ابن كثير · الطبري

تفسير سورة الأعرَاف — الآيات 117–122

نصّ الآيات ثم تفسير ابن كثير وتفسير الطبري بتمامهما، كلّ نصّ باسم كتابه.

سورة مكيةالجزء 86 آيات
المصادر:تفسير ابن كثير (ت 774هـ)تفسير الطبري (ت 310هـ)عن النصوص وطريقة نقلها

تفسير ابن كثير — تفسير القرآن العظيم، الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ). طبعة دار طيبة بتحقيق سامي بن محمد السلامة، في نسختها الرقمية بمكتبة QUL.

تفسير الطبري — جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ). النسخة الرقمية المحققة بمكتبة QUL، بتعليقات المحقق.

ننقل نصّ الإمامَين بتمامه كما طُبع، بما فيه من الآثار بأسانيدها وتعليقات محقّق الطبعة بين معقوفتين، ولا نتصرّف فيه؛ والحكم على ما فيه من الروايات للمفسّر ومحقّقه، وهو مبيَّن في موضعه.

117

۞ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ

القول في تأويل قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك، فألقاها فاذا هي تلقم وتبتلع ما يسحرون كذبًا وباطلا.

يقال منه: لقفت الشيء فأنا ألقُفُه لَقْفًا ولَقَفَانًا. (1).

=وذلك كالذي:-

١٤٩٤٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: "وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك"، فألقى موسى عصاه، فتحولت حية، فأكلت سحرهم كله.

١٤٩٤٣ - حدثنا عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: فألقى عصاه فإذا هي حية تلقف ما يأفكون= لا تمر بشيء من حبالهم وخُشُبهم التي ألقوها إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا أمرٌ من السماء، وليس هذا بسحر، فخرُّوا سجَّدًا وقالوا: آمنا بربّ العالمين* رب موسى وهارون. (2).

١٤٩٤٤ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أوحى الله إلى موسى: لا تخف، وألق ما في يمينك تلقف ما يأفكون. فألقى عصاه، فأكلت كل حية لهم. فلما رأوا ذلك سجدوا، وقالوا: آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون.

١٤٩٤٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: أوحى الله إليه: أن ألق ما في يمينك! فألقى عصاه من يده، فاستعرضَت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، وهي حيات في عين فرعون وأعين الناس تسعى، فجعلت تلقفها، تبتلعها، حية حية، حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوه. ثم أخذها موسى، فإذا هى عصاه في يده كما كانت، ووقع السحرة سجدًا قالوا: "آمنا برب العالمين رب موسى وهارون. لو كان هذا سحرا ما غلبنا"! (3).

١٤٩٤٦ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي قال، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: أوحى الله إليه: أن ألق عصاك! فألقى عصاه، فاذا هي ثعبان فاغرٌ فاه، فابتلع حبالهم وعصيهم. فألقي السحرة عند ذلك سجّدًا، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنارَ وثوابَ هلهما. (4).

١٤٩٤٧ - (5) حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: "يأفكون" قال: يكذبون.

١٤٩٤٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: "فإذا هي تلقف ما يأفكون"، قال: يكذبون.

١٤٩٤٩ - حدثنا إبراهيم بن المستمر قال، حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا قرة بن خالد السدوسي، عن الحسن: "تلفق ما يأفكون"، قال: حيالهم وعصيهم، تسترطها استراطا. (6).

حواشي المحقّق (6)
  1. (1)انظر معاني القرآن للفراء: ٣٩٠.
  2. (2)هذا تضمين آية "سورة طه": ٧٠.
  3. (3)الأثر: ١٤٩٤٥ - جزء من خبر أبي جعفر في تاريخه ١: ٢١٠، ٢١١، وهو تابع للأثر السالف رقم ١٤٩٤٠.
  4. (4)في المطبوعة والمخطوطة: ((وثواب أهلها)) ، والسياق يقتضي ما أثبت.
  5. (5)أخشى أن يكون سقط قبل هذه الآثار تفسير ((الإفك)) بمعنى الكذب، ولذلك فصلتها عن الآثار التي قبلها.
  6. (6)الأثر: ١٤٩٤٩ - ((إبراهيم بن المستمر الهذلى الناجى العروقى)) ، ثقة.روى عن أبيه ((المستمر)) ، وعن حيان بن هلال، وأبي داود الطيالسي، وأبي عاصم النبيل، وغيرهم. روى عنه الأربعة، وابن خزيمة، وأبو حاتم مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١/١/١٤٠. و ((عثمان بن عمر بن فارس بن لقيط العبدى)) مضى برقم ٥٤٥٨، ٨٣٣٢. و ((سرط الطعام)) ، و ((استرطه)) ، إذا ازدرده، وابتلعه ابتلاعاً سهلا سريعا ً لا غصة فيه.
118

فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

القول في تأويل قوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فظهر الحق وتبين لمن شهده وحضره في أمر موسى، وأنه لله رسول يدعو إلى الحق= "وبطل ما كانوا يعملون"، من إفك السحر وكذبه ومخايله.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٩٥٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: "فوقع الحق"، قال: ظهر.

