فقه

فضل صيام يوم عاشوراء: تكفير سنة كاملة من الذنوب

آخر تحديث:
مصطفى بوقالي
صورة توضيحية لمقال: فضل صيام يوم عاشوراء: تكفير سنة كاملة من الذنوب

يوم عاشوراء: يوم نجاة موسى عليه السلام

يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر المحرّم، أحد أعظم أيام السنة بركة وفضلاً. سُمّي عاشوراء لأنه عاشر يوم من السنة الهجرية. وقد جاءت السنة الصحيحة بفضل صيامه وعظيم أجره.

قصة عاشوراء

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ. فَقَالَ: «مَا هَذَا؟». قَالُوا: «هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى». فَقَالَ ﷺ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ — رواه البخاري ومسلم.

ففي هذا اليوم العظيم نجّى الله موسى عليه السلام ومن معه من فرعون وجنوده، وأغرق فرعون. فصامه موسى شكراً لله، ثم صامه النبي ﷺ تأكيداً لتلك السنة.

فضل صيام يوم عاشوراء

1. تكفير ذنوب سنة كاملة

قال النبي ﷺ: «صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» — رواه مسلم.

أي يكفّر صغائر الذنوب للسنة الماضية، أما الكبائر فلا بد لها من توبة خاصة. وهذه فضيلة عظيمة، إذ في يوم واحد من الصيام تذهب صغائر سنة كاملة!

2. كان فرضاً قبل رمضان

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ تَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» — متفق عليه.

فقد كان صيام عاشوراء واجباً قبل فرض رمضان، ثم أصبح مستحباً مؤكداً بعد فرض رمضان.

3. حرص النبي ﷺ على صيامه

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ — يَوْمَ عَاشُورَاءَ — وَهَذَا الشَّهْرَ — يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ» — رواه البخاري (٢٠٠٦) ومسلم (١١٣٢).

4. صيامه قبل الإسلام وعند أهل خيبر

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «كَانَ أَهْلُ خَيْبَرَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَتَّخِذُونَهُ عِيدًا، وَيُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيَّهُمْ وَشَارَتَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَصُومُوهُ أَنْتُمْ» — رواه مسلم (١١٣١).

وكانت قريش في الجاهلية تصومه أيضاً، كما في حديث عائشة المتقدم. فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وجد اليهود يصومونه فأقرّ الصيام وأكّده، وعلّل ذلك بقوله: «أنا أحق بموسى منكم». فاجتمع في عاشوراء شرف ثلاثي: شرف نجاة موسى عليه السلام، وشرف موافقة فعل قريش الصالح من بقايا ملة إبراهيم، وشرف تقرير النبي ﷺ صيامه لأمته.

أمر النبي ﷺ المسلمين بصيام عاشوراء

من أوضح الأحاديث في عظم شأن هذا اليوم في صدر الإسلام، حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ: أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ، أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ» — رواه البخاري (١٩٢٤).

ففي هذا الحديث: أن النبي ﷺ أمر منادياً يعلن صيام عاشوراء في الأسواق والطرقات، حتى يصومه من لم يأكل بعد، ويُمسك من أكل بقية يومه. وهذا يدل على شدة عناية النبي ﷺ بهذا اليوم، وعلى أن النية يمكن أن تكون في أثناء النهار في صوم النفل.

وفي رواية الربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله عنها قالت: «أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيَصُمْ» — رواه البخاري (١٩٦٠).

كيف كان الصحابة يحيون عاشوراء؟

أكملت الربيع بنت معوذ رضي الله عنها روايتها فقالت: «فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ» — رواه البخاري (١٩٦٠).

وفي هذا الحديث درس تربوي عظيم في تعويد الأبناء على الصيام منذ الصغر: فكان الصحابة يصوّمون أطفالهم في عاشوراء — وهم ليسوا مكلّفين — ويُلهونهم باللعب المصنوعة من الصوف لينسوا الجوع. وهذا منهج عملي في التربية الإيمانية لا تجده في أي كتاب نظري.

