تفسير سورة الأعرَاف — الآيات 127–129
نصّ الآيات ثم تفسير ابن كثير وتفسير الطبري بتمامهما، كلّ نصّ باسم كتابه.
المصادر:تفسير ابن كثير (ت 774هـ)تفسير الطبري (ت 310هـ)عن النصوص وطريقة نقلها
تفسير ابن كثير — تفسير القرآن العظيم، الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ). طبعة دار طيبة بتحقيق سامي بن محمد السلامة، في نسختها الرقمية بمكتبة QUL.
تفسير الطبري — جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ). النسخة الرقمية المحققة بمكتبة QUL، بتعليقات المحقق.
ننقل نصّ الإمامَين بتمامه كما طُبع، بما فيه من الآثار بأسانيدها وتعليقات محقّق الطبعة بين معقوفتين، ولا نتصرّف فيه؛ والحكم على ما فيه من الروايات للمفسّر ومحقّقه، وهو مبيَّن في موضعه.
وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَٰهِرُونَ
القول في تأويل قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقالت جماعة رجال من قوم فرعون لفرعون (1) أتدع موسى وقومه من بني إسرائيل (2) = "ليفسدوا في الأرض"، يقول: كي يفسدوا خدمك وعبيدك عليك في أرضك من مصر (3) = ﴿ويذرك وآلهتك﴾، يقول: "ويذرك"، ويدع خِدْمتك موسى وعبادتك وعبادة آلهتك.
وفي قوله: ﴿ويذرك وآلهتك﴾، وجهان من التأويل.
أحدهما: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض، وقد تركك وترك عبادتك وعبادة آلهتك= وإذا وجه الكلام إلى هذا الوجه من التأويل، كان النصبُ في قوله: ﴿ويذرك﴾، على الصرف، (4) لا على العطف به على قوله: "ليفسدوا".
والثاني: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض، وليذرك وآلهتك = كالتوبيخ منهم لفرعون على ترك موسى ليفعل هذين الفعلين. وإذا وجِّه الكلام إلى هذا الوجه، كان نصب: ﴿ويذرك﴾ على العطف على ﴿ليفسدوا﴾. قال أبو جعفر: والوجه الأول أولى الوجهين بالصواب، وهو أن يكون نصب ﴿ويذرك﴾ على الصرف، لأن التأويل من أهل التأويل به جاء.
وبعدُ، فإن في قراءة أبيّ بن كعب الذي:-
١٤٩٦١ - حدثنا أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا حجاج عن هارون قال، في حرف أبي بن كعب: ﴿وقَدْ تَرَكُوكَ أَنْ يَعْبُدُوكَ وآلِهَتَكَ﴾. (5)
دلالةً واضحةً على أن نصب ذلك على الصرف.
وقد روي عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، عطفًا بقوله: ﴿ويذرك﴾ على قوله: ﴿أتذر موسى﴾.
= كأنه وجَّه تأويله إلى: أتذر موسى وقومه، ويذرك وآلهتك، ليفسدوا في الأرض. وقد تحتمل قراءة الحسن هذه أن يكون معناها: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض، وهو يذرك وآلهتك؟ = فيكون "يذرك" مرفوعًا بابتداء الكلام والسلامة من الحوادث. (6)
وأما قوله: ﴿وآلهتك﴾، فإن قرأة الأمصار على فتح "الألف" منها ومدِّها، بمعنى: وقد ترك موسى عبادتك وعبادة آلهتك التي تعبدها.
وقد ذكر عن ابن عباس أنه قال: كان له بقرة يعبدها.
وقد روي عن ابن عباس ومجاهد أنهما كانا يقرآنها: ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلاهَتَكَ﴾ بكسر الألف بمعنى: ويذرك وعبودتك. (7)
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا نرى القراءة بغيرها، هي القراءة التي عليها قرأة الأمصار، لإجماع الحجة من القرأة عليها.
ذكر من قال: كان فرعون يعبد آلهة = على قراءة من قرأ: ﴿ويذرك وآلهتك﴾.
١٤٩٦٢ - حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ويذرك وآلهتك﴾، وآلهته فيما زعم ابن عباس، كانت البقر، كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، فلذلك أخرج لهم عِجْلا وبقرة.
١٤٩٦٣ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن عمرو، عن الحسن قال: كان لفرعون جمانة معلقة في نحره، يعبدها ويسجد لها.
