المرأة في الإسلام

العالِمات في الإسلام: عائشة وأم سلمة والشِّفاء وأخريات

مصطفى بوقالي
صورة توضيحية لمقال: العالِمات في الإسلام: عائشة وأم سلمة والشِّفاء وأخريات

مقدمة

حرَص الإسلامُ على العلم وجعله منزلةً رفيعةً، ولم يكن ذلك حكرًا على الرجال؛ فقد برزَتْ في تاريخ الإسلام عالِماتٌ من النساء روَينَ الحديثَ، وعلَّمنَ، ورجع إليهنَّ كبارُ العلماء. وفي هذه الصفحة نعرضُ نماذجَ من العالِمات في الإسلام — من الصحابيات كعائشةَ وأمِّ سلمةَ والشِّفاء، إلى من جاء بعدهنَّ — مستندين إلى ما ثبت في القرآن والسنة وما سجَّلَتْه كتبُ التراجم، لنُبيِّن مكانةَ المرأة في طلبِ العلم وتعليمِه.

مكانة طلب العلم في الإسلام

رفَع الإسلامُ منزلةَ العلم وأهلِه، وأمر نبيَّه ﷺ أن يستزيدَ منه، فقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وبيَّن سبحانه فضلَ أهلِ العلم فقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وهذه النصوصُ عامةٌ تشمل الرجالَ والنساءَ جميعًا؛ فالخطابُ بالعلم والتزكيةِ موجَّهٌ للأمة كلها. ولذلك كان للنساء في عصرِ النبوة وما بعده نصيبٌ وافرٌ من العلم: روايةً ودرايةً وتعليمًا، كما تشهدُ به سِيَرُهنَّ.

عائشة رضي الله عنها — الفقيهة المحدّثة

وعلى رأسِ النساء العالمات من الصحابيات السيدةُ عائشةُ بنتُ أبي بكر الصدّيق رضي الله عنها، وكانت من أكثرِ الصحابة روايةً للحديث عن النبي ﷺ، ومن أعلمِهم بالفقه والتفسير وأنسابِ العرب. وكان كبارُ الصحابة يرجعون إليها فيما يُشكِلُ عليهم من مسائل الدين، وعنها أخذ كثيرٌ من التابعين كعروةَ بنِ الزبير ابنِ أختها، والقاسمِ بنِ محمدٍ، ومسروقٍ، وعمرةَ بنتِ عبد الرحمن، فحمَلوا علمَها إلى الأجيال اللاحقة. وقد عاشَتْ رضي الله عنها بعد النبي ﷺ نحوًا من ثمانٍ وأربعين سنة، كانت فيها مرجعًا للأمة في علم النبوة. وفي مكانتها هذه أعظمُ شاهدٍ على أنَّ العلمَ والاجتهادَ لم يكونا يومًا حكرًا على الرجال.

صحابيات عالمات

ولم تكن عائشةُ وحدها؛ فقد كان من أمهات المؤمنين وغيرِهنَّ عالماتٌ فاضلات: فأمُّ سلمةَ رضي الله عنها كانت من فقيهاتِ الصحابة وروَتْ أحاديثَ كثيرة، وحفصةُ بنتُ عمرَ حفِظَتِ القرآنَ وكانت من أهل العلم، وأمُّ عطيةَ الأنصاريةُ روَتْ في أحكام النساء.

ومن أعظمِ العالمات من الصحابيات الشِّفاءُ بنتُ عبد الله العَدَوية رضي الله عنها، وكانت تُحسِنُ الكتابةَ في زمنٍ قَلَّ فيه ذلك حتى بين الرجال، فعلَّمَتْ حفصةَ زوجَ النبي ﷺ الكتابة. وقد أقرَّ النبيُّ ﷺ هذا التعليمَ، ودعا الشِّفاءَ أن تُعلِّم حفصةَ أيضًا رُقيةَ النملة، فقال لها: «أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ» كما علَّمَتْها الكتابةَ — رواه أبو داود (٣٨٨٧) وصحَّحه الألباني. وفي هذا الإقرارِ النبوي دلالةٌ ظاهرةٌ على شرعيةِ تعليمِ المرأة وقيامِها بالتعليم، حتى لأمهاتِ المؤمنين أنفسِهنَّ.

دور النساء في رواية الحديث

كان للنساء دورٌ بارزٌ في حفظِ السنة ونقلِها؛ فقد روَتِ الصحابياتُ عن النبي ﷺ أحاديثَ كثيرةً في العبادات والمعاملات وأحكامِ الأسرة، ونقَلها عنهنَّ التابعون بالأمانةِ نفسِها التي نُقِل بها حديثُ الرجال. ولم يطعَنْ علماءُ الحديث في روايةِ امرأةٍ لكونها امرأة، بل العبرةُ عندهم بالعدالةِ والضبط للرجال والنساء سواء. وبهذا أسهمَتِ النساءُ في حفظِ كثيرٍ من أحكام الدين، لا سيّما ما يتعلَّق بأمورِ البيوت والنساء مما لا يطَّلِعُ عليه غالبًا إلا هنَّ.

