أسماء الصحابيات - سيرة أشهر نساء عصر النبي ﷺ
مقدمة
الصحابياتُ هنّ النساءُ اللواتي آمنّ بالنبيِّ محمدٍ ﷺ في حياته، ولقينَه مؤمناتٍ به، ومتنَ على الإسلام. وقد بلَغ عددُهنّ الآلافَ ممّن حفِظَتْ كتبُ التراجمِ أسماءهنّ وأخبارهنّ، فضلًا عمّن لم تُحفظْ أسماؤهنّ. وكان لهنّ حضورٌ عظيمٌ في بناءِ الأمّة تنوَّعَتْ فيه أدوارُهنّ: فمنهنّ العالماتُ والمعلِّماتُ والراوياتُ لحديثِ رسولِ الله ﷺ، ومنهنّ المجاهداتُ والمُمرِّضاتُ في الغزوات، ومنهنّ العاملاتُ في التجارةِ والحِرَف، والأمّهاتُ اللاتي ربَّينَ جيلَ الفتحِ الأوّل. وبهنّ نقَلَتِ الأمّةُ دينَها إلى الأجيالِ اللاحقة، إذ رَوَتِ الصحابياتُ آلافَ الأحاديثِ عن النبيِّ ﷺ. وقد رفع القرآنُ الكريمُ ذكرَهنّ وخاطبهنّ بالإيمانِ والعملِ الصالح، فكنّ نموذجًا للمرأةِ المسلمة. وفي هذه الصفحةِ نستعرضُ مكانةَ الصحابيات في الإسلام، ثم نُعرِّفُ بأشهرِهنّ رضي الله عنهنّ — من أمّهاتِ المؤمنين وبناتِ النبيِّ ﷺ، إلى عشرٍ من خالداتِ الصحابيات — مستندين إلى ما ثبت في القرآنِ الكريمِ وصحيحِ السنّةِ وكتبِ التراجمِ المعتبرة.
مكانة الصحابيات في الإسلام
رفع الإسلامُ قدرَ المرأةِ وساوى بينها وبين الرجلِ في أصلِ التكليفِ والجزاء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ... أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]. وأنزل الله في بيعتِهنّ آيةً مستقلّة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ...﴾ [الممتحنة: 12]، فبايعنَ النبيَّ ﷺ على الإيمانِ والطاعة. وقد حرص ﷺ على تعليمِهنّ حتى سألنَه أن يجعلَ لهنّ يومًا يعلِّمهنّ فيه، فاستجاب لهنّ، كما ثبت في صحيح البخاري.
ولم يكن دورُ الصحابياتِ مقصورًا على البيت، بل شاركنَ في نقلِ الدين وحفظِه: فكانت عائشةُ رضي الله عنها من أكثرِ الصحابةِ روايةً للحديثِ وأعلمِهم بالفقهِ والتفسير، حتى كان أكابرُ الصحابةِ يسألونها ويأخذون عنها. وحمَلنَ مع سائرِ الصحابياتِ عبءَ التبليغِ والتربية، وربَّينَ جيلًا من العلماءِ والفاتحين. وشاركنَ كذلك في الجهادِ سقايةً للماءِ وتمريضًا للجرحى ومداواةً وحملًا للقتلى، وبذل بعضُهنّ أرواحَهنّ في سبيلِ الله، فكنّ نموذجًا للمرأةِ المسلمةِ العاملةِ لدينِها في كلِّ زمان.
أمّهات المؤمنين: أمّهاتُ كلِّ مؤمن
تزوَّج النبيُّ ﷺ إحدى عشرةَ امرأةً على مدى حياته، تُوفِّيَتْ منهنّ خديجةُ وزينبُ بنتُ خُزيمةَ في حياتِه، ولقِيَ اللهَ عن تسعٍ، وكانت له كذلك ماريةُ القبطيّةُ أمُّ ولدِه إبراهيم. وقد شرَّف الله زوجاتِه بلقبٍ عظيمٍ لم ينلْه غيرُهنّ، فقال سبحانه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]؛ فهنّ أمّهاتُ المؤمنين في التوقيرِ والحرمة، وميَّزهنّ ربُّهنّ فقال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: 32].