١٤٩٦٤ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا أبان بن خالد قال، سمعت الحسن يقول: بلغني أن فرعون كان يعبدُ إلهًا في السر، وقرأ: "ويذرك والهتك ".
١٤٩٦٥ - حدثنا محمد بن سنان، قال: حدثنا أبو عاصم، عن أبي بكر، عن الحسن قال: كان لفرعون إله يعبده في السر.
ذكر من قال: معنى ذلك: ويذرك وعبادتك، على قراءة من قرأ: ﴿وَإَلاهَتَكَ﴾.
١٤٩٦٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عمرو بن الحسن، عن ابن عباس: ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلاهَتَكَ﴾ قال: إنما كان فرعون يُعْبَد ولا يَعْبُد. (8)
١٤٩٦٧ -... قال، حدثنا أبي، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قرأ، ﴿ويَذَرَكَ وإِلاهَتَكَ﴾ قال: وعبادتك، ويقول: إنه كان يُعْبَد ولا يَعْبُد. (9)
١٤٩٦٨ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلاهَتَكَ﴾، قال: يترك عبادتك.
١٤٩٦٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ﴿وَإِلاهَتَكَ﴾، يقول: وعبادتك.
١٤٩٧٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلاهَتَكَ﴾، قال: عبادتك.
١٤٩٧١ - حدثنا سعيد بن الربيع الرازي قال، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عمرو بن حسين، عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلاهَتَكَ﴾، وقال: إنما كان فرعون يُعْبَد ولا يَعْبُد. (10)
وقد زعم بعضهم: أن من قرأ: "وَإِلاهَتَكَ"، إنما يقصد إلى نحو معنى قراءة من قرأ: ﴿وآلِهَتَكَ﴾، غير أنه أنّث وهو يريد إلهًا واحدًا، كأنه يريد: ويذرك وإلاهك = ثم أنث "الإله" فقال: "وإلاهتك".
وذكر بعض البصريين أن أعرابيًّا سئل عن "الإلاهة" فقال: "هي عَلَمة" يريد علمًا، فأنث "العلم"، فكأنه شيء نصب للعبادة يعبد. وقد قالت بنت عتيبة بن الحارث اليربوعي: (11) تَرَوَّحْنَا مِنَ اللَّعْبَاء قَصْرًا وَأَعْجَلْنَا الإلاهَةَ أَنْ تَؤُوبَا [[بلاغات النساء: ١٨٩، معجم ما استعجم: ١١٥٦، معجم البلدان ((اللعباء))، اللسان (لعب) (أله)، وغيرها كثير. قالت ترثى أباها، وقتل يوم خو، قتلته بنو أسد، وبعد البيت: عَلَى مِثْلِ ابنِ مَيَّهَ، فَانْعِيَاهُ... يَشُقُّ نَوَاعِمُ البَشَرِ الجُيُوبَا
وَكانَ أَبِى عُتَيْبَةُ شَمَّرِيًّا عَوَانُ... وَلا تَلْقَاهُ يَدَّخِرُ النَّصِيبَا
ضَرُوبًا بِاليَدَيْنِ إذَا اشْمَعَلَّتْ... الحَرْبِ، لا وَرِعًا هَيُوبَا
و ((اللعباء)) بين الربذة، وأرض بنى سليم، وهي لفزارة، ويقال غير ذلك. و ((قصرا))، أي عشيا.وفي المطبوعة: ((عصراً))، وهي إحدى روايات البيت، وأثبت ما في المخطوطة.]] يعني بـ"الإلاهة"، في هذا الموضع، الشمس. وكأنّ هذا المتأول هذا التأويل، وجّه "الإلاهة"، إذا أدخلت فيها هاء التأنيث، وهو يريد واحد "الآلهة"، إلى نحو إدخالهم "الهاء" في "وِلْدتي" و"كوكبتي" و"مَاءتي"، (12) وهو "أهلة ذاك"، وكما قال الراجز: (13) يَا مُضَرُ الْحَمْرَاءُ أَنْتِ أُسْرَتِي وأنت ملجاتي وأنت ظهرتي (14)
يريد: ظهري.
وقد بين ابن عباس ومجاهد ما أرادا من المعنى في قراءتهما ذلك على ما قرآ، فلا وجه لقول هذا القائل ما قال، مع بيانهما عن أنفسهما ما ذهبا إليه من معنى ذلك.
