعة والمخطوطة: ((حدثني أحمد بن شبوبه)) وهو خطأ لا شك فيه، فلذلك زدت] عبد الله بن [بين القوسين، أولاً لأن ((عبد الله)) هو شيخ أبي جعفر الذي يروى عنه، وثانياً، لأن أباه ((أحمد بن شبوبه)) ، مات سنة ٢٣٠، لم يدرك أبو جعفر لأن يروى عنه. و ((إسحق بن إبراهيم)) هو: ((إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي الزبيدي)) ، ويقال له: ((إسحق بن زبريق)) أو ((ابن زبريق)) ، ثقة، متكلم فيه حسداً. مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٣٨٠، وابن أبي حاتم ١/١/٢٠٩. و ((عمرو بن الحارث بن الضحاك الزبيدي الحمصي)) ، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: ((لا تعرف عدالته)) . مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/٢٢٦، وميزان الاعتدال ٢: ٢٨٤. و ((عبد الله بن سالم الأشعري الوحاظي)) ، وثقه ابن حبان والدارقطني. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٧٦. وكان في المخطوطة والمطبوعة: ((عبد الله بن مسلم)) . وهو خطأ لا شك فيه.
- (48)الأثر: ١٥٣٨٠ - ((أبو صالح)) هو ((عبد الله بن صالح المصري)) كاتب الليث ابن سعد. ثقة، تكلموا فيه. مضى مرارًا. انظر رقم ١٨٦. ((ومعاوية بن صالح الحمصي)) . ثقة، مضى مرارًا. انظر رقم ١٨٦ وانظر بعد هذا كله، التعليق على رقم: ١٥٣٧٧.
- (49)في المخطوطة ((حين قيل لهم)) .
- (50)في المطبوعة ((قالوا بلى)) . ساقها مساق الآية.
- (51)انظر خبر السدي رقم: ١٥٣٧٣، وخبر عبد الله بن عمرو: ١٥٣٥٤.
- (52)انظر ما سلف في التعليق على رقم: ١٥٣٥٤.
أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةًۭ مِّنۢ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ
القول في تأويل قوله: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: شهدنا عليكم أيها المقرُّون بأن الله ربكم، كيلا تقولوا يوم القيامة: "إنا كنا عن هذا غافلين"، إنا كنا لا نعلم ذلك، وكنا في غفلة منه = أو تقولوا: ﴿إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم﴾، اتبعنا منهاجهم = ﴿أفتهلكنا﴾، بإشراك من أشرك من أبائنا، واتباعنا منهاجَهم على جهل منا بالحق؟ ويعني بقوله: ﴿بما فعل المبطلون﴾، بما فعل الذين أبطلوا في دَعواهم إلهًا غير الله.
واختلفت القرأة في قراءة ذلك. فقرأ بعض المكيين والبصريين: "أَنْ يَقُولُوا" بالياء، بمعنى: شهدنا لئلا يقولوا، على وجه الخبر عن الغَيَب.
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾، بالتاء على وجه الخطابِ من الشهود للمشهود عليهم.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان صحيحتا المعنى، متَّفقتَا التأويل، وإن اختلفت ألفاظهما، لأن العرب تفعل ذلك في الحكاية، كما قال الله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ و ﴿لَيُبَيِّنُنَّهُ﴾ [سورة آل عمران: ١٨٧]، وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته. (1)
حواشي المحقّق (1)
- (1)انظر ما سلف في فهارس مباحث العربية والنحو وغيرهما.
وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ بَنِي آدَمَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ، شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ وَمَلِيكُهُمْ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى فَطَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَلَهُمْ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الرُّومِ:٣٠] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ -وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ -فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُولَدُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ" وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَقُولُ اللَّهُ [تَعَالَى] (1) إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ فَجَاءَتْهُمُ (2) الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ، عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ" (3)
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى: أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ حَدَّثَهُمْ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سُرَيْعٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ غَزَوَاتٍ، قَالَ: فَتَنَاوَلَ الْقَوْمُ الذُّرِّيَّةَ بَعْدَ مَا قَتَلُوا الْمُقَاتَلَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَاوَلُونَ الذُّرِّيَّةَ؟ " قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسُوا أَبْنَاءَ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: "إِنَّ خِيَارَكُمْ أَبْنَاءُ الْمُشْرِكِينَ! أَلَا إِنَّهَا لَيْسَتْ نِسْمَةٌ تُولَدُ إِلَّا وُلِدَتْ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَمَا تَزَالُ عَلَيْهَا حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهَا لِسَانُهَا، فَأَبَوَاهَا يُهَوِّدَانِهَا أَوْ (4) يُنَصِّرَانِهَا". قَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ] ﴾ (5) الآية (6) وقد رواه الإمام أحمد، عَنِ اسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (7) بِهِ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ هُشَيْم، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: حدثنا الأسود ابن سَرِيع، فَذَكَرَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَاسْتِحْضَارَهُ الْآيَةَ عِنْدَ ذَلِكَ (8)
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي أَخْذِ الذُّرِّيَّةِ مِنْ صلْب آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَمْيِيزِهِمْ إِلَى أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَ [إِلَى] (9) أَصْحَابِ الشِّمَالِ، وَفِي بَعْضِهَا (10) الِاسْتِشْهَادُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاج، حَدَّثَنَا شُعْبة، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الجَوْني، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟ " قَالَ: "فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ آدَمَ (11) أَلَّا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي".
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ (12)
حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ -يَعْنِي ابْنَ حَازِمٍ -عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَابِرٍ (13) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (14) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِنُعْمَانَ. يَعْنِي (15) عَرَفَةَ فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا فَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قُبُلًا قَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ -صَاعِقَةٍ -عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ، بِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ (16) بِهِ. إِلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي حَاتِمٍ جَعَلَهُ مَوْقُوفًا. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْر، بِهِ. وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَقَدِ احْتَجَّ مُسْلِمٌ بِكُلْثُومِ بْنِ جُبَيْرٍ (17) (18) هَكَذَا قَالَ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ (19) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَوَقَفَهُ (20) وَكَذَا رواه إسماعيل بن عُلَيَّةَ ووَكِيع، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كُلْثُومٍ، عَنْ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ. (21) وَكَذَا رَوَاهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَعَلِيُّ بْنُ بَذِيمة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (22) قَوْلُهُ، وَكَذَا رَوَاهُ العَوْفي وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (23) فَهَذَا أَكْثَرُ وَأَثْبَتُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَة الضُّبَعِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (24) قَالَ: أَخْرَجَ اللَّهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (25) مِنْ ظَهْرِهِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ، وَهُوَ فِي آذِي مِنَ الْمَاءِ.
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا ضَمْرَة بْنُ رَبِيعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ عَنْ جُوبير قَالَ: مَاتَ ابْنٌ لِلضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِم، [وَهُوَ] (26) ابْنُ سِتَّةِ أَيَّامٍ. قَالَ: فَقَالَ: يَا جَابِرُ، إِذَا أَنْتَ وَضَعْتَ ابْنِي فِي لَحْدِهِ، فَأَبْرِزْ وَجْهَهُ، وحُلّ عَنْهُ عُقَدَهُ، فَإِنَّ ابْنِي مُجْلَس، وَمَسْئُولٌ. فَفَعَلْتُ بِهِ الَّذِي أَمَرَ، فَلَمَّا فَرَغْتُ قُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، عَمَّ يُسأل ابْنُكَ؟ مَنْ يَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟ قَالَ: يُسْأل عَنِ الميثاق الذي أقر به في (27) صلب آدم. قُلْتُ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَمَا هَذَا الْمِيثَاقُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ فِي (28) صُلْبِ آدَمَ؟ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (29)؛ أَنَّ اللَّهَ مَسَحَ صُلْبَ آدَمَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ كُلَّ نَسَمَةٍ هُوَ خَلَقَهَا (30) إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأَخَذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَتَكَفَّلَ لَهُمْ بِالْأَرْزَاقِ، ثُمَّ أَعَادَهُمْ فِي صُلْبِهِ. فَلَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى يُولَدَ مَنْ أَعْطَى الْمِيثَاقَ يَوْمَئِذٍ، فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ الْآخِرَ فَوَفَّى بِهِ، نَفَعَهُ الْمِيثَاقُ الْأَوَّلُ. وَمَنْ أَدْرَكَ الْمِيثَاقَ الْآخِرَ فَلَمْ يَفِ (31) بِهِ، لَمْ يَنْفَعْهُ الْمِيثَاقُ الْأَوَّلُ. وَمَنْ مَاتَ صَغِيرًا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ الْمِيثَاقَ الْآخَرَ، مَاتَ عَلَى الْمِيثَاقِ الْأَوَّلِ عَلَى الْفِطْرَةِ (32)
فَهَذِهِ الطُّرُقُ كُلُّهَا مِمَّا تقوِّي وَقْف هَذَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْأَجْلَحِ، عَنِ الضَّحَّاكِ وَعَنْ (33) -مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ -عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قَالَ: "أَخَذَ مِنْ ظَهْرِهِ، كَمَا يُؤْخَذُ بِالْمُشْطِ مِنَ الرَّأْسِ، فَقَالَ لَهُمْ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ ﴿شَهِدْنَا أَنْ يَقُولُوا﴾ (34) يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (35)
أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَيْبَةَ هَذَا هُوَ: أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُرْجَانِيُّ قَاضِي قَوْمَسَ، كَانَ أَحَدَ الزُّهَّادِ، أَخْرَجَ لَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيّ: حَدَّثَ بِأَحَادِيثَ أَكْثَرُهَا (36) غَرَائِبُ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عن منصور، عن مجاهد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَوْلُهُ، وَكَذَا رَوَاهُ جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهِ. وَهَذَا أَصَحُّ (37) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ -هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ -حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسةَ: أَنَّ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، أَخْبَرَهُ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسار الجُهَني: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِل عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ الْآيَةَ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، سُئل عَنْهَا، فَقَالَ: "إِنِ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، قَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ. ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، قَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ، اسْتَعْمَلَهُ بِأَعْمَالِ (38) أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُدْخِلَهُ (39) بِهِ الْجَنَّةَ. وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ، اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ، فَيُدْخِلَهُ (40) بِهِ النَّارَ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ القَعْنَبي -وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ -وَالتِّرْمِذِيُّ (41) عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى، عَنْ مَعْن. وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حديث روح ابن عُبَادَةَ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانٍ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ، كُلُّهُمْ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، بِهِ (42)
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَار لَمْ يَسْمَعْ (43) عُمَر. وَكَذَا قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو زُرْعَة. زَادَ أَبُو حَاتِمٍ: وَبَيْنَهُمَا نُعَيْم بْنُ رَبِيعَةَ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُصَفَّى، عَنْ بَقِيَّةَ، عن عمر ابن جُعْثُم (44) الْقُرَشِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَة، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَار الْجُهَنِيِّ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (45) وَقَدْ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فَذَكَرَهُ (46)
وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَقَدْ تَابَعَ عُمَرَ بْنَ جُعْثُم بْنِ زَيْدِ بْنِ سِنان أَبُو فَرْوَة الرَّهَاوي، وَقَوْلُهُمَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (47)
قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا إِنَّمَا أَسْقَطَ ذِكْرَ "نُعَيْمَ بْنَ رَبِيعَةَ" عمدًا؛ لما جهل حاله ولم يعرفه، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَذَلِكَ يُسْقِطُ ذِكْرَ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَا يَرْتَضِيهِمْ؛ وَلِهَذَا يُرْسِلُ كَثِيرًا مِنَ الْمَرْفُوعَاتِ، وَيَقْطَعُ كَثِيرًا مِنَ الْمَوْصُولَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الْآيَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (48) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] (49) آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمة هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبيصًا مِنْ نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ ذَرِّيَّتُكَ. فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيص مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الْأُمَمِ مِنْ ذُرّيتك، يُقَالُ لَهُ: دَاوُدُ. قَالَ: رَبِّ، وَكَمْ جَعَلْتَ عُمُرَهُ؟ قَالَ: سِتِّينَ سَنَةً. قَالَ: أَيْ رَبِّ، زِدْهُ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً. فَلَمَّا انْقَضَى عُمُرُ آدَمَ، جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ قَالَ: أَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ (50) سَنَةً؟ قَالَ: أوَ لَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ؟ قَالَ: فَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ".
ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوي مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي نُعَيْم الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْن، بِهِ. وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ (51)
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ، إِلَى أَنْ قَالَ: "ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ: يَا آدَمُ، هَؤُلَاءِ ذَرِّيَّتُكَ. وَإِذَا فِيهِمُ الْأَجْذَمُ وَالْأَبْرَصُ وَالْأَعْمَى، وَأَنْوَاعُ الْأَسْقَامِ، فَقَالَ آدَمُ: يَا رَبِّ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا بِذُرِّيَّتِي؟ قَالَ: كَيْ تُشْكَرَ نِعْمَتِي. وَقَالَ آدَمُ: يَا رَبِّ، مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرَاهُمْ أظْهَرَ النَّاسِ نُورًا؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءُ يَا آدَمُ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ". ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ دَاوُدَ، كَنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ (52)
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَتَادَةَ النَّصْري (53) عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُبْدَأُ الْأَعْمَالُ، أَمْ قَدْ قُضِي الْقَضَاءُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَخَذَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ، ثُمَّ أَشْهَدُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ أَفَاضَ بِهِمْ فِي كَفَّيْهِ" ثُمَّ قَالَ: "هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ، فَأَهْلُ الْجَنَّةِ مُيَسَّرون لِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ مُيَسَّرون لِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ".
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ من طرق عنه (54) حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيْرِ -وَهُوَ ضَعِيفٌ -عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، وَقَضَى الْقَضِيَّةَ، أَخَذَ أَهْلَ الْيَمِينِ بِيَمِينِهِ وَأَهْلَ الشِّمَالِ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: يَا أَصْحَابَ الْيَمِينِ. فَقَالُوا: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: يَا أَصْحَابَ الشِّمَالِ. قَالُوا: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى ثُمَّ خَلَطَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَبِّ، لِمَ خَلَطْتَ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: لَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ، أَنْ يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، ثُمَّ رَدَّهُمْ فِي صُلْبِ آدَمَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (55). رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/٢٨٧) من طريق عثمان بن االهيثم، عن جعفر بن الزبير به. وجعفر بن الزبير ضعيف جدا، وقد توبع:
تابعه بشر بن نمير عن القاسم عن أبي أمامة بنحوه. ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم (٢٢٨) والعقيلي في الضعفاء الكبير (١/٥١)، ولكن لم يفرح بهذه المتابعة فإن بشر بن نمير متروك متهم.]]
أَثَرٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبي بْنِ كَعْبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (56) فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (57) ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الْآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا، قَالَ: فَجَمْعُهُمْ لَهُ يَوْمَئِذٍ جَمِيعًا، مَا هُوَ كَائِنٌ مِنْهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا ثُمَّ صَوَّرَهُمْ ثُمَّ اسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلَّمُوا، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، الْآيَةَ. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ، والأرَضِين السَّبْعَ، وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَمْ نَعْلَمْ بِهَذَا اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي، وَلَا رَبَّ غَيْرِي، فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، وَإِنِّي سَأُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلًا يُذَكِّرُونَكُمْ (58) عَهْدِي وَمِيثَاقِي، وَأْنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي. قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا، لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ. فَأَقَرُّوا لَهُ يَوْمَئِذٍ بِالطَّاعَةِ، وَرَفَعَ أَبَاهُمْ آدَمُ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى فِيهِمُ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ، وَحَسَنَ الصُّورَةِ وَدُونَ ذَلِكَ. فَقَالَ: يَا رَبِّ، لَوْ سَويت بَيْنَ عِبَادِكَ؟ قَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أُشْكَرَ. وَرَأَى فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءَ مِثْلَ السرُج عَلَيْهِمُ النُّورُ، وَخُصُّوا بِمِيثَاقٍ آخَرَ مِنَ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، فَهُوَ الَّذِي يَقُولُ تَعَالَى (59) ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ [وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا] (60) ﴾ [الْأَحْزَابِ:٧] وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ [الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ] ﴾ (61) الْآيَةَ [الرُّومِ:٣٠]، وَمِنْ ذَلِكَ قَالَ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى﴾ [النَّجْمِ:٥٦] وَمِنْ ذَلِكَ قَالَ: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ [وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ] (62) ﴾ [الْأَعْرَافِ:١٠٢].
رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدُويه فِي تَفَاسِيرِهِمْ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، بِهِ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ، سِيَاقَاتٍ تُوَافِقُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ، اكْتَفَيْنَا بِإِيرَادِهَا عَنِ التَّطْوِيلِ فِي تلك الآثار كلها، وبالله المستعان.
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ، وَمَيَّزَ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، وَأَمَّا الْإِشْهَادُ عَلَيْهِمْ هُنَاكَ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ، فَمَا هُوَ إِلَّا فِي حَدِيثِ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ (63) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (64) وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (65) وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمَا مَوْقُوفَانِ لَا مَرْفُوعَانِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ قَائِلُونَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْإِشْهَادِ إِنَّمَا هُوَ فَطْرهم عَلَى التَّوْحِيدِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعِيَاضِ بْنِ حمَار المُجَاشعي، وَمِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيع. وَقَدْ فَسَّرَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ الْآيَةَ بِذَلِكَ، قَالُوا: وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: "مِنْ آدَمَ"، ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ وَلَمْ يُقَلْ: "مِنْ ظَهْرِهِ" ﴿ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أَيْ: جَعَلَ نَسْلَهُمْ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وَقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ﴾ [الْأَنْعَامِ:١٦٥] وَقَالَ: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ﴾ [النَّمْلِ:٦٢] وَقَالَ: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ:١٣٣]
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أَيْ: أَوَجَدَهُمْ شَاهِدِينَ بِذَلِكَ، قَائِلِينَ لَهُ حَالًا وَقَالَا. وَالشَّهَادَةُ تَارَةً تَكُونُ بِالْقَوْلِ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] (66) ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ [الْأَنْعَامِ:١٣٠] الْآيَةَ، وَتَارَةً تَكُونُ حَالًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التَّوْبَةِ:١٧] أَيْ: حَالُهُمْ شَاهِدٌ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ لَا أَنَّهُمْ قَائِلُونَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ (67) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [الْعَادِيَاتِ:٧] كَمَا أَنَّ السُّؤَالَ تَارَةً يَكُونُ بِالْقَالِ، وَتَارَةً يَكُونُ بِالْحَالِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ:٣٤] قَالُوا: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا هَذَا، أَنْ جَعَلَ هَذَا الْإِشْهَادَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي الْإِشْرَاكِ، فَلَوْ كَانَ قَدْ وَقَعَ هَذَا كَمَا قَالَهُ مَنْ قَالَ (68) لَكَانَ كُلُّ أَحَدٍ يَذْكُرُهُ، لِيُكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: إِخْبَارُ الرَّسُولِ بِهِ كَافٍ فِي وُجُودِهِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُكَذِّبِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُكَذِّبُونَ بِجَمِيعِ مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ. وَهَذَا جَعَلَ حُجَّةً مُسْتَقِلَّةً عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْفِطْرَةُ الَّتِي فُطِروا عَلَيْهَا مِنَ الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ (69) أَيْ: لِئَلَّا يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ أَيْ: [عَنِ] (70) التَّوْحِيدِ ﴿غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا﴾ (71) الْآيَةَ.
حواشي المحقّق (71)
- (1)زيادة من ك، م.
- (2)في م: "فجاءت".
- (3)صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥) ، وسبق تخريجه هو والذي قبله عند الآية: ٣٠.
- (4)في م: "و".
- (5)زيادة من أ.
- (6)تفسير الطبري (١٣/٣٢١) .
- (7)المسند (٣/٤٣٥) .
- (8)سنن النسائي الكبرى برقم (٨٦١٦) .
- (9)زيادة من ك، م، أ.
- (10)في أ: "وفي بعض".
- (11)في أ: "ظهر أبيك".
- (12)المسند (٣/١٢٧) وصحيح البخاري برقم (٣٣٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٨٠٥) .
- (13)في ك، م: "جبر"، وفي أ: "جبير".
- (14)زيادة من أ.
- (15)في ك، م، أ: "يوم".
- (16)المسند (١/٢٧٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٩١) وتفسير الطبري (١٣/٢٢٢) وقال النسائي: "كلثوم هذا ليس بالقوى، وحديثه ليس بالمحفوظ".
- (17)في ك، م: "جبر".
- (18)المستدرك (١/٢٧) .
- (19)في أ: "جبير".
- (20)أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/١٧٢) .
- (21)رواه الطبري في تفسيره (١٣/٢٢٤) من طريق ابن علية ورواه (١٣/٢٢٩) من طريق وكيع.
- (22)تفسير الطبري (١٣/٢٢٧ - ٢٢٩) .
- (23)تفسير الطبري (١٣ / ٢٣٦، ٢٣٧) .
- (24)زيادة من أ.
- (25)زيادة من أ.
- (26)زيادة من م.
- (27)في ك، م، أ: "من".
- (28)في ك، م، أ: "من".
- (29)زيادة من أ.
- (30)في ك، م، أ: "خالقها".
- (31)في ك، م: "يقر".
- (32)تفسير الطبري (١٣/٢٣٠) .
- (33)في م: "بن".
- (34)في أ: "تقولوا".
- (35)تفسير الطبري (١٣/٢٣٢) قال الطبري: "ولأعلمه صحيحا؛ لأن الثقات الذين يعتمد على حفظهم واتقانهم، حدثوا بهذا الحديث عن الثوري فوقفوه على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه ولم يذكروا في الحديث هذا الحرف الذي ذكره أحمد بن أبي طيبة عنه".
- (36)في ك، م، أ: "كثيرة".
- (37)تفسير الطبري (١٣/٢٣٣) .
- (38)في ك، م، أ: "بعمل".
- (39)في ك، م، أ: "فيدخل".
- (40)في أ: "فيدخل".
- (41)في ك، م، أ: "والترمذي في تفسيرهما".
- (42)المسند (١/٤٤) وسنن أبي داود برقم (٤٧٠٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٩٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٧٥) وتفسير الطبري (١٣/٢٣٣) .
- (43)في أ: "لم يسمع من".
- (44)في أ: "عمرو بن خثعم".
- (45)زيادة من أ.
- (46)سنن أبي داود برقم (٤٧٠٤) ورواه الطبري في تفسيره (١٣/٢٣٥) من طريق محمد بن مصفى، به.
- (47)العلل للدارقطني (٢/٢٢١ - ٢٢٣) .
- (48)زيادة من أ.
- (49)زيادة من أ.
- (50)في د، أ: "أربعين".
- (51)سنن الترمذي برقم (٣٠٧٦) والمستدرك (٢/٣٢٥) .
- (52)ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم (١٠١٥) من طريق محمد بن شعيب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، به. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ضَعِيفُ.
- (53)في أ: "البصري".
- (54)تفسير الطبري (١٣/٢٤٤) وقد توسع الشيخ محمود شاكر في الكلام عليه في الحاشية بما يغني عن إعادته هنا.
- (55)زيادة من أ.
- (56)زيادة من أ.
- (57)في أ: "الله عز وجل".
- (58)في أ: "ينذرونكم".
- (59)في أ: "عز وجل".
- (60)زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".
- (61)زيادة من ك، م، أ.
- (62)زيادة من د، ك، م، أ، وفي هـ: "الآية".
- (63)في أ: "جبير".
- (64)زيادة من أ.
- (65)زيادة من أ.
- (66)زيادة من أ.
- (67)في ك: "وكذا"، وفي م: "وهذا كقوله".
- (68)في م، أ: "قاله".
- (69)في ك، م، أ: "تقولوا".
- (70)زيادة من م، أ.
- (71)في م: "تقولوا".
وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ
القول في تأويل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكما فصلنا يا محمد لقومك آيات هذه السورة، وبيّنا فيها ما فعلنا بالأمم السالفة قبلَ قومك، (1) وأحللنا بهم من المَثُلات بكفرهم وإشراكهم في عبادتي غيري، كذلك نفصل الآيات غيرِها ونبيّنها لقومك، لينزجروا ويرتدعوا، فينيبوا إلى طاعتي ويتوبوا من شركهم وكفرهم، فيرجعوا إلى الإيمان والإقرار بتوحيدي وإفراد الطاعة لي وترك عبادة ما سواي.
القول في تأويل قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: "واتل"، يا محمد، على قومك = "نبأ الذي آتيناه آياتنا"، يعني خبره وقصته. (2)
وكانت آيات الله للذي آتاه الله إياها فيما يقال: اسم الله الأعظم = وقيل: النبوّة.
واختلف أهل التأويل فيه.
فقال بعضهم: هو رجل من بني إسرائيل. (3)
ذكر من قال ذلك:
١٥٣٨١ - حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله في هذه الآية: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾ قال: هو بَلْعَم.