عالمات بعد عصر الصحابة

وفي القرون التالية، عُرِفَتْ أسماءٌ علميةٌ نسائيةٌ كثيرة، كالشيخةِ كريمةَ المَرْوزية التي روَتْ صحيحَ البخاري وأخذ عنها كبارُ العلماء، وستِّ الوزراءِ التنوخية التي أخذ عنها الحافظُ ابنُ حجرٍ العسقلاني، وزينبَ بنتِ كمالٍ المقدسية، وعائشةَ الباعونية الشاعرةِ العالمة، وغيرهنَّ كثيراتٍ ممن سُجِّلَتْ سِيَرُهنَّ في كتب التراجم كسِيَرِ أعلام النبلاء للذهبي وطبقاتِ الشافعية للسبكي.

الدروس المستفادة

  • العلمُ خطابٌ للجميع: نصوصُ القرآن في العلم والتزكية عامةٌ لا تخصُّ جنسًا دون آخر.
  • تعليمُ المرأة مشروعٌ ومحمود: أقرَّ النبيُّ ﷺ تعليمَ الشِّفاء لحفصة، تعلُّمًا وتعليمًا.
  • المرأةُ مرجعٌ علمي: كانت عائشةُ رضي الله عنها مرجعًا للأمة عقودًا بعد النبي ﷺ.
  • حفظُ السنةِ شراكة: أسهمَتِ الصحابياتُ في نقلِ الدين بأمانةٍ وضبطٍ كالرجال.

الأسئلة الشائعة

هل شجّع الإسلام تعليم المرأة؟ نعم؛ الخطابُ القرآني بالعلم عامٌّ للرجال والنساء، وأقرَّ النبيُّ ﷺ تعليمَ النساء كما في حديث الشِّفاء (أبو داود ٣٨٨٧).

من أبرز العالمات من الصحابيات؟ عائشةُ وأمُّ سلمةَ وحفصةُ وأمُّ عطيةَ والشِّفاءُ بنتُ عبد الله رضي الله عنهنَّ.

ماذا علّمت الشِّفاء بنت عبد الله؟ علَّمَتْ حفصةَ زوجَ النبي ﷺ الكتابة، وأقرَّ النبيُّ ﷺ ذلك ودعاها لتعليم رُقية النملة (أبو داود ٣٨٨٧، صحيح).

ما مكانة عائشة رضي الله عنها في العلم؟ كانت من أكثرِ الصحابة روايةً وأعلمِهم بالفقه والتفسير، يرجعُ إليها كبارُ الصحابة، وأخذ عنها كبارُ التابعين.

هل روت النساء الحديث النبوي؟ نعم؛ روَتِ الصحابياتُ أحاديثَ كثيرة ونقَلها عنهنَّ التابعون، والعبرةُ في الرواية بالعدالة والضبط لا بالجنس.

هل وُجدت عالمات بعد عصر الصحابة؟ نعم كثيرات، كـكريمةَ المروزية وستِّ الوزراءِ التنوخية وعائشةَ الباعونية، وسِيَرُهنَّ في كتب التراجم.

المصادر

  • حديث تعليم الشِّفاء لحفصة — سنن أبي داود (٣٨٨٧)، صحَّحه الألباني: https://sunnah.com/abudawud:3887
  • سورة طه (١١٤): https://quran.com/20/114
  • سورة الزمر (٩): https://quran.com/39/9
  • سِيَرُ العالمات وتراجمهنَّ من كتب التراجم المعتمدة (سير أعلام النبلاء للذهبي، طبقات الشافعية للسبكي، الإصابة لابن حجر).

⚠️ تنويه: المحتوى التعليمي مبني على مصادر موثوقة (القرآن، الصحيحين، السنن). المراجع المتاحة للتحقق: sunnah.com و quran.com. للحصول على فتوى شخصية، نوصي بالرجوع لعالم ثقة في بلدك. نسعد بأي تصحيح أو إضافة من العلماء وطلبة العلم.

لا تفوت أذكارك اليومية

حمّل تطبيق أذكار المسلم مجاناً واحصل على تنبيهات الأذكار، مواقيت الصلاة، والمسبحة الرقمية في هاتفك. تصفح بدون إنترنت!

انضم لأكثر من 10,000+ مسلم

أذكار وفوائد أسبوعية

احصل على أفضل الأذكار والمقالات الإسلامية المختارة بعناية، تصل مباشرة إلى بريدك الإلكتروني كل أسبوع.

لا نرسل رسائل مزعجة أبدًا. بإمكانك إلغاء الاشتراك متى شئت.