وقوله: ﴿قال سنقتل أبناءهم﴾، يقول: قال فرعون: سنقتل أبناءهم الذكور من أولاد بني إسرائيل = ﴿ونستحيي نساءهم﴾، يقول: ونستبقي إناثهم (15) = (وإنا فوقهم قاهرون)، يقول: وإنا عالون عليهم بالقهر، يعني بقهر الملك والسلطان. (16)
وقد بينا أن كل شيء عالٍ بالقهر وغلبة على شيء، فإن العرب تقول: هو فوقه. (17)
حواشي المحقّق (17)
- (1)انظر تفسير ((الملأ)) فيما سلف ص ١٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.
- (2)انظر تفسير ((يذر)) فيما سلف ١٢: ١٣٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
- (3)انظر تفسير ((الفساد في الأرض)) فيما سلف ص: ١٣، تعلق: ١، والمراجع هناك.
- (4)((الصرف)) ، مضى تفسيره في ٧: ٢٤٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك. وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٩١.
- (5)انظر أيضاً معاني القرآن للفراء ١: ٣٩١.
- (6)في المطبوعة، حذف قوله: ((والسلامة من الحوادث)) ، كأنه لم يفهمها، وإنما أراد سلامته من العوامل التي ترفعه أو تنصبه أو تجره. وفي المخطوطة: ((إلى ابتداء الكلام)) ، وفي المطبوعة: ((على إبتدا الكلام)) ، والأجود ما أثبت.
- (7)انظر ما سلف ١: ١٢٣، ١٢٤، وفي تفسير ((الإلاهة)) ، وخبرا ابن عباس ومجاهد بإسنادهما، وسيأتي برقم: ١٤٩٦٦ - ١٤٩٧١.
- (8)الأثر: ١٤٩٦٦ - ((محمد بن عمرو بن الحسن بن على بن أبي طالب)) تابعي ثقة، مضى برقم: ٢٨٩٢، ٢٨٩٢ م. وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا: ((محمد بن عمرو، عن الحسن)) ، وهو خطأ. وقد مضى الخبر على الصواب بهذا الإسناد فيما سلف رقم: ١٤٣، وسيأتيعلى الصواب برقم ١٩٤٧١.
- (9)الأثر: ١٤٩٦٧ - ((نافع بن عمر)) ، مضى مرارًا، وكان في المخطوطة والمطبوعة ((عن نافع، عن ابن عم)) ، وهو خطأ، والصواب كما مضى برقم: ١٤٢
- (10)الأثر: ١٤٩٧١ - ((محمد بن عمرو بن الحسن بن على بن أبي طالب)) ، انظر التعليق على رقم ١٤٩٦٦.
- (11)في المخطوطة: ((وقد قال عتيبة بن شهاب اليربوعي)) ، وهو خطأ لا شك فيه، وفي المطبوعة: ((وقد قالت بنت عتيبة بن الحارث اليربوعي)) ، وهو صواب من تغيير ناشر المطبوعة الأولى، وقد أثبت حق النسب، جامعاً بين ما في المخطوطة والمطبوعة. ويقال هي ((أمنه بنت عتيبة)) ، ويقال اسمها ((ميه)) ، وهي ((أم البنين)) . ويقال: هو لنائحة عتيبة.
- (12)في المطبوعة: ((أماتى)) وهو خطأ، صوابه ما في المخطوطة.
- (13)لم أعرف قائله.
- (14)(٣) قوله: ((ملجاتى)) بتسهيل الهمزة، وأصله ((ملجأتى)) ، وألحق التاء أيضاً في هذا بقولهم: ((ملجأ)) بالحرفان جميعاً شاهد على ما قاله أبو جعفر.
- (15)انظر تفسير ((الاستحياء)) فيما سلف ٢: ٤١ - ٤٨.
- (16)انظر تفسير ((القهر)) فيما سلف ١١: ٢٨٤، ٤٠٨
- (17)انظر تفسير ((فوق)) فيما سلف ١١: ٢٨٤، وفهارس اللغة ((فوق))
قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: "قال موسى لقومه"، من بني إسرائيل، لما قال فرعون للملأ من قومه: "سنقتل أبناء بني إسرائيل ونستحيي نساءهم": = ﴿استعينوا بالله﴾ على فرعون وقومه فيما ينوبكم من أمركم= "واصبروا" على ما نالكم من المكاره في أنفسكم وأبنائكم من فرعون. وكان قد تبع موسى من بني إسرائيل على ما: -
١٤٩٧٢ - حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما آمنت السحرة، اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل.