وأُولاهنّ خديجةُ بنتُ خويلد رضي الله عنها، أوّلُ زوجاتِه وأوّلُ من آمن به على الإطلاق؛ ثم تزوَّج بعدها بقيّةَ أمّهاتِ المؤمنين، ومنهنّ عائشةُ بنتُ أبي بكر التي صارت من أكثرِ الصحابةِ روايةً للحديثِ وأعلمِهم بالفقهِ والتفسير، وحفصةُ بنتُ عمر، وأمُّ سلمةَ، وزينبُ بنتُ جحشٍ رضي الله عنهنّ جميعًا. وتفصيلُ زوجاتِه ﷺ وترتيبُ زواجِه بهنّ وخصائصُ كلِّ واحدةٍ منهنّ يتطلَّبُ مقالًا منفردًا (اقرأ: أمهات المؤمنين: زوجات النبي ﷺ بالترتيب). وحسبُنا هنا أن نُشيرَ إلى مكانتِهنّ، ثم نُفصِّلَ سيرةَ أُولاهنّ خديجةَ رضي الله عنها ضمنَ الصحابياتِ الخالداتِ في آخرِ المقال.
بناتُ النبيِّ ﷺ الأربع
رُزِق النبيُّ ﷺ أربعَ بناتٍ، كلُّهنّ أدركنَ الإسلامَ وآمنّ وهاجرن، وهنّ على المشهورِ عند أهلِ السِّير مرتَّباتٌ بحسبِ السنّ: زينبُ، ثم رقيّةُ، ثم أمُّ كلثوم، ثم فاطمةُ رضي الله عنهنّ.
- زينبُ بنتُ رسولِ الله ﷺ: كبرى بناتِه، تزوّجها ابنُ خالتها أبو العاصِ بنُ الربيع. أُسِر زوجُها يومَ بدرٍ وهو مشرك، فبعثَتْ في فدائِه بقلادةٍ كانت لأمِّها خديجةَ، فرقَّ لها النبيُّ ﷺ وأطلقَه على أن يُخلّيَ سبيلَها إليه. ثم هاجرَتْ إلى المدينة، وأسلمَ زوجُها بعد ذلك فردَّها النبيُّ ﷺ إليه. توفِّيت في حياتِه ﷺ سنةَ ثمانٍ للهجرة.
- رقيّةُ بنتُ رسولِ الله ﷺ: تزوّجها عثمانُ بنُ عفان رضي الله عنه، وكانا من أوائلِ من هاجرَ في سبيلِ الله؛ هاجرَتْ معه إلى الحبشةِ ثم إلى المدينة. مرِضَتْ زمنَ بدرٍ، فتخلَّف عثمانُ عن الغزوةِ بأمرِ النبيِّ ﷺ لتمريضِها وضرَب له بسهمِه وأجرِه، وتوفِّيت والمسلمون في المعركة.
- أمُّ كلثومَ بنتُ رسولِ الله ﷺ: زوَّجها النبيُّ ﷺ من عثمانَ بعد وفاةِ أختِها رقيّة، ولذلك لُقِّب عثمانُ بـذي النُّورَين؛ لأنه تزوّج ابنتَي النبيِّ ﷺ. توفِّيت سنةَ تسعٍ للهجرة، ولم يبقَ للنبيِّ ﷺ بعدها من بناتِه إلا فاطمة.
- فاطمةُ بنتُ رسولِ الله ﷺ: صغرى بناتِه وأحبُّهنّ إليه، سيّدةُ نساءِ أهلِ الجنّة، زوجةُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأمُّ الحسنِ والحسين، وسيأتي تفصيلُ سيرتِها ضمنَ الصحابياتِ الخالداتِ.
وكانت أُولاهنّ وفاةً رقيّةُ زمنَ بدرٍ (سنةَ اثنتَين للهجرة)، ثم زينبُ (سنةَ ثمانٍ)، ثم أمُّ كلثوم (سنةَ تسعٍ)، فلم يبقَ للنبيِّ ﷺ من بناتِه عند وفاتِه إلا فاطمةُ، التي لحِقَتْ به بعد ستّةِ أشهرٍ من وفاتِه (سنةَ إحدى عشرةَ للهجرة)، فكانت أوّلَ أهلِ بيتِه لحوقًا به كما أخبرها. وفي هذا يظهرُ عِظَمُ صبرِ النبيِّ ﷺ، إذ دفنَ في حياتِه ثلاثًا من بناتِه.