١٥٣٨٢ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، مثله.
١٥٣٨٣ -.... قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: هو بلعم بن أَبَر.
١٥٣٨٤ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، في قوله: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا﴾ قال: رجل من بني إسرائيل يقال له: بَلْعَم بن أَبَر.
١٥٣٨٥ - حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر وابن مهدي وابن أبي عدي، قالوا: حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: أنه قال في هذه الآية، فذكر مثله =ولم يقل: "بن أبر".
١٥٣٨٦ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾ قال: رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم بن أَبَر.
١٥٣٨٧ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمران بن عيينة، عن حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس قال: هو بلعم بن باعر.
١٥٣٨٨ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، في قوله: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا﴾ إلى ﴿فكان من الغاوين﴾، هو بلعم بن أبَر.
١٥٣٨٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن منصور عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، مثله =إلا أنه قال ابن أَبُر، بضم "الباء".
١٥٣٩٠ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾ قال: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له: بلعم.
١٥٣٩١ - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فانسلخ منها﴾ قال: بلعام بن باعر، من بني إسرائيل.
١٥٣٩٢ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول، فذكر مثله.
١٥٣٩٣ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدًا يقول، فذكر مثله.
١٥٣٩٤ - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن وابن أبي عدي، عن شعبة، عن حصين، عن عكرمة قال في الذي ﴿آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾ قال: هو بلعام.
١٥٣٩٥ - وحدثنا ابن وكيع قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن حصين، عن عكرمة قال: هو بلعم.
١٥٣٩٦ -.... قال: حدثنا عمران بن عيينة، عن حصين، عن عكرمة قال: هو بلعم.
١٥٣٩٧ - حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر قال: حدثنا شعبة، عن حصين قال: سمعت عكرمة يقول: هو بلعام.
١٥٣٩٨ - حدثنا الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل، عن حصين، عن مجاهد قال: هو بلعم.
١٥٣٩٩ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل، عن مغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: هو بلعم. =
وقالت ثقيف: هو أمية بن أبي الصلت. (4)
وقال آخرون: كان بلعم هذا من أهل اليمن.
ذكر من قال ذلك:
١٥٤٠٠ - حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾ قال: هو رجل يدعى بلعم، من أهل اليمن.
وقال آخرون: كان من الكنعانيين.
ذكر من قال ذلك:
١٥٤٠١ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾ قال: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له: بلعم.
وقال آخرون: هو أمية بن أبي الصلت.
ذكر من قال ذلك:
١٥٤٠٢ - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سعيد بن السائب، عن غطيف بن أبي سفيان، عن يعقوب ونافع بن عاصم، عن عبد الله بن عمرو قال في هذه الآية: ﴿الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾ قال: هو أمية بن أبي الصلت. (5)
١٥٤٠٣ - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي قال: أنبأنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن نافع بن عاصم قال: قال عبد الله بن عمرو: هو صاحبُكم أمية بن أبي الصلت. (6)
١٥٤٠٤ - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن ووهب بن جرير قالا حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن نافع بن عاصم، عن عبد الله بن عمرو، بمثله.
١٥٤٠٥ - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن رجل، عن عبد الله بن عمرو: ﴿ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه﴾ قال: هو أمية بن أبي الصلت.
١٥٤٠٦ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء قال: سمعت نافع بن عاصم بن عروة بن مسعود قال: سمعت عبد الله بن عمرو قال في هذه الآية: ﴿الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾ قال: هو صاحبكم = يعني أمية بن أبي الصلت.
١٥٤٠٧ -.... قال: حدثنا أبي، عن سفيان عن حبيب، عن رجل، عن عبد الله بن عمرو قال: هو أمية بن أبي الصلت.
١٥٤٠٨ -.... قال: حدثنا يزيد، عن شريك، عن عبد الملك، عن فضالة =أو ابن فضالة= عن عبد الله بن عمرو قال: هو أمية.
١٥٤٠٩ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن عبد الملك بن عمير قال: تذاكروا في جامع دمشق هذه الآية: ﴿فانسلخ منها﴾، فقال بعضهم: نزلت في بلعم بن باعوراء، وقال بعضهم: نزلت في الراهب. (7) = فخرج عليهم عبد الله بن عمرو بن العاص، فقالوا: فيمن نزلت هذه؟ قال: نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي.
١٥٤١٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الكلبي: ﴿الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾ قال: هو أمية بن أبي الصلت، وقال قتادةُ: يشكّ فيه، يقول بعضهم: بلعم، ويقول بعضهم: أمية بن أبي الصلت.
قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في الآيات التي كان أوتيها، التي قال جل ثناؤه: ﴿آتيناه آياتنا﴾.
فقال بعضهم: كانت اسمَ الله الأعظم.
ذكر من قال ذلك:
١٥٤١١ - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي قال: إن الله لما انقضت الأربعون سنة = يعني التي قال الله فيها: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، [سورة المائدة: ٢٦] بعث يوشع بن نون نبيًّا، فدعا بني إسرائيل، فأخبرهم أنه نبيٌّ، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبَّارين، فبايعوه وصدَّقوه. وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له: "بلعم" وكان عالمًا يعلم الاسم الأعظم المكتوم، فكفر، وأتى الجبارين، فقال: لا ترهبوا بني إسرائيل، فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوةً فيهلكون! وكان عندهم فيما شاء من الدنيا، غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساءَ من عِظَمهنّ، (8) فكان ينكح أتانًا له، (9) وهو الذي يقول الله: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾،: أي تبصَّر، (10) فانسلخ منها، إلى قوله: ﴿ولكنه أخلد إلى الأرض﴾. (11)
١٥٤١٢ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا﴾ قال: هو رجل يقال له: "بلعم"، وكان يعلم اسم الله الأعظم.
١٥٤١٣ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾ قال: كان لا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه.
وقال آخرون: بل الآيات التي كان أوتيها كتابٌ من كتب الله.
ذكر من قال ذلك:
١٥٤١٤ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن مجاهد، وعكرمة، عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل بلعام بن باعر أوتي كتابًا. (12)
وقال آخرون: بل كان أوتي النبوّة.
ذكر من قال ذلك:
١٥٤١٥ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد، عن غيره = قال: الحارث: قال عبد العزيز: يعني: عن غير نفسه=، عن مجاهد قال: هو نبي في بني إسرائيل، يعني بلعم، أوتي النبوّة، فرشاه قومه على أن يسكت، ففعل وتركهم على ما هُمْ عليه.
١٥٤١٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، أنه سُئل عن الآية: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾، فحدّث عن سَيَّار أنه كان رجلا يقال له "بلعام"، وكان قد أوتي النبوّة، وكان مجابَ الدعوة. (13)
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمرَ نبيه ﷺ أن يتلو على قومه خبرَ رجلٍ كان الله آتاه حُجَجه وأدلته، وهي "الآيات".
وقد دللنا على أن معنى "الآيات": الأدلة والأعلام، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (14) =
وجائز أن يكونَ الذي كان الله آتاه ذلك "بلعم" =وجائز أن يكون أمية. وكذلك "الآيات" إن كانت بمعنى الحجة التي هي بعض كتب الله التي أنزلها على بعض أنبيائه، فتعلمها الذي ذكره الله في هذه الآية، وعناه بها؛ فجائز أن يكون الذي كان أوتيها "بلعم" =وجائز أن يكون "أمية"، لأن "أمية" كان، فيما يقال، قد قرأ من كتب أهل الكتاب.
وإن كانت بمعنى كتاب أنزله الله على مَنْ أمر نبيَّ الله عليه الصلاة والسلام أن يتلوَ على قومه نبأه =أو بمعنى اسم الله الأعظم= أو بمعنى النبوّة =، فغير جائز أن يكون معنيًّا به "أمية"؛ لأن "أمية" لا تختلف الأمة في أنه لم يكن أوتي شيئًا من ذلك، ولا خبرَ بأيِّ ذلك المراد، وأيّ الرجلين المعنيّ، يوجب الحجة، ولا في العقل دلالة على أيِّ ذلك المعنيُّ به من أيٍّ. (15) فالصواب أن يقال فيه ما قال الله، ونُقِرّ بظاهر التنزيل على ما جاء به الوحي من الله.
وأما قوله: ﴿فانسلخ منها﴾، فإنه يعني: خرج من الآيات التي كان الله آتاها إياه، فتبرَّأ منها.
وبنحو ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٤١٧ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: لما نزل موسى عليه السلام.... (16) =يعني بالجبارين= ومن معه، أتاه =يعني بلعم= أتاه بنُو عمّه وقومُه، (17) فقالوا: إن موسى رجلٌ حديد، ومعه جنودٌ كثيرة، وإنه إنْ يظهر علينا يهلكنا. فادع الله أن يردَّ عنَّا موسى ومن معه. قال: إني إنْ دعوت الله أن يردَّ موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي! فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخه الله مما كان عليه، فذلك قوله: ﴿فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين﴾.
١٥٤١٨ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان الله آتاه آياته فتركها.
١٥٤١٩ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿فانسلخ منها﴾ قال: نزع منه العلم.
وقوله: ﴿فأتبعه الشيطان﴾، يقول: فصيَّره لنفسه تابعًا ينتهي إلى أمره في معصية الله، ويخالف أمر ربِّه في معصية الشيطان وطاعةِ الرحمن.
وقوله: ﴿فكان من الغاوين﴾، يقول: فكان من الهالكين، لضلاله وخلافه أمر ربه، وطاعة الشيطان. (18)
حواشي المحقّق (18)
- (1)انظر تفسير ((التفصيل)) فيما سلف ص: ١٠٦، تعليق: ٥، والمراجع هناك = وتفسير ((الآية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .
- (2)انظر تفسير ((تلا)) فيما سلف: ١٢: ٢١٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك = وتفسير ((النبأ)) فيما سلف ص: ٧ تعليق: ١، والمراجع هناك.
- (3)انظر خبر ((بلعم بن باعور)) في تاريخ الطبري ١: ٢٢٦ - ٢٢٨.
- (4)هذه الجملة، ((وقالت ثقيف ... )) ، حذفت من المطبوعة، وهي ثابتة في المخطوطة، ولا أدري أهي من كلام أبي جعفر، أم كلام ابن عباس، أو من كلام بعض رواة خبر ابن عباس. والأرجح أنها من قول بعض رواة الخبر.
- (5)(٢) الأثر: ١٥٤٠٢ - ((سعيد بن السائب بن يسار الثقفي الطائفي)) ، ((سعيد بن أبي حفص)) ثقة، كان بعضهم يعده من الأبدال، وكانت لا تجف له دمعة. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ١ / ٤٣٩، وابن أبي حاتم ٢/١/٣٠. و ((غطيف بن أبي سفيان الطائفي)) أو ((غضيف)) ، تابعى ثقة. مترجم في التهذيب ٠ (غضيف) ، والكبير ٤/١/١٠٦ (غطيف) ، وابن أبي حاتم ٣/٢/٥٥، (غضيف) . وكان في المطبوعة: ((غضيف)) ، وأثبت ما في المخطوطة. و ((نافع بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي)) ، تابعي ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ٢ / ٨٤، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٤٥٤.
- (6)الأثر: ١٥٤٠٣ - ((يعلى بن عطاء العامري الطائفي)) ، مضى برقم: ٢٨٥٨، ١١٥٢٧، ١١٥٢٩. ((نافع بن عاصم الثقفي)) ، مضى في الأثر السالف، ولذلك قال له عبد الله بن عمرو: ((هو صاحبكم)) ، لأنه ثقفي مثله.
- (7)((الراهب)) ، هو ((أبو عامر الراهب، عبد عمرو بن صيفي من مالك بن النعمان)) ، كان يسمى في الجاهلية ((الراهب)) ، فسماه رسول الله ﷺ ((أبا عامر الفاسق)) ، وخبره مشهور في السير.
- (8)في المطبوعة: ((النساء يعظمهن)) ، غير ما في المخطوطة، فأفسد. وإنما عنى عظم نساء الجبارين، وقد وصفوا بأجسام لا يعرف قدرها إلا الله.
- (9)((الأتان)) أنثى الحمار.
- (10)في المطبوعة: ((أي تنصل)) ، وأثبت ما في المخطوطة. أما في التاريخ: ((فبصر)) ، والصواب ما في المخطوطة.
- (11)الأثر: ١٥٤١١ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٢٢٧، ٢٢٨، وسيأتي بتمامه برقم: ١٥٤٢٣.
- (12)الأثر: ١٥٤١٤ - سيأتي مطولا برقم: ١٥٤٣٢.
