بداية الوحي ونزول القرآن على النبي محمد ﷺ
مقدمة
يقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وفي هذه الصفحة نعرضُ قصةَ بدايةِ الوحي ونزولِ القرآن على النبيِّ محمدٍ ﷺ كما ثبتَتْ في صحيح البخاري: من تعبُّدِه في غار حراء، إلى نزولِ جبريلَ عليه السلام بأوَّلِ الوحي، وموقفِ خديجةَ رضي الله عنها، وشهادةِ ورقةَ بنِ نوفل، ثم فترةِ الوحي واستئنافِه.
التعبّد في غار حراء
كان النبيُّ ﷺ في الأربعين من عمره (نحو ٦١٠م) حين ابتدأه الوحيُ، وكان ذلك في شهر رمضان على المشهور عند المؤرخين. وقد حُبِّب إليه الخلاءُ قبل البعثة، فكان يخلو بغارِ حراءٍ يتعبَّدُ الليالِيَ ذواتِ العدد قبل أن يرجِعَ إلى أهله. قالت عائشةُ رضي الله عنها في وصفِ ذلك: «وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ» — رواه البخاري (٣). وكانت الرؤيا الصادقة من مبادئِ وحيِه ﷺ في تلك المرحلة.
نزول جبريل بأول الوحي
فبينما هو في الغار جاءه المَلَكُ — وهو جبريلُ عليه السلام — فقال له: «اقْرَأْ»، فقال ﷺ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ». فغطَّه جبريلُ وضمَّه حتى بلغ منه الجهدُ، ثم أرسله، وتكرَّر ذلك ثلاثًا، ثم نزل عليه أوَّلُ ما نزل من القرآن الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١–٥]. والحديثُ في صحيح البخاري (٣).
الرجوع إلى خديجة رضي الله عنها
رجع النبيُّ ﷺ يرجُفُ فؤادُه، فدخل على خديجةَ بنتِ خويلدٍ رضي الله عنها فقال: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي»، فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْعُ، ثم أخبرها الخبرَ وأنه قد خشِيَ على نفسه. فكان جوابُها من أعظمِ المواقفِ ثباتًا وحكمةً، إذ قالت: «كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» — رواه البخاري (٣). فاستدلَّتْ بأخلاقِه ﷺ الكريمة على أنَّ اللهَ لا يخذُلُ صاحبَ هذه الخصال. وكانت رضي الله عنها أوَّلَ من آمن بالنبيِّ ﷺ من الناس، فطمأنَتْه وثبَّتَتْه بحكمتها ورجاحةِ عقلها.
شهادة ورقة بن نوفل
ثم انطلقَتْ به خديجةُ إلى ابنِ عمِّها ورقةَ بنِ نوفل، وكان امرأً قد تنصَّر في الجاهلية وعَلِم من الكتب السابقة، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ. فلما سمِع الخبرَ قال: «هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى» — أي المَلَكُ الذي ينزل بالوحي — ثم قال: «لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ»، وتمنَّى أن تطولَ به الحياةُ لنصرتِه فقال: «يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا»، «وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا». فقال النبيُّ ﷺ متعجِّبًا: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟»، فأخبره ورقةُ أنَّ قومَه سيُخرجونه. ثم «لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ» — رواه البخاري (٣). وفي شهادتِه دلالةٌ على أنَّ ما جاء به النبيُّ ﷺ هو الحقُّ الذي عرفه أهلُ الكتاب الأوَّلون.
فترة الوحي ثم استئنافه
ثم فتَر الوحيُ مدةً من الزمن لم ينزِلْ عليه ﷺ فيها شيء. وقد ثبَت في صحيح البخاري عن جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ رأى المَلَكَ الذي جاءه بحراء، ثم أنزل اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: ١–٢]، فتتابَع الوحيُ بعد ذلك — رواه البخاري (٤). (ونقتصرُ هنا على ما ثبت في الرواية المتَّصلة، دون ما وقع في بعض البلاغات من تفصيلاتٍ لم تثبت بأسانيدَ صحيحة.)