وقوله: ﴿إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده﴾، يقول: إن الأرض لله، لعل الله أن يورثكم = إن صبرتم على ما نالكم من مكروه في أنفسكم وأولادكم من فرعون، واحتسبتم ذلك، واستقمتم على السداد = أرضَ فرعون وقومه، بأن يهلكهم ويستخلفكم فيها، فإن الله يورث أرضه من يشاء من عباده = ﴿والعاقبة للمتقين﴾، يقول: والعاقبة المحمودة لمن اتقى الله وراقبه، فخافه باجتناب معاصيه وأدَّى فرائضه. (1)
حواشي المحقّق (1)
- (1)انظر تفسير ((العاقبة)) فيما سلف: ص ١٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.
قَالُوٓا۟ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنۢ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا تَمَالَأَ عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ وَمَلَؤُهُ، وَمَا أَظْهَرُوهُ (1) لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَوْمِهِ مِنَ الْأَذَى وَالْبِغْضَةِ: ﴿وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ أَيْ: لِفِرْعَوْنَ ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ﴾ أَيْ: أَتَدَعُهُمْ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ، أَيْ: يُفْسِدُوا أَهْلَ رَعَيَّتِكَ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّهِمْ دُونَكَ، يَالَلَّهِ لِلْعَجَبِ! صَارَ (2) هَؤُلَاءِ يُشْفِقُونَ مِنْ إِفْسَادِ مُوسَى وَقَوْمِهِ! أَلَا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ هُمُ الْمُفْسِدُونَ، وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: "الْوَاوُ" هُنَا حَالِيَّةٌ، أَيْ: أَتَذِرُهُ وَقَوْمَهُ يُفْسِدُونَ وَقَدْ تَرَكَ عبادتك؟ وَقَرَأَ ذَلِكَ أُبيّ بْنُ كَعْبٍ: "وَقَدْ تَرَكُوكَ أَنْ يَعْبُدُوكَ وَآلِهَتَكَ"، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ عَاطِفَةٌ، أَيْ: لَا تَدَعْ مُوسَى يَصْنَعُ هُوَ وَقَوْمُهُ مِنَ الْفَسَادِ مَا قَدْ أَقْرَرْتَهُمْ (3) عَلَيْهِ وَعَلَى تَرْكِهِ آلِهَتَكَ.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "إِلَاهَتَكَ" أَيْ: عِبَادَتَكَ، ورُوي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ.
وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ لِفِرْعَوْنَ إِلَهٌ يَعْبُدُهُ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ لِفِرْعَوْنَ إِلَهٌ يَعْبُدُهُ فِي السِّرِّ. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: كَانَ لَهُ (4) جُمَانة فِي عُنُقِهِ مُعَلَّقَةٌ يَسْجُدُ لَهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ وَآلِهَتُهُ، فِيمَا زَعَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ، كَانَتِ الْبَقَرُ، كَانُوا إِذَا رَأَوْا بَقَرَةً حَسْنَاءَ أَمَرَهُمْ فِرْعَوْنُ أَنْ يَعْبُدُوهَا، فَلِذَلِكَ أَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا.
فَأَجَابَهُمْ فِرْعَوْنُ فِيمَا سَأَلُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ وَهَذَا أَمْرٌ ثَانٍ بِهَذَا الصَّنِيعِ، وَقَدْ كَانَ نَكَّلَ بِهِمْ بِهِ قَبْلَ وِلَادَةِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَذَرًا مِنْ وُجُودِهِ، فَكَانَ خِلَافَ مَا رَامَهُ وَضِدَّ مَا قَصَدَهُ فِرْعَوْنُ. وَهَكَذَا عُومِلَ فِي صَنِيعِهِ [هَذَا] (5) أَيْضًا، إِنَّمَا أَرَادَ قَهْرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَإِذْلَالَهُمْ، فَجَاءَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ مَا أَرَادَ: نَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَذَلَّهُ، وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ، وَأَغْرَقَهُ وَجُنُودَهُ.