- (13)الأثر: ١٥٤١٦ - سيأتي بطوله برقم ١٥٤٢٠.
- (14)انظر تفسير ((الآية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أيى) .
- (15)(١) السياق: ((ولا خبر بأي ذلك المراد، وأي الرجلين المعنى ... ولا في العقل دلالة على أي ذلك المعنى به من أي)) . وانظر تفسير ((أي ذلك من أي)) فيما سلف ص: ١٨٢، تعليق: ١، والمراجع هناك. وكان في المطبوعة والمخطوطة: ((على أن ذلك المعنى به من أي)) ، والصواب ما أثبت.
- (16)في المخطوطة، بياض بعد ((عليه السلام)) ، وبالهامش حرف (ط) دلالة على الخطأ.
- (17)في المطبوعة، حذف ((أتاه)) الثانية.
- (18)انظر تفسير ((غوى)) فيما سلف ٥: ٤١٦ / ١٢: ٣٣٣ / ١٣: ١١٤.
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا ۚ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو شئنا لرفعنا هذا الذي آتيناه آياتنا بآياتنا التي آتيناه = ﴿ولكنه أخلد إلى الآرض﴾، يقول: سكن إلى الحياة الدنيا في الأرض، ومال إليها، وآثر لذتها وشهواتها على الآخرة= "واتبع هواه"، ورفض طاعة الله وخالَف أمرَه.
وكانت قصة هذا الذي وصف الله خبرَه في هذه الآية، على اختلاف من أهل العلم في خبره وأمره، ما:-
١٥٤٢٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا المعتمر، عن أبيه: أنه سئل عن الآية: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾، فحدّث عن سيار أنه كان رجلا يقال له بلعام، وكان قد أوتي النبوّة، وكان مجاب الدعوة (1) قال: وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام =أو قال الشأم= قال: فرُعب الناس منه رعْبًا شديدًا. قال: فأتوا بلعام، (2) فقالوا: ادع الله على هذا الرجل وجيشه! قال: حتى أُوَامر ربّي =أو حتى أؤامر (3) = قال: فوامر في الدعاء عليهم، (4) فقيل له: لا تدع عليهم، فإنهم عبادي، وفيهم نبيهم! قال: فقال لقومه: إني قد وَامَرْتُ ربي في الدعاء عليهم، (5) وإني قد نهيت. قال: فأهدوا إليه هدية فقبلها. ثم راجعوه، فقالوا: ادع عليهم! فقال: حتى أوامر! فوامر، فلم يَحُر إليه شيء. (6) قال: فقال: قد وامرت فلم يَحُرْ إليَّ شيء! (7) فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم، لنهاك كما نهاك المرةَ الأولى. (8) قال: فأخذ يدعو عليهم، فإذا دعا عليهم جَرَى على لسانه الدُّعاء على قومه؛ وإذا أراد أن يدعو أن يُفْتَح لقومه، دعا أن يفتَح لموسى وجيشه =أو نحوا من ذلك إن شاء الله. فقال: فقالوا ما نراك تدعو إلا علينا! قال: ما يجري على لساني إلا هكذا، ولو دعوت عليه ما استجيب لي، ولكن سأدلّكم على أمرٍ عَسَى أن يكون فيه هلاكهم: إن الله يُبْغِض الزنا، وإنهم إن وقعوا بالزنا هلكوا، ورجوت أن يهلكهم الله، فأخرجوا النساء فليستقبلنهم، (9) وإنهم قوم مسافرون، فعسى أن يزنُوا فيهلكوا. قال: ففعلوا، وأخرجوا النساء يستقبلنهم. (10) قال: وكان للملك ابنة، فذكر من عِظَمها ما الله أعلم به! قال: فقال أبوها، أو بلعام: لا تُمْكِني نفسك إلا من موسى! قال: ووقعوا في الزنا. قال: وأتاها رأس سبط من أسباط بني إسرائيل، فأرادها على نفسه قال: فقالت: ما أنا بممكنةِ نفسِي إلا من موسى! قال: فقال: إنّ من منزلتي كذا وكذا، وإن من حالي كذا وكذا! قال: فأرسلت إلى أبيها تستأمره، قال: فقال لها: فأمكنيه. (11) قال: ويأتيهما رجل من بني هارون ومعه الرمح فيطعنهما قال: وأيَّده الله بقوة فانتظمهما جميعًا، ورفعهما على رمحه. (12) قال: فرآهما الناس =أو كما حدَّث. قال: وسلط الله عليهم الطاعون. قال: فمات منهم سبعون ألفا. قال: فقال أبو المعتمر: فحدثني سَيّار أن بلعامًا ركب حمارةً له، حتى إذا أتى الفُلول =أو قال: طريقًا بين الفُلول (13) = جعل يضربها ولا تُقْدِم. (14) قال: وقامت عليه، فقالت: علامَ تضربني؟ أما ترى هذا الذي بين يديك! قال: فإذا الشيطان بين يديه. قال: فنزل فسجد له، قال الله: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين﴾ إلى قوله: ﴿لعلهم يتفكرون﴾ = قال: فحدثني بهذا سيّار، ولا أدري لعله قد دخل فيه شيء من حديث غيره. (15)
١٥٤٢١ - حدثنا ابن عبد الأعلى قال: حدثنا المعتمر، عن أبيه قال: وبلغني حديث رجلٍ من أهل الكتاب يحدّث: (16) أن موسى سأل الله أن يطبَعه، وأن يجعله من أهل النار. قال: ففعل الله. قال: أنبئت أن موسى قَتَله بعدُ.
١٥٤٢٢ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سالم أبي النضر، أنه حدَّث: أن موسى لما نزل في أرض بني كنعان من أرض الشأم = [وكان بلعم ببالعة، قرية من قرى البلقاء. فلمَّا نزل موسى ببني إسرائيل ذلك المنزل] (17) أتى قومَ بلعم إلى بلعم، فقالوا له: يا بلعم، إن هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل، قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويُحِلُّها بني إسرائيل ويُسْكنها، وإنّا قومك، وليس لنا منزلٌ، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادعُ الله عليهم! (18) فقال: ويلكم! نبيُّ الله معه الملائكة والمؤمنون، كيف أذْهبُ أدعو عليهم، وأنا أعلم من لله ما أعلم!! قالوا: ما لنا من منزل! فلم يزالوا به يرقِّقُونه، ويتضَرَّعون إليه، (19) حتى فتنوه فافتُتِن. فركب حمارةً له متوجِّهًا إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل. وهو جبل حُسْبَان. (20) فلما سار عليها غير كثير ربضت به، (21) فنزل عنها، فضربها، حتى إذا أذْلَقها قامت فركبها (22) فلم تسر به كثيرًا حتى ربضت به. ففعل بها مثل ذلك، فقامت فركبها فلم تسر به كثيرًا حتى ربضت به. فضربها حتى إذا أذلقها، أذن الله لها، فكلمته حُجَّةً عليه، فقالت: ويحك يا بلعم! أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردُّني عن وجهي هذا؟ (23) أتذهب إلى نبيّ الله والمؤمنين تدعو عليهم! فلم ينزع عنها يضربها، (24) فخلَّى الله سبيلها حين فعل بها ذلك. قال: فانطلقت حتى أشرفت به على رأس جبل حُسْبان (25) على عسكر موسى وبني إسرائيل، جعل يدعو عليهم، فلا يدعو عليهم بشيءٍ إلا صرف به لسانه إلى قومه، (26) ولا يدعو لقومه بخير إلا صُرِف لسانه إلى بني إسرائيل. قال: فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم، وتدعو علينا! قال: فهذا ما لا أملك، هذا شيءٌ قد غلب الله عليه. قال: واندلع لسانه فوقع على صدره، (27) فقال لهم: قد ذهبت الآنَ منّي الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتالُ، جمِّلوا النساء وأعطوهنّ السِّلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنَها فيه، ومُرُوهنَّ فلا تمنع امرأة نفسَها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى منهم واحدٌ كُفِيتُمُوهم! ففعلوا؛ فلما دخل النساءُ العسكر مرّت امرأة من الكنعانيين اسمها "كسبَى ابنة صور"، رأس أمته، برجل من عظماء بني إسرائيل، (28) وهو زمري بن شلوم، رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فقام إليها، فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها، ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى عليه السلام، فقال: إني أظنك ستقولُ هذه حرام عليك؟ فقال: أجل هي حرام عليك لا تقربْها! قال: فوالله لا نُطِيعك في هذا، (29) فدخل بها قُبَّته فوقع عليها. وأرسل الله الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون، صاحبَ أمر موسى، وكان رجلا قد أعطي بَسطَةً في الخلق وقوة في البطش، وكان غائبا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع. فجاء والطَّاعون يحوس في بني إسرائيل، (30) فأخبر الخبرَ، فأخذ حَرْبته. وكانت من حديد كلها، ثم دخل عليه القبة وهما متضاجعان، (31) فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصِرته، وأسند الحرية إلى لَحْيَيه، (32) =وكان بكر العيزار=، وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك! ورُفع الطاعون، فحُسِب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون، فيما بين أنْ أصاب زِمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوُجدوا قد هلك منهم سبعون ألفا، =والمقلّل يقول: عشرون ألفاً= في ساعة من النهار. فمن هنالك تُعطى بنو إسرائيل ولد فنحاص بن العيزار بن هارون من كلِّ ذبيحةٍ ذبحُوها القِبَةَ والذراع واللَّحْي، (33) لاعتماده بالحربة على خاصرته وأخذه إياها بذراعه وإسناده إيّاها إلى لحييه (34) =والبكرَ من كل أموالهم وأنفسُهم، لأنه كان بكر العيزار. ففي بلعم بن باعور، أنزل الله على محمد ﷺ: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾، يعني بلعم، ﴿فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين﴾،.. إلى قوله: ﴿لعلهم يتفكرون﴾ (35)
١٥٤٢٣ - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي قال: انطلق رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم، فأتى الجبارين فقال: لا ترهبوا من بني إسرائيل، فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم فيهلكون (36) فخرج يوشع يقاتل الجبارين في الناس. وخرج بلعم مع الجبّارين على أتانه وهو يريد أن يلعَنَ بني إسرائيل، فكلما أراد أن يدعو على بني إسرائيل، دعا على الجبارين، فقال الجبارون: إنك إنّما تدعو علينا! فيقول: إنما أردت بني إسرائيل. فلما بلغ باب المدينة، أخذ ملك بذنب الأتان، فأمسكها، فجعل يحرِّكها فلا تتحرك، فلما أكثر ضَرْبها، تكلمت فقالت: أنت تنكحني بالليل وتركبني بالنهار؟ ويلي منك! ولو أنِّي أطقتُ الخروج لخرجتُ، ولكن هذا المَلَك يحبسني. وفي بلعم يقول الله: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا﴾ (37).. الآية.
١٥٤٢٤ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثني رجل سمع عكرمة، يقول: قالت امرأة منهم: أروني موسى، فأنا أفتنه! قال: فتطيَّبت، فمرت على رجلٍ يشبه موسى، فواقعها، فأُتي ابنُ هارون فأُخبر، فأخذ سيفا، فطعن به في إحليله حتى أخرجه وأخرجه من قُبُلها (38) ثم رفعهما حتى رآهما الناس، فعلم أنه ليس موسى، ففضل آلُ هارون في الْقُرْبان على آل موسى بالكتد والعضُد والفَخِذ (39) قال: فهو الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها، يعني بلعم.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها﴾.
فقال بعضهم: معناه: لرفعناه بعلمه بها.
ذكر من قال ذلك:
١٥٤٢٥ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ﴿ولو شئنا لرفعنا بها﴾، لرفعه الله تعالى بعلمه.
وقال آخرون: معناه لرفعنا عنه الحال التي صار إليها من الكفر بالله بآياتنا.
ذكر من قال ذلك:
١٥٤٢٦ - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿ولو شئنا لرفعنا بها﴾،: لدفعناه عنه. (40)
١٥٤٢٧ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها﴾،: لدفعناه عنه. (41)
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عمّ الخبر بقوله: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها﴾، أنه لو شاء رفعه بآياته التي آتاه إياها. والرفع يَعمُّ معاني كثيرة، منها الرفع في المنزلة عنده، ومنها الرفع في شرف الدنيا ومكارمها. ومنها الرفع في الذكر الجميلِ والثّناء الرفيع. وجائزٌ أن يكون الله عنى كلَّ ذلك: أنه لو شاء لرفعه، فأعطاه كل ذلك، بتوفيقه للعمل بآياته التي كان آتاها إياه. وإذ كان ذلك جائزًا، فالصواب من القول فيه أن لا يخصَّ منه شيء، إذ كان لا دلالة على خصوصه من خبرٍ ولا عقلٍ. وأما قوله: ﴿بها﴾، فإن ابن زيد قال في ذلك كالذي قلنا.