عشرُ صحابياتٍ خالدات
1. خديجةُ بنتُ خويلد رضي الله عنها
أوّلُ زوجاتِ النبيِّ ﷺ، وأوّلُ من آمن به من الناسِ جميعًا. ثبَّتَتْه حين نزل الوحيُ فقالت كلمتَها المشهورة: «كلّا واللهِ لا يُخزيك اللهُ أبدًا؛ إنّك لتصِلُ الرحمَ، وتحملُ الكَلّ، وتكسبُ المعدوم، وتُقري الضيف، وتُعينُ على نوائبِ الحق»، وواسَتْه بمالِها ونفسِها. وهي أمُّ أكثرِ أولادِه ﷺ. قال النبيُّ ﷺ: «خيرُ نسائها مريمُ بنتُ عمران، وخيرُ نسائها خديجةُ بنتُ خويلد» (رواه البخاري 3815)، وبشَّرها ربُّها على لسانِ جبريلَ ببيتٍ في الجنّةِ من قصبٍ لا صخبَ فيه ولا نصَب (رواه البخاري 3820). توفِّيت قبل الهجرةِ في العامِ المعروفِ بـعامِ الحزن، فحزِن عليها النبيُّ ﷺ حزنًا شديدًا وظلَّ يذكرُها ويُثني عليها بعد وفاتِها.
2. فاطمةُ بنتُ محمد ﷺ رضي الله عنها
صغرى بناتِه وأشبهُهنّ به هديًا وسمتًا. تزوّجها عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه، فكانت أمَّ الحسنِ والحسينِ سِبطَي النبيِّ ﷺ سيّدَي شبابِ أهلِ الجنّة. قال عنها ﷺ: «فاطمةُ سيّدةُ نساءِ أهلِ الجنّة» (رواه البخاري 3624)، وقال: «فاطمةُ بَضعةٌ منّي، فمن أغضبها أغضبني» (رواه البخاري 3714). وكان يُحبُّها ويُكرمها، وكانت إذا دخلَتْ عليه قام إليها فأخذ بيدِها وأجلسها في مجلسِه. وهي أوّلُ أهلِ بيتِه لحوقًا به بعد وفاتِه ﷺ، إذ توفِّيت بعده بأشهرٍ يسيرة كما أخبرها ﷺ فرضِيَتْ.
3. فاطمةُ بنتُ الخطاب رضي الله عنها
أختُ عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه، وزوجُ سعيدِ بنِ زيدٍ أحدِ العشرةِ المبشَّرين بالجنّة. أسلمَتْ مبكرًا هي وزوجُها، وكانت ثباتُها سببًا في إسلامِ أخيها عمر؛ فقد ذُكِر في السِّير أنه خرج متوشِّحًا سيفَه يريدُ النبيَّ ﷺ، فدُلَّ على إسلامِ أختِه، فدخل عليها وعندها صحيفةٌ فيها صدرُ سورةِ طه، فلمّا رام أخذَها منعَتْه حتى اغتسل، ثم قرأها فلانَ قلبُه، فانطلق إلى النبيِّ ﷺ فأسلم، فكان إسلامُه عزًّا للمسلمين. وموقفُها في الثباتِ على الدينِ وصبرِها على أذى قومِها من أعظمِ ما تُذكرُ به الصحابيات.
4. أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ «ذاتُ النِّطاقَين» رضي الله عنها
بنتُ الصدّيقِ، وأختُ أمِّ المؤمنين عائشةَ لأبيها، وأمُّ عبدِ الله بنِ الزبير — أوّلِ مولودٍ في الإسلامِ بالمدينةِ بعد الهجرة — وعروةَ بنِ الزبير أحدِ الفقهاءِ السبعة. لُقِّبت بـذاتِ النِّطاقَين لأنها شقَّت نطاقَها (حزامَها) نصفَين ليلةَ الهجرة: ربطَتْ بأحدِهما سُفرةَ النبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وزادَهما في الغار، وانتطقَتْ بالآخر، كما ثبت في صحيح البخاري (3905). عاشت قرابةَ مئةِ سنة، وثبَتَتْ على الحقِّ حتى آخرِ عمرِها، وكان آخرُ مواقفِها ثباتَها لمّا قُتِل ابنُها عبدُ الله على يدِ الحجّاج، فما وهَنَتْ ولا استكانت. وتوفِّيت سنةَ ثلاثٍ وسبعين للهجرة بعد مقتلِه بأيامٍ يسيرة.