١٤٩٥١ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن مجاهد في قوله: "فوقع الحق وبطل ما كانوا يعلمون"، قال: ظهر الحق، وذهب الإفك الذي كانوا يعملون.

١٤٩٥٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: "فوقع الحق"، قال: ظهر الحق.

١٤٩٥٣ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "فوقع الحق"، ظهر موسى.

119

فَغُلِبُوا۟ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُوا۟ صَٰغِرِينَ

120

وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ

القول في تأويل قوله: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فغلب موسى فرعون وجموعه= "هنالك"، عند ذلك= "وانقلبوا صاغرين"، يقول: وانصرفوا عن موطنهم ذلك بصغر مقهورين. (1). يقال منه: "صغِرَ الرجل يصْغَر صَغَرًا وصُغْرًا وصَغارًا. (2)

القول في تأويل قوله: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) ﴾

حواشي المحقّق (2)
  1. (1)انظر تفسير ((انقلب)) فيما سلف ٣: ١٦٣ / ٧: ٤١٤ / ١٠: ١٧٠.
  2. (2)انظر تفسير ((صغر)) فيما سلف ١١٢: ٩٦، ٣٣٠.
121

قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

122

رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ الْعَظِيمِ، الَّذِي فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، يَأْمُرُهُ بِأَنْ يُلْقِيَ مَا فِي يَمِينِهِ وَهِيَ عَصَاهُ، ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ أَيْ: تَأْكُلُ ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ أَيْ: مَا يُلْقُونَهُ وَيُوهِمُونَ أَنَّهُ حَقٌّ، وَهُوَ بَاطِلٌ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَجَعَلَتْ لَا تَمُرّ بِشَيْءٍ (1) مِنْ حِبَالِهِمْ وَلَا مِنْ خُشُبهم (2) إِلَّا الْتَقَمَتْهُ، فَعَرَفَتِ السَّحَرَةُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَيْسَ هَذَا بِسِحْرٍ، فَخَرُّوا سُجَّدًا وَقَالُوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: جَعَلَتْ تَبْتَلِعُ (3) تِلْكَ الْحِبَالَ وَالْعِصِيَّ وَاحِدَةً، وَاحِدَةً حَتَّى مَا يُرَى بِالْوَادِي قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ مِمَّا أَلْقَوْا، ثُمَّ أَخَذَهَا مُوسَى فَإِذَا هِيَ عَصًا فِي يَدِهِ كَمَا كَانَتْ، وَوَقَعَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ لَوْ كَانَ هَذَا سَاحِرًا مَا غُلبنا.

وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّة: أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ، فَأَلْقَى عَصَاهُ، فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ فاغرٌ فَاهُ، يَبْتَلِعُ (4) حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ. فَأُلْقِيَ السَّحَرَةَ عِنْدَ ذَلِكَ سُجَّدًا، فَمَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ حَتَّى رَأَوُا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَثَوَابَ أَهْلِهِمَا.

حواشي المحقّق (4)
  1. (1)في أ: "على شيء".
  2. (2)في أ: "عصيهم".
  3. (3)في أ: "تتبع".
  4. (4)في م: "يبلع".

القول في تأويل قوله: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وألقي السحرة عندما عاينوا من عظيم قدرة الله، ساقطين على وجوههم سجَّدًا لربهم، (1) يقولون: "آمنا برب العالمين"، يقولون: صدقنا بما جاءنا به موسى، وأنّ الذي علينا عبادته، هو الذي يملك الجنّ والإنس وجميع الأشياء، وغير ذلك، (2) ويدبر ذلك كله= "رب موسى وهارون"، لا فرعون، كالذي:-

١٤٩٥٤ - حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما رأت السحرة ما رأت، عرفت أن ذلك أمر من السماء وليس بسحر، فخروا سجدًا، (3) وقالوا: "آمنا برب العالمين* رب موسى وهارون".

حواشي المحقّق (3)
  1. (1)انظر تفسير ((سجد)) فيما سلف من فهارس اللغة (سجد) .
  2. (2)انظر تفسير ((العالمين)) فيما سلف من فهارس اللغة (علم) .
  3. (3)في المطبوعة: ((خروا)) بغير فاء، وأثبت ما في المخطوطة.

نصوص التفسير من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. تفسير سورة الأعرَاف من أولها · تفسير باقي السور