١٥٤٢٨ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها﴾، بتلك الآيات. وأما قوله: ﴿ولكنه أخلد إلى الأرض﴾، فإن أهل التأويل قالوا فيه نحو قولنا فيه.
ذكر من قال ذلك:
١٥٤٢٩ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير: ﴿ولكنه أخلد إلى الأرض﴾، يعني: ركن إلى الأرض.
١٥٤٣٠ -.... قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير: ﴿ولكنه أخلد إلى الأرض﴾ قال: نزع إلى الأرض.
١٥٤٣١ - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "أخلد": سكن.
١٥٤٣٢ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة، عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل بلعام بن باعر أوتي كتابا، فأخلد إلى شهوات الأرض ولذتِها وأموالها، لم ينتفع بما جاء به الكتاب. (42)
١٥٤٣٣ - حدثنا موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه﴾، أما ﴿أخلد إلى الأرض﴾: فاتبع الدنيا، وركن إليها. قال أبو جعفر: وأصل "الإخلاد" في كلام العرب: الإبطاء والإقامة، يقال منه: "أخلد فلان بالمكان"، إذا أقام به وأخلد نفسه إلى المكان" إذا أتاه من مكان آخر، (43) ومنه قول زهير:
لِمَنْ الدِّيَارُ غَشِيتُهَا بِالْفَدْفَدِ كَالْوَحْيِ فِي حَجَرِ الْمَسِيلِ المُخْلِدِ (44)
يعني المقيم، ومنه قول مالك بن نويرة:
بِأَبْنَاء حَيٍّ مِنْ قَبَائِلِ مَالِكٍ وَعْمْرِو بن يَرْبُوعٍ أَقَامُوا فَأَخْلَدُوا [[الأصمعيات: ٣٢٣، من قصيدته قالها في يوم مخطط، وقبله، وهو أول الشعر: إلا أكُنْ لاقَيْتُ يومَ مخطط... فقد خبر الرُّكْبَانُ ما أتَوَدَّدُ
أتاني بنفر الخير ما قد لقيته... رزين، وركب حوله متعضدُ
يهلون عمارًا، إذا ما تغوروا... ولاقوا قريشًا خبروها فأنجدُوا]]
وكان بعض البصريين يقول معنى قوله: "أخلد": لزم وتقاعسَ وأبطأ، و"المخلد" أيضًا: هو الذي يبطئ شيبُه من الرجال =وهو من الدواب، الذي تبقى ثناياه حتى تخرج رَباعيتاه. (45)
وأما قوله: ﴿واتبع هواه﴾، فإن ابن زيد قال في تأويله، (46) ما:
١٥٤٣٤- حدثني به يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿واتبع هواه﴾ قال: كان هَواهُ مع القوم.
القول في تأويل قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فمثل هذا الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها، مثلُ الكلب الذي يلهث، طردْته أو تركته.
ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله جَعَل الله مثَله كمثل الكلب.
فقال بعضهم: مثَّله به في اللهث، لتركه العمل بكتابِ الله وآياته التي آتاها إياه، وإعراضِه عن مواعظ الله التي فيها إعراض من لم يؤته الله شيئًا من ذلك. فقال جل ثناؤه فيه: إذْ كان سواء أمرُه، وُعِظَ بآيات الله التي آتاها إياه، أو لم يوعظ، في أنه لا يتَّعظ بها، ولا يترك الكفر به، فمثله مثل الكلب الذي سواءٌ أمره في لهثه، طرد أو لم يطرد، إذ كان لا يتركُ اللهث بحال.
ذكر من قال ذلك:
١٥٤٣٥ - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث﴾ قال: تطرده، هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعملُ به.
١٥٤٣٦ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج قال مجاهد: ﴿فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث﴾ قال: تطرده بدابتك ورجلك = "يلهث"، قال: مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل بما فيه = قال ابن جريج: الكلب منقطِع الفؤاد، (47) لا فؤاد له، إن حملت عليه يلهث، أو تتركه يلهث. قال: مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له، إنما فؤاده منقطع.
١٥٤٣٧ - حدثني ابن عبد الأعلى قال: حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن بعضهم: ﴿فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾، فذلك هو الكافر، هو ضالٌّ إن وعظته وإن لم تعظه. (48)
١٥٤٣٨ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿فمثله كمثل الكلب﴾ إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها، وإن ترك لم يهتد لخير، كالكلب إن كان رابضًا لهث وإن طرد لَهَث.
١٥٤٣٩ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: آتاه الله آياته فتركها، فجعل الله مثله كمثل الكلب: "إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث".
١٥٤٤٠ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان﴾، الآية، هذا مثلٌ ضربه الله لمن عُرِض عليه الهدى، فأبى أن يقبله وتركه = قال: وكان الحسن يقول: هو المنافق = "ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث" قال: هذا مثل الكافر ميتُ الفؤاد.
وقال آخرون: إنما مثّله جل ثناؤه بالكلب، لأنه كان يلهث كما يلهثُ الكلب.
ذكر من قال ذلك:
١٥٤٤١ - حدثنا موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾، وكان بلعم يلهث كما يلهث الكلب. وأما "تحمل عليه": فتشدُّ عليه.
قال: أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويلُ من قال: إنما هو مثلٌ لتركه العمل بآيات الله التي آتاها إياه، وأنّ معناه: سواء وعظ أو لم يوعظ، في أنه لا يترك ما هو عليه من خلافه أمر ربّه، كما سواءٌ حمل على الكلب وطُرِد أو ترك فلم يطرد، في أنه لا يدَع اللهث في كلتا حالتيه.
وإنما قلنا: ذلك أولى القولين بالصواب، لدلالة قوله تعالى: ﴿ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾، فجعل ذلك مثلَ المكذِّبين بآياته. وقد علمنا أن اللُّهَاث ليس في خِلقة كل مكذّب كُتب عليه ترك الإنابة من تكذيبه بآيات الله، (49) وأن ذلك إنما هو مثل ضربه الله لهم، فكان معلوما بذلك أنه للذي وصف الله صفته في هذه الآية، كما هو لسائر المكذبين بآيات الله، مثلٌ. (50)
القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هذا المثل الذي ضربتُه لهذا الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها، مثلُ القوم الذين كذبوا بحُججنا وأعلامنا وأدلَّتنا، فسلكوا في ذلك سبيل هذا المنسلِخ من آياتنا الذي آتيناها إياه، في تركه العمل بما آتيناه من ذلك.
وأما قوله: ﴿فاقصص القصص﴾، فإنه يقول لنبيه محمد ﷺ: فاقصص، يا محمد، هذا القصص، الذي اقتصصته عليك (51) = من نبأ الذي آتيناه آياتنا، وأخبارَ الأمم التي أخبرتك أخبارهم في هذه السورة، واقتصَصْت عليك نبأهم ونبأ أشباههم، (52) وما حلّ بهم من عقوبتنا، ونزل بهم حين كذبوا رسلَنا من نقمتنا= (53) على قومك من قريش، ومَنْ قِبَلَك من يهود بني إسرائيل، ليتفكروا في ذلك، فيعتبروا وينيبوا إلى طاعتنا، لئلا يحلّ بهم مثل الذي حلّ بمن قبلهم من النّقم والمثلات، ويتدبَّره اليهود من بني إسرائيل، فيعلموا حقيقةَ أمرك وصحَّة نبوّتك، إذ كان نبأ "الذي آتيناه آياتنا" من خفيّ علومهم، ومكنون أخبارهم، لا يعلمه إلا أحبارُهم، ومن قرأ الكُتب ودرسها منهم. وفي علمك بذلك =وأنت أميٌّ لا تكتب، ولا تقرأ، ولا تدرس الكتب، ولم تجالس أهل العلم= الحُجَّة البينة لك عليهم بأنك لله رسول، وأنك لم تعلم ما علِمت من ذلك، وحالُك الحال التي أنت بها، إلا بوحي من السماء. (54)
وبنحو ذلك كان أبو النضر يقول.
١٥٤٤٢ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن محمد، عن سالم أبي النضر: ﴿فاقصص القصص لعلهم يتفكّرون﴾، يعني: بني إسرائيل، إذ قد جئتهم بخبر ما كان فيهم ممّا يخفُون عليك ="لعلهم يتفكرون"، فيعرفون أنه لم يأت بهذا الخبر عمّا مضى فيهم إلا نبيٌّ يأتيه خبرُ السماء.
حواشي المحقّق (54)
- (1)انظر الأثر السالف رقم: ١٥٤١٦.
- (2)في المطبوعة: ((بلعاماً)) بصرف الاسم الأعجمى.
- (3)الثانية ((أؤامر)) بالهمز، وهي اللغة الفصحى. والأولى: ((أوامر)) بالواو، بطرح الهمز، وليست بفصيحة، ولكن جرى بها هذا الخبر. وانظر التعليق التالي.
- (4)في المطبوعة: ((فآمر عليهم)) ، وأثبت ما في المخطوطة. ((وامر)) ، مثل ((آمر)) ، ولكنها لغة غير مستجادة. وانظر التعليق السالف.
- (5)في المطبوعة: ((إني آمرت)) ، حذف ((قد)) ، وجعل ((وامرت)) ((آمرت)) ، وتابعت المخطوطة، كما أسلفت في التعليقات السالفة وفي الآتية أيضاً.
- (6)عبث الناشر بهذه الجملة بالزيادة والتحريف والحذف، فجعلها هكذا: ((فقال: حتى أوامر ربى، فآمر، فلم يأمره بشيء)) . وأثبت الصواب من المخطوطة ((أوامر)) و ((وامر)) كل ذلك كما جرى عليه ما سلف، بالواو. وأما قوله: ((فلم يحر إليه شيء)) ، أي: لم يرجع إليه شيء. ((حار إليه يحور حوراً)) ، رجع إليه، ومنه حاوره محاورة حواراً)) في الكلام. وقولهم ((أحار عليه جوابه)) ، و ((أحرت له جواباً)) ، و ((ما أحار بكلمة)) .
- (7)جعلها في المطبوعة أيضاً: ((قد وامرت فلم يأمرني بشيء)) ، وانظر التعليق السالف.
- (8)في المطبوعة: ((في المرة الأولى)) ، زاد ((في)) ، والذي في المخطوطة أعلى.
- (9)في المطبوعة: ((لتستقبلهم)) ، حذف الفاء والنون.
- (10)في المطبوعة ((تستقبلهم)) ، وأثبت ما في المخطوطة.
- (11)في المطبوعة: ((مكنيه)) ، غير ما في المخطوطة.
- (12)في المخطوطة، أسقط ((ورفعهما)) ، والصواب ما في المطبوعة، وابن كثير.
- (13)في المطبوعة، وتفسير ابن كثير: (( ... أتى المعلولى = أو قال: طريقاً من المعلولى)) ، وهو لا معنى له. وفي المخطوطة: ((العلول)) و ((بين العلول)) ، وصححت قراءتها كما أثبتها، لأن جيش موسى لما نزل به العذاب، فهلك منه سبعون ألفاً، صار من بقى منه فلولا. هذا ما رجحته.
- (14)في المطبوعة: ((ولا تتقدم)) ، كما في ابن كثير، وأثبت ما في المخطوطة.
- (15)الأثر: ١٥٤٢٠ - ((المعتمر)) هو ((المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي)) ، الإمام المشهور، مضى مرارًا. وأبوه، هو ((سليمان بن طرخان التيمي)) ، ويعرف بالتيمي، وكنيته ((أبو المعتمر)) ، مضى مرارًا. و ((سيار)) الذي روى عنه هو: ((سيار بن سلامة)) ، أبو المنهال الرياحي، الثقة المعروف، مضى برقم: ٥٤٧٨. وهذا الخبر، رواه ابن كثير في تفسيره ٣: ٥٩٥، ٥٩٦، والسيوطي في الدر المنثور ٣: ١٤٧، مختصراً.
- (16)في المطبوعة: ((فبلغنى)) ، وأثبت ما في المخطوطة.
- (17)الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبري.
- (18)في المطبوعة: ((وادع)) بالواو، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ.
- (19)في المطبوعة: ((يرفعونه)) ، وفي التاريخ: ((يرفقونه)) ، والصواب ما أثبت، من ((الرقة)) ، وهي الرحمة والشفقة، يعنى ما زالوا به لكى يرق لهم قلبه.