5. صفيّةُ بنتُ عبدِ المطلب رضي الله عنها
عمّةُ النبيِّ ﷺ، وأختُ حمزةَ بنِ عبدِ المطلبِ سيّدِ الشهداءِ أسدِ الله، وأمُّ الزبيرِ بنِ العوّامِ حواريِّ رسولِ الله ﷺ وأحدِ العشرةِ المبشَّرين. أسلمَتْ وهاجرت، وثبَتَتْ يومَ أُحدٍ حين جاءت تلتمسُ أخاها حمزةَ، فأمر النبيُّ ﷺ ابنَها الزبيرَ أن يستقبلَها ليصرفها عن رؤيةِ ما مُثِّل بجسدِ أخيها، فصبَرَتْ واحتسبَتْ واسترجعَتْ. جمَعَتْ بين شرفِ النسبِ وصدقِ الإيمان، فكانت من نساءِ بني هاشمٍ الخالدات.
6. نسيبةُ بنتُ كعب «أمُّ عمارة» رضي الله عنها
من الأنصارِ من بني مازنِ بنِ النجار، وإحدى المرأتَين اللتَين شهِدتا بيعةَ العقبة فبايعتا النبيَّ ﷺ مع السبعينَ من الأنصار. اشتهرَتْ بدفاعِها عن النبيِّ ﷺ يومَ أُحد حين انكشف عنه بعضُ المقاتلين، فثبتَتْ تذبُّ عنه بسيفِها وقوسِها وتتلقّى النَّبلَ دونه حتى جُرِحَتْ جراحاتٍ كثيرة، وأثنى عليها النبيُّ ﷺ فقال: «لَمقامُ نسيبةَ بنتِ كعبٍ اليومَ خيرٌ من مقامِ فلانٍ وفلان». وشهِدَتْ كذلك الحديبيةَ وحُنينًا. ثم شهِدَتْ حروبَ الرِّدّةِ يومَ اليمامة في خلافةِ أبي بكر، فقاتلَتْ حتى جُرِحَتْ اثنتَي عشرةَ جراحةً وقُطِعَتْ يدُها، وقُتِل ابنُها حبيبٌ على يدِ مسيلمةَ الكذّاب، فصبَرَتْ واحتسبَتْ رضي الله عنها، فكانت مثالَ المجاهدةِ الصابرة.
7. الشِّفاءُ بنتُ عبدِ الله العدويّة رضي الله عنها
قيل إنّ اسمَها ليلى، و«الشِّفاء» لقبٌ غلَب عليها. من قريشٍ من بني عديٍّ رهطِ عمرَ بنِ الخطاب، أسلمَتْ قديمًا قبل الهجرة وبايعَتْ وهاجرت. كانت من قلائلِ النساءِ اللواتي يُحسنَّ الكتابةَ في زمانٍ عزَّتْ فيه الكتابةُ حتى في الرجال، فعلَّمَتْ أمَّ المؤمنين حفصةَ بنتَ عمر رضي الله عنها الكتابة، فتُعدُّ من أوائلِ معلِّماتِ الإسلام. وكانت تَرقي من بعضِ الأمراضِ برُقيةٍ سليمةٍ من الشرك، فأقرَّها النبيُّ ﷺ عليها وقال لها: «علِّميها حفصةَ كما علَّمتِها الكتابة» (رواه أبو داود 3887، وصحّحه الألباني). فجمَعَتْ بين العلمِ والتعليمِ والرحمةِ بالناس، وكان النبيُّ ﷺ يزورُها ويُكرمُها.
