السيرة النبوية

بداية الدعوة الإسلامية: السابقون الأولون والدعوة على الصفا

مصطفى بوقالي
صورة توضيحية لمقال: بداية الدعوة الإسلامية: السابقون الأولون والدعوة على الصفا

مقدمة

بعد أن نزل الوحيُ على النبيِّ ﷺ في غار حراء، بدأَتْ رحلةُ الدعوةِ إلى الله. وفي هذه الصفحة نعرضُ بدايةَ الدعوةِ الإسلامية: مرحلتَها السريةَ والسابقين الأولين إلى الإسلام، ثم الأمرَ بإنذارِ العشيرة، والدعوةَ الجهريةَ على الصفا، وموقفَ قريشٍ ونزولَ سورةِ المسد — مستندين إلى ما ثبت في القرآن الكريم وصحيح البخاري.

الدعوة السرية والسابقون الأولون

بدأ النبيُّ ﷺ دعوتَه سرًّا في أوَّلِ أمرِه، يدعو من يثقُ بهم من أهلِه وأصحابِه، فاستجاب له نفَرٌ صاروا أوَّلَ من دخل في الإسلام. والمشهورُ عند أهل السِّيَر أنَّ أوَّلَ من آمن من الناس خديجةُ بنتُ خويلد رضي الله عنها، وأوَّلَ من آمن من الرجالِ الأحرارِ أبو بكرٍ الصدِّيق، ومن الصبيانِ عليُّ بنُ أبي طالب، ومن الموالي زيدُ بنُ حارثة رضي الله عنهم. وقد اختلف أهلُ العلم في ترتيبِ بعضِهم، والأمرُ في ذلك واسعٌ؛ فكلُّهم من السابقين الأوَّلين الذين أثنى اللهُ عليهم. واستمرَّت هذه المرحلةُ السريةُ نحو ثلاثِ سنين على المشهور عند أهل السِّيَر، استَعَدَّ فيها نواةُ المؤمنين الأوائلِ لمواجهةِ ما سيأتي من تحدِّيات، قبل أن يُؤمَرَ ﷺ بالجهر.

الأمر بإنذار العشيرة

ثم أمر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يبدأ بإنذارِ أقربِ الناس إليه، فقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. وكان من حكمةِ الدعوة أن تبدأ بالأقربين؛ فجمَع ﷺ عشيرتَه ودعاهم إلى الله، تمهيدًا للدعوةِ العامة.

الدعوة الجهرية على الصفا

ثم نزل الأمرُ بالجهرِ بالدعوة: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]. فصعِد النبيُّ ﷺ الصفا، ونادى بطونَ قريشٍ حتى اجتمعوا إليه، ثم قال لهم: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ» — أي أتُصدِّقونني؟ — فأجابوه: «مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا». فقال ﷺ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» — رواه البخاري (٤٧٧٠). فاحتجَّ عليهم بصدقِه الذي يعرفونه، ليدلَّهم على صدقِ نذارتِه لهم.

موقف قريش ونزول سورة المسد

فلمَّا سمِع أبو لهبٍ — عمُّ النبيِّ ﷺ — هذه الدعوةَ، ردَّها وكذَّبها وقال: «تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ». فأنزل اللهُ تعالى ردًّا مباشرًا في شأنِه سورةً كاملةً تُتلى إلى يوم القيامة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ۝ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ۝ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ۝ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ۝ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ [المسد: ١–٥]. وامرأتُه المذكورةُ في السورة هي أمُّ جميلٍ بنتُ حرب. ومن دلائلِ إعجازِ هذه السورة أنَّ الله سبحانه ذكر أبا لهبٍ بكنيتِه المشهورةِ بين الناس، وكان اسمُه الحقيقيُّ عبدَ العزَّى، فدلَّ ذلك على علمِ الله بحالِه وأحوالِ قومِه. وفي نزولِ هذه السورة دلالةٌ ظاهرةٌ على أنَّ القرآنَ كان يتنزَّلُ بالردِّ على مواقفِ المعاندين في حينها.