كيف كان ينزل الوحي
وقد سأل الحارثُ بنُ هشامٍ النبيَّ ﷺ: كيف يأتيك الوحيُ؟ فبيَّن ﷺ أنه كان ينزِلُ عليه على أحوال؛ قال: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ» — وهو أشدُّ أحوالِه عليه، فيُفصَمُ عنه وقد وعى ما قِيل — «وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا» فيكلِّمُه فيعي ما يقول — رواه البخاري (٢).
الدروس المستفادة
- صدقُ الطلب: تعبُّدُه ﷺ في الخلاء قبل البعثة يدلُّ على فطرةٍ سليمةٍ تبحثُ عن الحق.
- عِظَمُ الأمانة: وَجَلُه ﷺ عند أوَّلِ الوحي يكشِفُ ثِقَلَ الرسالة وصدقَ حملِه لها.
- منزلةُ خديجة رضي الله عنها: كانت أوَّلَ من آمن، وأعظمَ سندٍ، ثبَّتَتْه بالعقلِ والحكمة.
- القرآنُ عنوانُ العلم: أوَّلُ ما نزل كان ﴿اقْرَأْ﴾ — أمرًا بالقراءة والعلم — فكان العلمُ شعارَ هذه الرسالة.
الأسئلة الشائعة
متى نزل الوحي على النبي ﷺ أول مرة؟ وهو في الأربعين من عمره (نحو ٦١٠م)، في غار حراء، في شهر رمضان على المشهور عند المؤرخين.
ما أول ما نزل من القرآن الكريم؟ أوَّلُ ما نزل صدرُ سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق ١–٥).
أين نزل الوحي أول مرة؟ في غار حراء حيث كان النبيُّ ﷺ يتعبَّدُ ويخلو بنفسه قبل البعثة.
ماذا قال جبريل للنبي ﷺ في أول لقاء؟ قال له: «اقْرَأْ»، فأجاب ﷺ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، فتكرَّر ذلك ثلاثًا، ثم نزلت آياتُ العلق.
ما دور خديجة رضي الله عنها عند بدء الوحي؟ ثبَّتَتْه وطمأنَتْه فقالت: «كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا…»، وكانت أوَّلَ من آمن به، ثم ذهبَتْ به إلى ورقةَ بنِ نوفل.
من هو ورقة بن نوفل؟ ابنُ عمِّ خديجة، تنصَّر في الجاهلية وعَلِم من الكتب السابقة، شهِد أنَّ الذي نزل على النبيِّ ﷺ هو «النَّامُوسُ الذي نزَّل الله على موسى»، وتوفِّي بعد ذلك بقليل.
ما المقصود بفترة الوحي؟ مدةٌ انقطع فيها نزولُ الوحي بعد أوَّلِه، ثم استُؤنِف بنزول ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
المصادر
- حديث بدء الوحي (التحنّث، اقرأ، خديجة، ورقة) — صحيح البخاري (٣): https://sunnah.com/bukhari:3
- صفة نزول الوحي (صلصلة الجرس) — صحيح البخاري (٢): https://sunnah.com/bukhari:2
- فترة الوحي ونزول المدثر — صحيح البخاري (٤): https://sunnah.com/bukhari:4
- سورة العلق (١–٥): https://quran.com/96
- سورة المدثر (١–٢): https://quran.com/74
- سورة البقرة (١٨٥): https://quran.com/2/185
- النصوص التاريخية العامة (سنّ البعثة، شهر رمضان، تعريف ورقة) من كتب السيرة المعتمدة (ابن هشام، ابن كثير).
⚠️ تنويه: المحتوى التعليمي مبني على مصادر موثوقة (القرآن، الصحيحين، السنن). المراجع المتاحة للتحقق: sunnah.com و quran.com. للحصول على فتوى شخصية، نوصي بالرجوع لعالم ثقة في بلدك. نسعد بأي تصحيح أو إضافة من العلماء وطلبة العلم.
لا تفوت أذكارك اليومية
حمّل تطبيق أذكار المسلم مجاناً واحصل على تنبيهات الأذكار، مواقيت الصلاة، والمسبحة الرقمية في هاتفك. تصفح بدون إنترنت!