8. أمُّ سُلَيمٍ بنتُ مِلحان رضي الله عنها
من فُضلياتِ نساءِ الأنصار، وأمُّ خادمِ النبيِّ ﷺ أنسِ بنِ مالك. أسلمَتْ مبكرًا، ولمّا خطبها أبو طلحةَ الأنصاريُّ وهو مشركٌ أبَتْ إلا أن يكونَ مهرُها إسلامَه، فأسلم، فكان مهرَها؛ وقد رُوي ذلك في سنن النسائي (3341، وصحّحه الألباني) وغيرِه، وقيل: ما بلَغنا عن امرأةٍ كان مهرُها أكرمَ من إسلامِ أبي طلحة. وعُرِفَتْ بالعقلِ الراجحِ والصبرِ العجيب، حتى ضربَتِ السنّةُ بصبرِها المثلَ يومَ ماتَ ابنُها فكتمَتْ موتَه عن أبيه حتى بشَّرَتْه، فدعا لهما النبيُّ ﷺ بالبركة (متّفقٌ عليه؛ البخاري 1301 ومسلم 2144). وشهِدَتْ حُنينًا ومعها خنجرٌ تتأهَّبُ به للدفاع. فكانت مثالًا للمرأةِ التي قدَّمَتْ دينَها على الدنيا.
9. الرُّبيِّعُ بنتُ مُعوِّذ رضي الله عنها
صحابيّةٌ من الأنصار، وابنةُ مُعوِّذِ بنِ عفراءَ أحدِ من شارك في قتلِ أبي جهلٍ يومَ بدر. بايعَتِ النبيَّ ﷺ، وشهِدَتْ بعضَ الغزواتِ مع المسلمين تَسقي القومَ وتُداوي الجرحى وتردُّ القتلى والجرحى إلى المدينة. روَتْ عن النبيِّ ﷺ أحاديثَ في صفةِ وضوئِه وفي أحكامِ النساء، ومنها حديثُها المشهورُ في صحيح البخاري (4001) حين دخل عليها النبيُّ ﷺ صبيحةَ عرسِها. فكانت من راوياتِ السنّةِ الحافظاتِ لها.
10. أمُّ عطيّةَ نُسيبةُ بنتُ الحارث رضي الله عنها
من صحابياتِ الأنصارِ الجليلات، اشتهرَتْ بأنها ممّن غسَّلَ إحدى بناتِ النبيِّ ﷺ حين توفِّيت، وأرشدهنّ النبيُّ ﷺ فقال: «اغسِلنَها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثرَ من ذلك... واجعلنَ في الآخرةِ كافورًا» (رواه البخاري 1253). وذكرَتْ أنها غزَتْ مع النبيِّ ﷺ سبعَ غزواتٍ تخلُفُهم في رِحالهم وتصنعُ لهم الطعامَ وتُداوي الجرحى وتقومُ على المرضى (رواه مسلم 1812). وروَتْ أحاديثَ في أحكامِ العيدِ وخروجِ النساءِ إليه، وفي الإحدادِ على الميّت، فحفِظَتْ للأمّةِ جملةً من فقهِ النساء.
الدروسُ المستفادة
في سِيَرِ هؤلاءِ الصحابياتِ دروسٌ خالدةٌ للمرأةِ المسلمةِ في كلِّ زمان، نُجملُها في خمسٍ:
- مكانةُ المرأةِ في الإسلام: كرَّمها الإسلامُ وجعلها شقيقةَ الرجلِ في التكليفِ والأجر، وأنزل الله في شأنِها آياتٍ، وشرَّف أمّهاتِ المؤمنين بأن جعلهنّ أمّهاتٍ لكلِّ مؤمن.
- المرأةُ والعلم: كانت عائشةُ رضي الله عنها مرجعًا للصحابةِ في الفقهِ والحديث، ورَوَتِ الصحابياتُ كأمِّ عطيّةَ والرُّبيِّعِ سُنّةَ النبيِّ ﷺ فحفِظنَها للأمّة؛ فالعلمُ ميدانٌ رحبٌ للمرأة.
- المرأةُ والجهادُ والتضحية: ثبَتَتْ نسيبةُ (أمُّ عمارة) تذبُّ عن النبيِّ ﷺ يومَ أُحد، وخرجَتْ أمُّ عطيّةَ في سبعِ غزواتٍ تُداوي الجرحى؛ فللمرأةِ نصيبٌ من بذلِ النفسِ في سبيلِ الله.
- المرأةُ والدعوةُ والتعليم: علَّمَتِ الشِّفاءُ بنتُ عبدِ الله الكتابةَ والقراءةَ في زمنِ نُدرةِ الكاتبين، فكانت من أوائلِ معلِّماتِ الإسلام، وثبَتَتْ فاطمةُ بنتُ الخطابِ على دينِها فكانت سببًا في هدايةِ عمر.