وَلَمَّا صَمَّمَ فِرْعَوْنُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمُسَاءَةِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ وَوَعْدَهُمْ بِالْعَاقِبَةِ، وَأَنَّ الدَّارَ سَتَصِيرُ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ أَيْ: قَدْ جَرَى عَلَيْنَا مِثْلُ مَا رَأَيْتَ مِنَ الْهَوَانِ وَالْإِذْلَالِ مِنْ قَبْلِ مَا جِئْتَ يَا مُوسَى، وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ. فَقَالَ مُنَبِّهًا لَهُمْ عَلَى حَالِهِمُ الْحَاضِرَةِ (6) وَمَا يَصِيرُونَ (7) إِلَيْهِ فِي ثَانِي الْحَالِ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ [وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ] ﴾ (8) وَهَذَا تَحْضِيضٌ لَهُمْ عَلَى الْعَزْمِ عَلَى الشُّكْرِ، عِنْدَ حُلُولِ النِّعَمِ وَزَوَالِ النِّقَمِ.
حواشي المحقّق (8)
- (1)في ك، م، أ: "أضمروه"، وفي د: "أضمروا".
- (2)في أ: "صاروا".
- (3)في أ: "أقررتم".
- (4)في ك، م، أ: "لفرعون".
- (5)زيادة من م، أ.
- (6)في ك، د، م: "الحاضر".
- (7)في د: "يصير".
- (8)زيادة من د، ك، م، وفي هـ: "الآية".
القول في تأويل قوله: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال قوم موسى لموسى، حين قال لهم "استعينوا بالله واصبروا" = ﴿أوذينا﴾ بقتل أبنائنا = ﴿من قبل أن تأتينا﴾، يقول: من قبل أن تأتينا برسالة الله إلينا، لأن فرعون كان يقتل أولادهم الذكور حين أظلَّه زمان موسى على ما قد بينت فيما مضى من كتابنا هذا. (1) وقوله: ﴿ومن بعد ما جئتنا﴾، يقول: ومن بعد ما جئتنا برسالة الله، لأن فرعون لما غلبت سَحرَته، وقال للملأ من قومه ما قال، أراد تجديدَ العذاب عليهم بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم.
وقيل: إن قوم موسى قالوا لموسى ذلك، حين خافوا أن يدركهم فرعون وهم منه هاربون، وقد تراءى الجمعان، فقالوا له: ﴿يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا﴾، كانوا يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا = ﴿ومن بعد ما جئتنا﴾، اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٩٧٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿من قبل أن تأتينا﴾، من قبل إرسال الله إياك وبعده.
١٤٩٧٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٤٩٧٤ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: فلما تراءى الجمعان فنظرت بنو إسرائيل إلى فرعون قد رَدِفهم، (2) قالوا: ﴿إنا لمدركون﴾، وقالوا: ﴿أوذينا من قبل أن تأتينا﴾، كانوا يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا = ﴿ومن بعد ما جئتنا﴾، اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا = إنا لمدركون. (3)
١٤٩٧٥ - حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سار موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فإذا هم برَهَج دوابِّ فرعون، فقالوا: "يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا"، هذا البحر أمامنا وهذا فرعون بمن معه! قال: ﴿عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون﴾.
وقوله: ﴿قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم﴾، يقول جل ثناؤه: قال موسى لقومه: لعل ربكم أن يهلك عدوكم: فرعون وقومه (4) = ﴿ويستخلفكم﴾، يقول: يجعلكم تخلفونهم في أرضهم بعد هلاكهم، لا تخافونهم ولا أحدًا من الناس غيرهم (5) = ﴿فينظر كيف تعملون﴾، يقول: فيرى ربكم ما تعملون بعدهم، من مسارعتكم في طاعته، وتثاقلكم عنها.
حواشي المحقّق (5)
- (1)انظر ما سلف ٢: ٤١ - ٤٨.
- (2)"ردفهم": تبعهم.
- (3)الأثر: ١٤٩٧٤ - هو جزء من خبر طويل فرقه أبو جعفر في مواضع من تفسيره، ورواه في تاريخه ١: ٢١٤.
- (4)انظر تفسير ((عسى)) فيما سلف ١٠: ٤٠٥، تعليق ١، والمراجع هناك.ثم انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٢٥. = وتفسير ((الإهلاك)) فيما سلف من فهارس اللغة (هلك)
- (5)(٢) انظر تفسير ((الاستخلاف)) فيما سلف ١٢: ١٢٦.
نصوص التفسير من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. تفسير سورة الأعرَاف من أولها · تفسير باقي السور