تفسير سورة الأعرَاف — الآيات 104–106
نصّ الآيات ثم تفسير ابن كثير وتفسير الطبري بتمامهما، كلّ نصّ باسم كتابه.
المصادر:تفسير ابن كثير (ت 774هـ)تفسير الطبري (ت 310هـ)عن النصوص وطريقة نقلها
تفسير ابن كثير — تفسير القرآن العظيم، الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ). طبعة دار طيبة بتحقيق سامي بن محمد السلامة، في نسختها الرقمية بمكتبة QUL.
تفسير الطبري — جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ). النسخة الرقمية المحققة بمكتبة QUL، بتعليقات المحقق.
ننقل نصّ الإمامَين بتمامه كما طُبع، بما فيه من الآثار بأسانيدها وتعليقات محقّق الطبعة بين معقوفتين، ولا نتصرّف فيه؛ والحكم على ما فيه من الروايات للمفسّر ومحقّقه، وهو مبيَّن في موضعه.
وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرْعَوْنُ إِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ
القول في تأويل قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) ﴾
قال أبوجعفر: يقول جل ثناؤه: وقال موسى لفرعون: يا فرعون إنّي رسول من رب العالمين.
حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ
قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـَٔايَةٍۢ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ مُنَاظَرَةِ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ، وَإِلْجَامِهِ إِيَّاهُ بِالْحُجَّةِ، وَإِظْهَارِهِ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ بِحَضْرَةِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ مِنْ قِبْطِ مِصْرَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: أَرْسَلَنِي الَّذِي هُوَ خالقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ.
﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: حَقِيقٌ بِأَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، أَيْ: جَدِيرٌ بِذَلِكَ وَحَرِيٌّ بِهِ.
وَقَالُوا وَ"الْبَاءُ" وَ"عَلَى" يَتَعَاقَبَانِ، فَيُقَالُ (1) رَمَيْتُ بِالْقَوْسِ" وَ"عَلَى الْقَوْسِ"، وَ"جَاءَ عَلَى حَالٍ حَسَنَةٍ" وَ "بِحَالٍ حَسَنَةٍ".
وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: مَعْنَاهُ: حَرِيصٌ عَلَى أَلَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ.
وَقَرَأَ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: ﴿حَقِيقٌ عَلَيّ﴾ بِمَعْنَى: وَاجِبٌ وَحَقٌّ عَلَيّ ذَلِكَ أَلَّا أُخْبِرَ عَنْهُ إِلَّا بِمَا هُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ، لِمَا أَعْلَمُ مِنْ عِزِّ جَلَالِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ.
﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أَيْ: بِحُجَّةٍ قَاطِعَةٍ مِنَ اللَّهِ، أَعْطَانِيهَا دَلِيلًا عَلَى صِدْقِي فِيمَا (2) جِئْتُكُمْ بِهِ، ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أَيْ: أَطْلِقْهُمْ مِنْ أسْرك وَقَهْرِكَ، وَدَعْهُمْ وَعِبَادَةَ رَبِّكَ وَرَبِّهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ مِنْ سُلَالَةِ نَبِيٍّ كَرِيمٍ إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ: يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ [عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ الرَّحْمَنِ] (3)
﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أَيْ: قَالَ فِرْعَوْنُ: لَسْتُ بِمُصَدِّقِكَ فِيمَا قُلْتَ، وَلَا بِمُطِيعِكَ فِيمَا طَلَبْتَ، فَإِنْ كَانَتْ مَعَكَ حُجَّةٌ فَأَظْهِرْهَا لِنَرَاهَا، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِيمَا ادَّعَيْتَ.
حواشي المحقّق (3)
- (1)في م: "يقال"، وفي أ: "فيقول".
- (2)في د: "ما".
- (3)زيادة من أ.
القول في تأويل قوله: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله: "حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق".
فقرأه جماعة من قراء المكيين والمدنيين والبصرة والكوفة: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ﴾، بإرسال "الياء" من "على"، وترك تشديدها، بمعنى: أنا حقيقٌ بأن لا أقول على الله إلا الحق= فوجهوا معنى "على" إلى معنى "الباء" كما يقال: "رميت بالقوس" و"على القوس"، و"جئت على حال حسنة" و"بحال حسنة". (1).
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: إذا قرئ ذلك كذلك، فمعناه: حريص على أن لا أقول، أو فحق أن لا أقول. (2).
وقرأ ذلك جماعة من أهل المدينة: " حَقِيقٌ عَلَيَّ أَلا أَقُولَ"، بمعنى: واجب عليَّ أن لا أقول، وحق علي أن لا أقول.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القرأة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصوابَ.
وقوله: "قد جئتكم ببينة من ربكم"، يقول: قال موسى لفرعون وملئه: قد جئتكم ببرهان من ربكم، يشهدُ، أيها القوم، على صحة ما أقول، (3) وصدق ما أذكر لكم من إرسال الله إياي إليكم رَسولا فأرسل يا فرعون معي بني إسرائيل. فقال له فرعون: "إن كنت جئت بآية"، يقول: بحجة وعلامة شاهدة على صدق ما تقول (4) = "فأت بها إن كنت من الصادقين".
حواشي المحقّق (4)
- (1)انظر ما سلف ١١: ٣١٧، تعليق: ١، ومعاني القرآن للفراء ١: ٣٨٦.
- (2)مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٢٤، وكان في المطبوعة هنا: ((حريص على أن لا أقول إلا بحق)) ، وفي المخطوطة: ((حريص على أن لا أقول بحق لا أقول)) ، وكلتاهما خطأ، والصواب من مجاز القرآن، فهو نص كلامه.
- (3)انظر تفسير ((البينة)) فيما سلف ١٠: ٢٤٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
- (4)تفسير ((آية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أيى) .
نصوص التفسير من تفسير القرآن العظيم لابن كثير، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. تفسير سورة الأعرَاف من أولها · تفسير باقي السور