- (20)في المطبوعة: ((جبل حسان)) ، وفي المخطوطة: ((حسان)) غير منقوطة، وأثبت ما وافق رسمها في التاريخ، يضبطه هناك، ولم أجد له ذكراً في معاجم البلدان.
- (21)في التاريخ: ((فما سار عليها غير قليل حتى ربضت به)) .
- (22)((الإذلاق)) : أن يبلغ منه الجهد، حتى يقلق ويتضور، وفي حديث ماعز: ((أنه ﷺ أمر برجمه، فلما أذلقته الحجارة جمز وفر)) ، أي بلغت منه الجهد حتى قلق.
- (23)في ى المطبوعة: ((أما ترى الملائكة تردني)) ، وفي المخطوطة: ((ألا ترى الملائكة ألا تردني عن وجهي)) ، وأثبت ما في التاريخ.
- (24)في المطبوعة ((فضربها)) ، والصواب من المخطوطة والتاريخ.
- (25)في المطبوعة: ((فأنطلقت به حتى إذا أشرفت على رأس ... )) ، وفي المخطوطة أسقط (به)) من الجملة كلها وأثبت ما في التاريخ، وإن كان هناك ((على جبل حسبان)) ، بغير ((رأس)) . وانظر ((حسبان)) في التعليق: ١، فقد كان في المطبوعة هنا، كمثله هناك.
- (26)في المطبوعة: ((ولا يدعو ... بشر)) ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ.
- (27)((اندلع لسانه)) : خرج من الفم، واسترخى، وسقط على العنفقة كلسان الكلب. وفي أثر آخر عن بلعم: ((إن الله لعنه، فأدلع لسانه، فسقطت أسلته على صدره، فبقيت كذلك)) .
- (28)في التاريخ: ((رأس أمته وبنى أبيه، من كان منهم في مدين، هو كان كبيرهم، برجل ... )) .
- (29)في المطبوعة: ((لا أطيعك)) ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ.
- (30)في المخطوطة، والتاريخ: ((يحوس)) بالحاء المهملة. من قولهم: ((تركت فلاناً يحوس بنى فلان ويجوسهم)) (بالجيم أيضاً) يتخللهم، ويطلب فيهم، ويدوسهم. و ((الذئب يحوس الغنم)) ، يتخللها ويفرقها. وفي المطبوعة: ((يجوس)) بالجيم.
- (31)في التاريخ: ((عليهما القبة) ٩.
- (32)في التاريخ والمخطوطة: (٠ لحيته)) ، والصواب ما في المطبوعة، كما سيأتي دليل ذلك من إعطاء بنى إسرائيل ((اللحى)) بنى فنخاص.
- (33)في المطبوعة: ((الفشة)) ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ و ((القبة)) (بكسر القاف وفتح الباء مخففة) وهي من الكرش، ((الحفث)) (بفتح فكسر) ذات الطرائق من الكرش، و ((القبة)) الأخرى إلى جنبه، وليس فيها طرائق.
- (34)قوله: ((والبكر)) معطوف على قوله: ((تعطى بنى إسرائيل ... القبة ... )) .
- (35)الأثر: ١٥٤٢٢ - رواه ابن جرير في تاريخه ١: ٢٢٦، ٢٢٧.
- (36)((فيهلكون)) ساقطة من المخطوطة والمطبوعة، وهي ثابتة في الأثر السالف ١٥٤١١، وفي التاريخ.
- (37)الأثر: ١٥٤٢٣ - مضى برقم: ١٥٤١١، وهو في التاريخ ١: ٢٢٧، ٢٢٨.
- (38)في المطبوعة، أسقط ((وأخرجه)) من الكلام، وهي في المخطوطة.ومع ذلك فأنا في شك من العبارة كلها. ولو قال: ((من دبرها)) ، لاستقام الكلام بعض الشيء، ولظهرت الصورة بعض الظهور.
- (39)في المطبوعة ((باكتف والعضد)) ، وفي المخطوطة: ((بالكتاب)) ، ولعل صوابها ما قرأت ((الكتد)) ، هو مجتمع الكتفين. والله أعلم أي ذلك هو الصواب.
- (40)في المطبوعة: ((لرفعنا عنه بها)) ، لا أدرى من أين جاء بذلك، وأثبت ما في المخطوطة. و ((لدفعنا)) بالدال.
- (41)في المطبوعة: ((لرفعنا عنه)) ، وأثبت ما في المخطوطة.
- (42)الأثر: ١٥٤٣٢ - مضى مختصراً برقم: ١٥٤١٤.
- (43)هذا التفسير الأخير، لا تجده في شيء من معاجم اللغة، فقيده.
- (44)ديوانه: ٢٦٨، واللسان (خلد) ، مطلع قصيدته في سنان بن أبي حارثة المرى، وكان في المطبوعة: ((غشيتها بالغرقد)) ، والصواب ما في المخطوطة والديوان، وإنما تابع ناشر المطبوعة، ما كان في اللسان، فأخطأ بخطئه. و ((الفدفد)) الموضع فيه غلظ وارتفاع، أو هي الأرض المستويه.، و ((الوحى)) الكتابة. وقوله: ((حجر المسيل)) ، لأنه أصلب الحجارة، فالكتابة فيه أبقى، ويضربه السيل لخلوده فيأخذ منه، فتخفي الكتابة. فشبه آثار الديار، بباقى الكتابة على صخرة ينتابها السيل، فيمحو جدة ما كتب فيها.
- (45)مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٣٣ / ثم معاني القرآن للفراء ١: ٣٩٩.
- (46)في المطبوعة ((كان أبن زيد قال ... )) ، وهو سيء جداً، لم يحسن قراءة المخطوطة.
- (47)سقطت ((منقطع)) من المخطوطة، وهي في سائر المراجع كما في المطبوعة.
- (48)الأثر: ١٥٤٣٧ - ((ابن عبد الأعلى)) ، هو ((محمد بن عبد الأعلى)) . و ((ابن ثور)) ، هو ((محمد بن ثور)) وكان في المطبوعة والمخطوطة ((ابن توبة)) ، وهو خطأ لا شك فيه، بل هذا، اختصار الإسناد الذي سلف مرارًا، وآخره رقم: ١٥٤١٠، وكأنه يعنى بقوله: ((عن بعضهم)) : الكلبى، ولذلك فكره.
- (49)في المطبوعة والمخطوطة: ((من تكذيب)) ، والذي أثبت أرجح عندي في سياقه.
- (50)السياق "أنه للذي وصف الله صفته ... مثل: خبر "أن".
- (51)في المطبوعة: ((الذي قصصته) ، وأثبت ما في المخطوطة.
- (52)في المطبوعة: ((وقصصت نبأئهم)) ، غير ما في المخطوطة، كالتعليق السالف.
- (53)السياق: ((فاقصص يا محمد هذا القصص الذي اقتصصته عليك ... )) على قومك من قريش)) .
- (54)انظر تفسير ((القصص)) فيما سلف ص: ٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
سَآءَ مَثَلًا ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا [فَأَتْبَعَهُ] ﴾ (1) الْآيَةَ، قَالَ: هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يُقَالُ لَهُ: بَلْعم بْنُ أبَرَ. وَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (2) هُوَ صَيْفِيُّ بْنُ الرَّاهِبِ.
قَالَ قَتَادَةُ: وَقَالَ كَعْبٌ: كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَلْقَاءِ، وَكَانَ يَعْلَمُ الِاسْمَ الْأَكْبَرَ، وَكَانَ مُقِيمًا بِبَيْتِ (3) الْمَقْدِسِ مَعَ الْجَبَّارِينَ.
وَقَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (4) هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، يُقَالُ لَهُ: بَلْعَم، آتَاهُ اللَّهُ آيَاتِهِ فَتَرَكَهَا.
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، يُقَدِّمُونَهُ فِي الشَّدَائِدِ، بَعَثَهُ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى إِلَى مَلِكِ مَدْين يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ، فَأَقْطَعُهُ وَأَعْطَاهُ، فَتَبِعَ دِينَهُ وَتَرَكَ دِينَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ حُصَين، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (5) هُوَ بَلْعَمُ بْنُ بَاعِرَ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (6) قَالَ: هُوَ بِلْعَامُ -وَقَالَتْ ثَقِيفٌ: هُوَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ.
وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (7) فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ [آيَاتِنَا] ﴾ (8) قَالَ: هُوَ صَاحِبُكُمْ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْهُ وَهُوَ صَحِيحٌ إِلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ يُشْبِهُهُ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدِ اتَّصَلَ إِلَيْهِ عِلْمٌ كَثِيرٌ مِنْ عِلْمِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعِلْمِهِ، فَإِنَّهُ أَدْرَكَ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبَلَغَتْهُ أَعْلَامُهُ وَآيَاتُهُ وَمُعْجِزَاتُهُ، وَظَهَرَتْ لِكُلِّ مَنْ لَهُ بَصِيرَةٌ، وَمَعَ هَذَا اجْتَمَعَ بِهِ وَلَمْ يَتْبَعْهُ، وَصَارَ إِلَى مُوَالَاةِ الْمُشْرِكِينَ وَمُنَاصَرَتِهِمْ وَامْتِدَاحِهِمْ، وَرَثَى أَهْلَ بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَرْثَاةٍ بَلِيغَةٍ، قَبَّحَهُ اللَّهُ [تَعَالَى] (9) (10) وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: "أَنَّهُ مِمَّنْ آمَنَ لِسَانُهُ، وَلَمْ يُؤْمِنْ قَلْبُهُ"؛ فَإِنَّ لَهُ أَشْعَارًا رَبَّانِيَّةً وَحِكَمًا وَفَصَاحَةً، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَشْرَحِ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَعْوَرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ أُعْطِيَ ثَلَاثَ دَعْوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُ فِيهِنَّ، وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، فَقَالَتْ: اجْعَلْ لِي مِنْهَا واحدة. قال: فَلَكِ وَاحِدَةٌ، فَمَا الَّذِي تُرِيدِينَ؟ قَالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي أَجْمَلَ امْرَأَةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَدَعَا اللَّهَ، فَجَعَلَهَا أَجْمَلَ امْرَأَةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا عَلِمَتْ أَنْ (11) لَيْسَ فِيهِمْ مِثْلُهَا رَغِبَتْ عَنْهُ، وَأَرَادَتْ شَيْئًا آخَرَ، فَدَعَا اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَهَا كَلْبَةً، فَصَارَتْ كَلْبَةً، فَذَهَبَتْ دَعْوَتَانِ. فَجَاءَ بَنُوهَا فَقَالُوا: لَيْسَ بِنَا عَلَى هَذَا قَرَارٌ، قَدْ صَارَتْ أُمُّنَا كَلْبَةً يُعَيِّرُنَا النَّاسُ بِهَا، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا، فَدَعَا اللَّهَ، فَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ، فَذَهَبْتِ الدَّعْوَاتُ الثَّلَاثُ، وَسُمِّيَتِ الْبَسُوسُ. (12) غَرِيبٌ.
وَأَمَّا الْمَشْهُورُ فِي سَبَبٍ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي زَمَنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ رَجُلٌ مِنْ مَدِينَةِ الْجَبَّارِينَ، يُقَالُ لَهُ: "بَلْعَامُ" (13) وَكَانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الْأَكْبَرَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ: كَانَ [رَجُلًا] (14) مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَلَا يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ.