- المرأةُ والتربية: ربَّتِ الصحابياتُ خيرَ جيلٍ عرَفَتْه البشرية؛ فأمُّ سُليمٍ أمُّ أنسِ خادمِ النبيِّ ﷺ، وأسماءُ أمُّ عبدِ الله بنِ الزبير، وصفيّةُ أمُّ الزبيرِ الحواريّ؛ فصلاحُ الأمّةِ يبدأُ من حِجرِ الأمّهات.
رضي الله عنهنّ وأرضاهنّ، وجعلهنّ قدوةً لنساءِ الأمّةِ إلى يومِ الدين.
اقرأ أيضًا
- العالِمات في الإسلام: عائشة وأم سلمة والشِّفاء وأخريات
- بداية الدعوة الإسلامية والسابقون الأولون
- مولد النبي محمد ﷺ ونسبه الشريف
المصادر
القرآن الكريم:
الأحاديث (كلها صحيحة، مع أرقامها على sunnah.com):
- «خيرُ نسائها خديجةُ بنتُ خويلد» — صحيح البخاري 3815 · sunnah.com/bukhari:3815
- بشارةُ خديجةَ ببيتٍ من قصبٍ في الجنّة — صحيح البخاري 3820 · sunnah.com/bukhari:3820
- «فاطمةُ سيّدةُ نساءِ أهلِ الجنّة» — صحيح البخاري 3624 · sunnah.com/bukhari:3624
- «فاطمةُ بَضعةٌ منّي...» — صحيح البخاري 3714 · sunnah.com/bukhari:3714
- قصّةُ أسماءَ «ذاتِ النِّطاقَين» في الهجرة — صحيح البخاري 3905 · sunnah.com/bukhari:3905
- تعليمُ الشِّفاءِ حفصةَ ورقيةُ النملة — سنن أبي داود 3887 (صحّحه الألباني) · sunnah.com/abudawud:3887
- مهرُ أمِّ سُليمٍ إسلامُ أبي طلحة — سنن النسائي 3341 (صحّحه الألباني) · sunnah.com/nasai:3341
- صبرُ أمِّ سُليمٍ عند موتِ ابنِها ودعاءُ النبيِّ ﷺ — متّفقٌ عليه: البخاري 1301 · sunnah.com/bukhari:1301، ومسلم 2144 · sunnah.com/muslim:2144
- إرشادُ أمِّ عطيّةَ في غسلِ بنتِ النبيِّ ﷺ — صحيح البخاري 1253 · sunnah.com/bukhari:1253
- غزوُ أمِّ عطيّةَ سبعَ غزوات — صحيح مسلم 1812 · sunnah.com/muslim:1812
- حديثُ الرُّبيِّعِ بنتِ مُعوِّذٍ صبيحةَ عرسِها — صحيح البخاري 4001 · sunnah.com/bukhari:4001
كتب التراجم والسِّيَر:
- الإصابة في تمييز الصحابة — ابن حجر العسقلاني
- أسد الغابة في معرفة الصحابة — ابن الأثير
- الطبقات الكبرى — ابن سعد
- سير أعلام النبلاء — الذهبي
ما ورد بصيغةِ «قيل / ذُكِر في السِّير» فهو من التفاصيلِ التاريخيّةِ التي أوردَها أهلُ السِّيَر، وليس كلُّها بدرجةِ الصحيحِ المسنَد؛ ومنها قصّةُ إسلامِ عمرَ بسببِ أختِه، ونحوُها.
إخلاء مسؤولية
هذا المقالُ لأغراضٍ تعليميّةٍ وتعريفيّة، مبنيٌّ على ما ثبت في القرآنِ والسنّةِ الصحيحةِ وكتبِ التراجمِ المعتبرة. وما كان من التفاصيلِ التاريخيّةِ محلَّ خلافٍ أو غيرَ مقطوعٍ به أشَرْنا إليه بصيغةِ التمريضِ («قيل / ذُكِر»)، والتواريخُ التقريبيّةُ مبنيّةٌ على أقوالِ أهلِ السِّير. ونسألُ الله أن ينفعَ به، والله أعلم.
لا تفوت أذكارك اليومية
حمّل تطبيق أذكار المسلم مجاناً واحصل على تنبيهات الأذكار، مواقيت الصلاة، والمسبحة الرقمية في هاتفك. تصفح بدون إنترنت!