ثبات السابقين على الأذى

ولمَّا جهَر النبيُّ ﷺ بالدعوة، اشتدَّ موقفُ قريشٍ منه ومن أصحابِه، فتعرَّض السابقون الأوَّلون لأنواعٍ من الأذى، فثبتوا على إيمانهم وصبروا على ما أصابهم في سبيل الله. وتفاصيلُ ما لقُوه مبسوطةٌ في كتب السيرة وكتب التراجم. وكان ثباتُهم في مواجهةِ البطشِ من أعظمِ ما يدلُّ على صدقِ إيمانهم ويقينِهم بما عند الله.

الدروس المستفادة

  • الحكمةُ في التدرُّج: بدأَتِ الدعوةُ سرًّا ثم جهرًا، وفي مراعاةِ المراحل حكمةٌ بالغة.
  • الصدقُ حُجَّة: احتجَّ النبيُّ ﷺ على قومِه بصدقِه الذي عرفوه، فالأخلاقُ سندٌ للدعوة.
  • الصبرُ على الأذى: ثباتُ السابقين الأوَّلين قدوةٌ في احتمالِ المشاقِّ في سبيل الحق.
  • ربّانيةُ الوحي: نزولُ سورةِ المسد ردًّا مباشرًا يكشِفُ أنَّ هذا القرآنَ من عند الله.

الأسئلة الشائعة

من أول من آمن بالنبي ﷺ؟ المشهورُ عند أهل السِّيَر أنَّ أوَّلَ من آمن خديجةُ رضي الله عنها، وأوَّلَ الرجالِ الأحرارِ أبو بكر، وأوَّلَ الصبيانِ عليٌّ، وأوَّلَ الموالي زيدُ بنُ حارثة، وقد اختُلف في الترتيب.

ما الفرق بين الدعوة السرية والجهرية؟ بدأَتِ الدعوةُ سرًّا بدعوةِ المقرَّبين، ثم أُمِر ﷺ بالجهرِ بقوله تعالى ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾، فأعلنها على الصفا.

ماذا قال النبي ﷺ على الصفا؟ نادى قريشًا وقال: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي…»، ثم قال: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» (رواه البخاري ٤٧٧٠).

لماذا عارضت قريش الدعوة؟ خوفًا على مكانتهم وموروثِهم وما ألِفوه؛ وكان من أشدِّهم عداوةً أبو لهب، فنزلت فيه سورةُ المسد.

من هم السابقون الأولون؟ هم أوائلُ من آمن بالنبيِّ ﷺ كخديجةَ وأبي بكرٍ وعليٍّ وزيدٍ ومن تبِعهم، وهم الذين أثنى اللهُ عليهم في كتابه.

ما سبب نزول سورة المسد؟ نزلَتْ ردًّا على أبي لهبٍ حين كذَّب النبيَّ ﷺ وقال له: «تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ».

كم دامت الدعوة السرية؟ مدةً من السنين قبل الجهر، نحو ثلاث سنين على المشهور عند أهل السِّيَر.

المصادر

  • حديث الدعوة على الصفا — صحيح البخاري (٤٧٧٠): https://sunnah.com/bukhari:4770
  • سورة الشعراء (٢١٤): https://quran.com/26/214
  • سورة الحجر (٩٤): https://quran.com/15/94
  • سورة المسد (١–٥): https://quran.com/111
  • التصنيفُ التاريخي للسابقين الأوَّلين والوقائعُ العامة للدعوة السرية من كتب السيرة المعتمدة (ابن هشام، ابن كثير).

⚠️ تنويه: المحتوى التعليمي مبني على مصادر موثوقة (القرآن، الصحيحين، السنن). المراجع المتاحة للتحقق: sunnah.com و quran.com. للحصول على فتوى شخصية، نوصي بالرجوع لعالم ثقة في بلدك. نسعد بأي تصحيح أو إضافة من العلماء وطلبة العلم.

لا تفوت أذكارك اليومية

حمّل تطبيق أذكار المسلم مجاناً واحصل على تنبيهات الأذكار، مواقيت الصلاة، والمسبحة الرقمية في هاتفك. تصفح بدون إنترنت!

انضم لأكثر من 10,000+ مسلم

أذكار وفوائد أسبوعية

احصل على أفضل الأذكار والمقالات الإسلامية المختارة بعناية، تصل مباشرة إلى بريدك الإلكتروني كل أسبوع.

لا نرسل رسائل مزعجة أبدًا. بإمكانك إلغاء الاشتراك متى شئت.