وَأَغْرَبَ، بَلْ أَبْعَدَ، بَلْ أَخْطَأَ مَنْ قَالَ: كَانَ قَدْ (15) أُوتِيَ النُّبُوَّةَ فَانْسَلَخَ مِنْهَا. حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِهِمْ، وَلَا يَصِحُّ (16)
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: لما نزل مُوسَى بِهِمْ -يَعْنِي بِالْجَبَّارِينَ -وَمَنْ مَعَهُ، أَتَاهُ يَعْنِي بَلْعَامُ (17) -أَتَاهُ بَنُو عَمِّهِ وَقَوْمُهُ، فَقَالُوا: إِنَّ مُوسَى رَجُلٌ حَدِيدٌ، وَمَعَهُ جُنُودٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ إِنْ يَظْهَرْ عَلَيْنَا يُهْلِكْنَا، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ عَنَّا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ. قَالَ: إِنِّي إِنْ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ، ذَهَبَتْ دُنْيَايَ وَآخِرَتِي. فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى دَعَا عَلَيْهِمْ، فَسَلَخَهُ اللَّهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ [مِنَ الْغَاوِينَ] ﴾ (18)
وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ اللَّهَ لَمَّا انْقَضَّتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً الَّتِي قَالَ اللَّهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الْمَائِدَةِ:٢٦] بَعَثَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ نَبِيًّا، فَدَعَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّ اللَّهَ [قَدْ] (19) أَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِلَ الْجَبَّارِينَ، فَبَايَعُوهُ وَصَدَّقُوهُ. وَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ: "بَلْعَمُ" وَكَانَ عَالَمًا، يَعْلَمُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ الْمَكْتُومَ، فَكَفَرَ -لَعَنَهُ اللَّهُ -وَأَتَى الْجَبَّارِينَ وَقَالَ لَهُمْ: لَا تَرْهَبُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنِّي إِذَا خَرَجْتُمْ تُقَاتِلُونَهُمُ أَدْعُوَا عَلَيْهِمْ دَعْوَةً فَيَهْلِكُونَ! وَكَانَ عِنْدَهُمْ فِيمَا شَاءَ مِنَ الدُّنْيَا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ، يُعَظِّمُهُنَّ (20) فَكَانَ يَنْكِحُ أَتَانًا لَهُ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى (21) ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أَيِ: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ وَغَلَبَهُ عَلَى أَمْرِهِ، فَمَهْمَا أَمَرَهُ امْتَثَلَ وَأَطَاعَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ أَيْ: مِنَ الْهَالِكِينَ الْحَائِرَيْنِ (22) الْبَائِرَيْنِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ حَدِيثٌ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، عَنِ الصَّلْتِ بْنِ بَهْرام، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا جُنْدُب الْبَجَلِيُّ في هذا المسجد؛ أن حذيفة -يعني بن الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "أن مِمَّا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رجُل قَرَأَ الْقُرْآنَ، حَتَّى إِذَا رُؤِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ وَكَانَ رِدْء الْإِسْلَامِ اعْتَرَاهُ (23) إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، انْسَلَخَ مِنْهُ، وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَسَعَى عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ". قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ: الْمَرْمِيُّ أَوِ الرَّامِي؟ قَالَ: "بَلِ الرَّامِي".
هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ (24) وَالصَّلْتُ بْنُ بَهْرَامَ كَانَ مِنْ ثِقَاتِ الْكُوفِيِّينَ، وَلَمْ يُرْمَ بِشَيْءٍ سِوَى الْإِرْجَاءِ، وَقَدْ وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَغَيْرُهُمَا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أَيْ: لَرَفَعْنَاهُ مِنَ التَّدَنُّسِ عَنْ (25) قَاذُورَاتِ الدُّنْيَا بِالْآيَاتِ الَّتِي آتَيْنَاهُ إِيَّاهَا، ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ﴾ أَيْ: مَالَ إِلَى زِينَةِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا، وَأَقْبَلَ عَلَى لَذَّاتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَغَرَّتْهُ كَمَا غَرَّتْ غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْبَصَائِرِ (26) وَالنُّهَى.
وَقَالَ أَبُو الزَّاهِرِيَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ﴾ قَالَ: تَرَاءَى لَهُ الشَّيْطَانُ عَلَى غَلْوة مِنْ قَنْطَرَةِ بَانْيَاسَ، فَسَجَدَتِ الْحِمَارَةُ لِلَّهِ، وَسَجَدَ بَلْعَامُ لِلشَّيْطَانِ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْر بْنِ نُفَير، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَانَ مِنْ قِصَّةِ هَذَا الرَّجُلِ: مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سُئل عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا [فَانْسَلَخَ مِنْهَا] ﴾ (27) فَحَدَّثَ عَنْ سَيَّارٍ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ بَلْعَامُ، وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، قَالَ: وَإِنَّ مُوسَى أَقْبَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُرِيدُ الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا بَلْعَامُ -أَوْ قَالَ: الشَّامَ -قَالَ فرُعب النَّاسُ مِنْهُ رُعْبًا شَدِيدًا، قَالَ: فَأَتَوْا بَلْعَامَ، فَقَالُوا: ادْعُ اللَّهَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ وَجَيْشِهِ! قَالَ: حَتَّى أوَامر رَبِّي -أَوْ: حَتَّى أُؤَامِرَ -قَالَ: فَوَامَرَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: لَا تَدْعُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ عِبَادِي، وَفِيهِمْ نَبِيُّهُمْ. قَالَ: فَقَالَ لِقَوْمِهِ: إِنِّي قَدْ آمَرْتُ رَبِّي فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ، وَإِنِّي قَدْ نُهِيتُ. فَأَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا، ثُمَّ رَاجَعُوهُ فَقَالُوا: ادْعُ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ: حَتَّى أَوَامِرَ. فَوَامَرَ، فَلَمْ يَحُر إِلَيْهِ شَيْءٌ. فَقَالَ: قَدْ وَامَرْتَ فَلَمْ يَحُر إِلَيَّ شَيْءٌ! فَقَالُوا: لَوْ كَرِهَ رَبُّكَ أَنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ لَنَهَاكَ كَمَا نَهَاكَ الْمَرَّةَ الْأُولَى. قَالَ: فَأَخَذَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ، فَإِذَا دَعَا عَلَيْهِمْ، جَرَى عَلَى لِسَانِهِ الدُّعَاءُ عَلَى قَوْمِهِ، وإذا أراد أن يدعو أن يفتح لِقَوْمِهِ (28) دَعَا أَنْ يَفْتَحَ لِمُوسَى وَجَيْشِهِ -أَوْ نَحْوًا مِنْ ذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ (29) مَا نَرَاكَ تَدْعُو إِلَّا عَلَيْنَا. قَالَ: مَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِي إِلَّا هَكَذَا، وَلَوْ دَعَوْتُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا اسْتُجِيبَ لِي، وَلَكِنْ سَأَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ عَسَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ هَلَاكُهُمْ. إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الزِّنَا، وَإِنَّهُمْ إِنْ وَقَعُوا بِالزِّنَا هَلَكُوا، وَرَجَوْتُ أَنْ يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ، فَأَخْرِجُوا النِّسَاءَ يَسْتقبلنهم (30)؛ فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ مُسَافِرُونَ، فَعَسَى أَنْ يَزْنُوا فَيَهْلَكُوا. قَالَ: فَفَعَلُوا. قَالَ: فَأَخْرَجُوا النِّسَاءَ يَسْتَقْبِلْنَهُمْ. قَالَ: وَكَانَ لِلْمَلِكِ ابْنَةٌ، فَذَكَرَ مِنْ عِظَمِهَا مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ! قَالَ: فَقَالَ أَبُوهَا -أَوْ بَلْعَامُ-: لَا تُمَكِّنِي نَفْسَكِ إِلَّا مِنْ مُوسَى! قَالَ: وَوَقَعُوا فِي الزِّنَا. قَالَ: وَأَتَاهَا رَأْسُ سِبْطٍ مِنْ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ: فَأَرَادَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَتْ: مَا أَنَا بِمُمَكِّنَةِ نَفْسِي إِلَّا مِنْ مُوسَى. قَالَ: فَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلَتِي (31) كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّ مِنْ حَالِي كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا تَسْتَأْمِرُهُ، قَالَ: فَقَالَ لَهَا: فَأَمْكِنِيهِ قَالَ: وَيَأْتِيهِمَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَارُونَ وَمَعَهُ الرُّمْحُ فَيَطْعَنُهُمَا. قَالَ: وَأَيَّدَهُ اللَّهُ بِقُوَّةٍ. فَانْتَظَمَهُمَا جَمِيعًا، وَرَفَعَهُمَا عَلَى رُمْحِهِ (32) فَرَآهُمَا النَّاسُ -أَوْ كَمَا حدَّث -قَالَ: وَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطَّاعُونَ، فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا.
قَالَ أَبُو الْمُعْتَمِرِ: فَحَدَّثَنِي سَيَّار: أَنَّ بلعامًا رَكِبَ حَمَّارَةً لَهُ حَتَّى (33) أَتَى الْعَلُولَى (34) -أَوْ قَالَ: طَرِيقًا مِنَ الْعَلُولَى (35) -جَعَلَ يَضْرِبُهَا وَلَا تُقْدم، وَقَامَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ: عَلَامَ تَضْرِبُنِي؟ أَمَا تَرَى هَذَا الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَإِذَا الشَّيْطَانُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَنَزَلَ وَسَجَدَ لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾
قَالَ: فَحَدَّثَنِي بِهَذَا سَيَّارٌ، وَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ قَدْ دَخَلَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ.
قُلْتُ: هُوَ بَلْعَامُ -وَيُقَالُ: بُلْعُمُ -بْنُ بَاعُورَاءَ، ابْنُ أَبَرَ. وَيُقَالُ: ابْنُ بَاعُورَ بْنِ شُهُومَ (36) بن قوشتم ابن مَابَ بْنِ لُوطِ بْنِ هَارَانَ -وَيُقَالُ: ابْنُ حَرَانَ -بْنِ آزَرَ. وَكَانَ يَسْكُنُ قَرْيَةً مِنْ قُرَى الْبَلْقَاءِ.
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَعْرِفُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ، فَانْسَلَخَ مِنْ دِينِهِ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الْقُرْآنِ. ثُمَّ أَوْرَدَ (37) مِنْ قِصَّتِهِ نَحْوًا مِمَّا ذَكَرْنَا هَاهُنَا، وَأَوْرَدَهُ عَنْ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ؛ أَنَّهُ حَدَّثَ: أَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا نَزَلَ فِي أَرْضِ بَنِي كَنْعَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، أَتَى قَوْمُ بَلْعَامَ إِلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ: هَذَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَدْ جَاءَ يُخْرِجُنَا مِنْ بِلَادِنَا وَيَقْتُلُنَا وَيُحِلُّهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِنَّا قَوْمُكَ، وَلَيْسَ لَنَا مَنْزِلٌ، وَأَنْتَ رَجُلٌ مُجَابُ الدَّعْوَةِ، فَاخْرُجْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: وَيَلْكُمُ! نَبِيُّ اللَّهِ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ، كَيْفَ أَذْهَبُ أَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَأَنَا أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا أَعْلَمُ؟! قَالُوا لَهُ: مَا لَنَا مِنْ مَنْزِلٍ! فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ يُرَقِّقُونَهُ وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى فَتَنُوهُ فَافْتُتِنَ، فَرَكِبَ حَمَارَةً (38) لَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْجَبَلِ الَّذِي يُطْلِعُهُ عَلَى عَسْكَرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ جَبَلُ حُسْبان، فَلَمَّا سَارَ عَلَيْهَا غَيْرَ كَثِيرٍ، رَبَضَتْ بِهِ، فنزل عنها فضربها، حتى إذا أَذْلَقَهَا قَامَتْ فَرَكِبَهَا. فَلَمْ تَسْرِ بِهِ كَثِيرًا حَتَّى رَبَضَتْ بِهِ، فَضَرَبَهَا حَتَّى إِذَا أَذْلَقَهَا أَذِنَ اللَّهُ لَهَا فَكَلَّمَتْهُ حُجَّةً عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: وَيْحَكَ يَا بَلْعَمُ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ أَمَا (39) تَرَى الْمَلَائِكَةَ أَمَامِي تَرُدُّنِي عَنْ وَجْهِي هَذَا؟ أَتَذْهَبُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ لِتَدْعُوَ (40) عَلَيْهِمْ؟ فَلَمْ يَنْزِعْ عَنْهَا يَضْرِبُهَا، فَخَلَّى اللَّهُ سَبِيلَهَا حِينَ فَعَلَ بِهَا ذَلِكَ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ حَتَّى إِذَا أَشْرَفَتْ بِهِ عَلَى رَأْسِ حُسْبَانَ، عَلَى عَسْكَرِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ، جَعَلَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلَا يَدْعُو عَلَيْهِمْ بَشَرٍّ إِلَّا صَرَفَ اللَّهُ لِسَانَهُ إِلَى قَوْمِهِ، وَلَا يَدْعُو لِقَوْمِهِ بِخَيْرٍ إِلَّا صَرَفَ لِسَانَهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: أَتَدْرِي يَا بَلْعَمُ مَا تَصْنَعُ؟ إِنَّمَا تَدْعُو لَهُمْ، وَتَدْعُو عَلَيْنَا! قَالَ: فَهَذَا مَا لَا أَمْلِكُ، هَذَا شَيْءٌ قَدْ غَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ! قَالَ: وَانْدَلَعَ لِسَانُهُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الْآنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمَكْرُ وَالْحِيلَةُ، فَسَأَمْكُرُ لَكُمْ وَأَحْتَالُ، جَمِّلوا النِّسَاءَ وَأَعْطُوهُنَّ السِّلَعَ، ثُمَّ أَرْسِلُوهُنَّ إِلَى الْعَسْكَرِ يَبِعْنَهَا فِيهِ، وَمُرُوهُنَّ فَلَا تَمْنَعُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ أَرَادَهَا، فَإِنَّهُمْ إِنْ زَنَى رَجُلٌ مِنْهُمْ وَاحِدٌ كُفِيتموهم، فَفَعَلُوا. فَلَمَّا دَخَلَ النِّسَاءُ الْعَسْكَرَ، مَرَّتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ اسْمُهَا "كَسْبَى ابْنَةُ صُورَ، رَأْسِ أُمَّتِهِ" بِرَجُلٍ مِنْ عُظَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ "زَمْرَى بْنُ شَلُومَ"، رَأْسُ سِبْطِ بَنِي سَمْعَانَ بْنِ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَقَامَ إِلَيْهَا، فَأَخَذَ بِيَدِهَا حِينَ أَعْجَبَهُ جَمَالُهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا حَتَّى وَقَفَ بِهَا عَلَى مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: إِنِّي أَظُنُّكَ سَتَقُولُ هَذَا حَرَامٌ عَلَيْكَ؟ قَالَ: أَجَلْ، هِيَ حَرَامٌ عَلَيْكَ، لَا تَقْرَبْهَا. قَالَ: فَوَاللَّهِ لَا نُطِيعُكَ فِي هَذَا. ثُمَّ دَخَلَ بِهَا قُبَّتَهُ فَوَقَعَ عَلَيْهَا. وَأَرْسَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، الطَّاعُونَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ فِنْحَاصُ بْنُ الْعَيْزَارِ بْنِ هَارُونَ، صَاحِبَ أَمْرِ مُوسَى، وَكَانَ غَائِبًا حِينَ صَنَعَ زَمْرَى بْنُ شَلُومَ مَا صَنَعَ، فَجَاءَ وَالطَّاعُونُ يَجُوسُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأُخْبِرَ الْخَبَرَ، فَأَخَذَ حَرْبَتَهُ، وَكَانَتْ مِنْ حَدِيدٍ كُلُّهَا، ثُمَّ دَخَلَ الْقُبَّةَ وَهُمَا مُتَضَاجِعَانِ، فَانْتَظَمَهُمَا بِحَرْبَتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا رَافِعَهُمَا إِلَى السَّمَاءِ، وَالْحَرْبَةُ قَدْ أَخَذَهَا بِذِرَاعِهِ، وَاعْتَمَدَ بِمِرْفَقِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ، وَأَسْنَدَ الْحَرْبَةَ إِلَى لَحْيَيْه -وَكَانَ بَكْرَ الْعَيْزَارِ -وَجَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَكَذَا نَفْعَلُ بِمَنْ يَعْصِيكَ. وَرُفِعَ الطَّاعُونُ، فَحُسِبَ مَنْ هَلَكَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الطَّاعُونِ فِيمَا بَيْنُ أَنْ أَصَابَ زَمْرَى الْمَرْأَةَ إِلَى أَنْ قَتَلَهُ فِنْحَاصُ، فَوَجَدُوهُ قَدْ هَلَكَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا -وَالْمُقَلِّلُ لَهُمْ يَقُولُ: عِشْرُونَ أَلْفًا -فِي سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ. فَمِنْ هُنَالِكَ تُعْطِي بَنُو إِسْرَائِيلَ وَلَدَ فِنْحَاصَ مِنْ كُلِّ ذَبِيحَةٍ ذَبَحُوهَا الْقُبَّةَ وَالذِّرَاعَ واللَّحَى -لِاعْتِمَادِهِ بِالْحَرْبَةِ عَلَى خَاصِرَتِهِ، وَأَخْذِهِ إِيَّاهَا بِذِرَاعِهِ، وَإِسْنَادِهِ إِيَّاهَا إِلَى لَحْيَيْهِ -وَالْبِكْرَ مِنْ كُلِّ أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بَكْرَ أَبِيهِ الْعَيْزَارِ. فَفِي بَلْعَامَ بْنِ بَاعُورَاءَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا [فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ] ﴾ (41) -إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (42)
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهُ (43) فَأَمَّا عَلَى سِيَاقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَالِمِ بن أبي النضر: أن بلعاما انْدَلَعَ لِسَانُهُ عَلَى صَدْرِهِ -فَتَشْبِيهُهُ بِالْكَلْبِ فِي لَهْثِهِ (44) فِي كِلْتَا حَالَتَيْهِ إِنْ زُجِرَ وَإِنْ تُرِكَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: فَصَارَ مِثْلَهُ فِي ضَلَالِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ فِيهِ، وَعَدَمِ انْتِفَاعِهِ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِيمَانِ وَعَدَمِ الدُّعَاءِ، كَالْكَلْبِ فِي لَهْثِهِ (45) فِي حَالَتَيْهِ، إن حَمَلْتَ عَلَيْهِ وَإِنَّ تَرِكْتَهُ، هُوَ يَلْهَثُ فِي الْحَالَيْنِ، فَكَذَلِكَ هَذَا لَا يَنْتَفِعُ بِالْمَوْعِظَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْإِيمَانِ وَلَا عَدَمِهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ:٦]، ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ:٨٠] وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: أَنَّ قَلْبَ الْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ وَالضَّالِّ، ضَعِيفٌ فَارِغٌ مِنَ الْهُدَى، فَهُوَ كَثِيرُ الْوَجِيبِ (46) فَعَبَّرَ عَنْ هَذَا بِهَذَا، نُقِلَ نَحْوُهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ﴾ أَيْ: لَعَلَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْعَالِمِينَ بِحَالِ بَلْعَامَ، وَمَا جَرَى لَهُ فِي إِضْلَالِ اللَّهِ إِيَّاهُ وَإِبْعَادِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ، بِسَبَبِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ -فِي تَعْلِيمِهِ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ -فِي غَيْرِ طَاعَةِ رَبِّهِ، بَلْ دَعَا بِهِ عَلَى حِزْبِ الرَّحْمَنِ، وَشِعْبِ الْإِيمَانِ، أَتْبَاعِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، كَلِيمِ اللَّهِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (47)؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أَيْ: فَيَحْذَرُوا أَنْ يَكُونُوا مِثْلَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاهُمْ عِلْمًا، وَمَيَّزَهُمْ عَلَى مَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَجَعَلَ بِأَيْدِيهِمْ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَعْرِفُونَهَا كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، فَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ وَأَوْلَاهُمْ بِاتِّبَاعِهِ وَمُنَاصَرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ، كَمَا أَخْبَرَتْهُمْ أَنْبِيَاؤُهُمْ بِذَلِكَ وَأَمَرَتْهُمْ بِهِ؛ وَلِهَذَا مَنْ خَالَفَ مِنْهُمْ مَا فِي كِتَابِهِ وَكَتَمَهُ فَلَمْ يُعْلِمْ بِهِ الْعِبَادَ، أَحَلَّ اللَّهُ بِهِ ذُلًّا فِي الدُّنْيَا مَوْصُولًا بِذُلِّ الْآخِرَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى سَاءَ مَثَلًا مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، أَيْ: سَاءَ مَثَلُهُمْ أَنْ شُبِّهُوا بِالْكِلَابِ الَّتِي (48) لَا هِمَّةَ لَهَا (49) إِلَّا فِي تَحْصِيلِ أَكْلَةٍ أَوْ شَهْوَةٍ، فَمَنْ خَرَجَ عَنْ حَيِّز الْعِلْمِ وَالْهُدَى وَأَقْبَلَ عَلَى شَهْوَةِ نَفْسِهِ، وَاتَّبِعْ هَوَاهُ، صَارَ شَبِيهًا بِالْكَلْبِ، وَبِئْسَ الْمَثَلُ مَثَلُهُ؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ" (50)
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أَيْ: مَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ، وَلَكِنْ هُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، بِإِعْرَاضِهِمْ عَنِ اتِّبَاعِ الْهُدَى، وَطَاعَةِ الْمَوْلَى، إِلَى الرُّكُونِ إِلَى دَارِ الْبِلَى، وَالْإِقْبَالِ عَلَى تَحْصِيلِ اللَّذَّاتِ وَمُوَافَقَةِ الْهَوَى.
حواشي المحقّق (50)
- (1)زيادة من ك.
- (2)زيادة من أ.
- (3)في أ: "بيت".
- (4)زيادة من أ.
- (5)زيادة من أ.
- (6)زيادة من أ.
- (7)زيادة من أ.
- (8)زيادة من ك، م، أ.
- (9)زيادة من أ.
- (10)انظر: العقيدة في السيرة النبوية لابن هشام (٢/٣٠) .
- (11)في أ: "أنه".
- (12)ورواه أبو الشيخ في تفسيره كما في الدر المنثور (٣/٦٠٨) .
- (13)في د، ك، م، أ: "بلعم".
- (14)زيادة من أ.
- (15)في أ: "من قال أنه".
- (16)تفسير الطبري (١٣/٢٥٩) .
- (17)في د، ك، م، أ: "بلعم".
- (18)زيادة من د، ك، م، أ. وفي هـ: "الآية".
- (19)زيادة من د، أ.
- (20)في أ: "لعظمهن".
- (21)في أ: "الله عز وجل".
- (22)في أ: "الجائرين".
- (23)في أ: "اعتره".
- (24)ورواه البزار في مسنده برقم (١٧٥) من طريق: حدثنا محمد بن مرزوق والحسن بن أبي كبشة، حدثنا محمد بن بكر البرساني به. قال الهيثمي في المجمع (١/١٨٨) : "إسناده حسن".
- (25)في أ: "من".
- (26)في أ: "الأبصار".
- (27)زيادة من أ.
- (28)في م: "على قومه".
- (29)في أ: "فقالوا له".
- (30)في أ: "تستقبلهم".
- (31)في أ: "إن من منزلتي".
- (32)في م: "على رأس رمحه".
- (33)في أ: "حتى إذا".
- (34)في ك: "العلوي".
- (35)في ك: "العلوي".
- (36)في أ: "شهتوم".
- (37)في أ: "ثم ذكر".
- (38)في م، أ: "حمارا".
- (39)في ك، م: "ألا".
- (40)في أ: "تدعو".
- (41)زيادة من أ.
- (42)رواه الطبري في تفسيره (١٣/٢٦٤) .
- (43)في أ: "في معنى هذا".
- (44)في د، ك، م: "لهيثه".
- (45)في د، ك، م، "لهيثه".
- (46)في أ: "الوجيف".
- (47)زيادة من ك.
- (48)في د، ك: "الذين".
- (49)في ك، م: "لهم".
- (50)صحيح البخاري برقم (٢٦٢٢) .
القول في تأويل قوله: ﴿سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ساءَ مثلا القوم الذين كذبوا بحجج الله وأدلته فجحدوها، وأنفسَهم كانوا ينقصُون حظوظَها، ويبخسونها منافعها، بتكذيبهم بها لا غيرَها.
وقيل: "ساء مثلا" من السوء"، (1) بمعنى: بئس مثلا (2) = [مَثَل القوم] (3) = وأقيم "القوم" مقام "المثل"، وحذف "المثل"، إذ كان الكلام مفهومًا معناه، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، [سورة البقرة: ١٧٧] فإن معناه: ولكن البرَّ، برُّ من آمن بالله =وقد بينا نظائر ذلك في مواضع غير هذا، بما أغنى عن إعادته. (4)
حواشي المحقّق (4)
- (1)في المطبوعة: ((من الشر)) ، وفي المخطوطة غير منقوطة، والصواب ما أثبت.
- (2)الكلام. انظر تفسير ((ساء)) فيما سلف ٨: ١٣٨، ٣٥٨ / ٩: ١٠١، ٢٠٥ / ١٠: ٤٦٥ = والنحاة يعدون ((ساء)) فعلا جامدا يجرى مجرى ((نعم)) و ((بئس)) .
- (3)ما بين القوسين زيادة لا يتم الكلام إلا بها، ولكن الناسخ خلط في هذه الجملة خلطاً شديداً، فحذف من قوله بعد: ((ولكن البر بر من آمن)) ، كلمة ((بر)) ، ففسد الكلام.
- (4)انظر التعليق السالف رقم: ٢، ثم ٣: ٣٣٨، ٣٣٩ / ١٠: ٣١٣، وما سلف من فهارس مباحث العربية والنحو وغيرها، في باب الحذوف.
نصوص التفسير من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. تفسير سورة الأعرَاف من أولها · تفسير باقي السور