اجعل من عاشوراء فرصة لتدريب أبنائك على الصيام: ابدأ بساعات قليلة، ثم نصف يوم، حتى يصوموا اليوم كاملاً مع كبرهم. واغرس فيهم محبة العبادة بالإلهاء بما يناسبهم لا بالضغط.

هل صيام عاشوراء فرض أم سنة بعد رمضان؟

عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما أنه خطب يوم عاشوراء فقال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» — رواه البخاري (٢٠٠٣) ومسلم (١١٢٩).

فهذا الحديث صريح في أن صيام عاشوراء سُنّة لا فريضة بعد فرض رمضان. والفضل قائم في صيامه لمن استطاع، ولا حرج على من تركه — لكنه فوّت على نفسه أجراً عظيماً.

نية مخالفة اليهود في صيام عاشوراء

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ — إِنْ شَاءَ اللَّهُ — صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ». قَالَ: «فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» — رواه مسلم (١١٣٤).

ففي هذا الحديث علّة إضافة يوم التاسع لصيام عاشوراء، وهي مخالفة اليهود والنصارى الذين يفردون اليوم العاشر بالتعظيم. لكن وفاة النبي ﷺ منعت من تحقيق هذه السنة في فعله المباشر، فبقيت سنة قولية يحرص عليها المسلمون اقتداءً بنيّته الصريحة.

تكفير الذنوب: حدود الفضيلة

مما يلزم بيانه: عبارة «يكفّر السنة التي قبله» في الحديث الشريف ليست عامة في كل الذنوب بإطلاق. قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: «المعنى أنه يكفّر ذنوب صاحبه في السنة الماضية كلها، والمراد بها الصغائر، فإن لم يكن صغائر يُرجى تخفيف الكبائر، فإن لم يكن رُفعت درجاته».

فصاحب الكبائر لا يكتفي بصوم عاشوراء — بل يحتاج توبة نصوحاً مخصوصة بكل كبيرة، مع رد المظالم إن كانت بحقوق العباد. وهذا تأكيد لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ﴾.

كيف يصوم المسلم عاشوراء؟

صيام عاشوراء له ثلاث صور، أفضلها الأولى:

الصورة الأولى (الأكمل): صيام تاسوعاء وعاشوراء

أي صيام 9 و10 محرم معاً. قال ﷺ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» — رواه مسلم.

لكنه ﷺ تُوفي قبل أن يأتي عاشوراء التالي. وقد بيّن العلماء أن الحكمة في إضافة التاسع: مخالفة اليهود الذين يصومون عاشوراء وحده.

الصورة الثانية: صيام عاشوراء وحادي عشر محرم

أي صيام 10 و11 محرم. وهذا أيضاً يحقق المخالفة لليهود.

الصورة الثالثة (المجزئة): صيام عاشوراء وحده

أي صيام 10 محرم فقط. وهذا يحصّل أصل الفضيلة، لكنه أقل من الصورتين السابقتين لما فيه من مشابهة اليهود.

الأكمل: صيام 9 و10 محرم معاً.

أحكام ومسائل في صيام عاشوراء

هل يجوز إفراد عاشوراء بالصيام؟

الأفضل عدم إفراده، بل يُضاف إليه يوم قبله أو بعده، لورود الأمر بمخالفة اليهود. وقال بعض العلماء بكراهة إفراده، وقال آخرون بجوازه مع الأولوية بضم يوم آخر.

من نسي أو لم يستطع الصوم في عاشوراء؟

صيام عاشوراء سُنّة، فمن فاته بلا عذر فلا قضاء عليه ولا إثم. لكنه فاته أجر عظيم.

من كان عليه قضاء من رمضان؟

الأولى أن يقضي ما عليه من رمضان أولاً، ويمكن أن ينوي القضاء وصيام عاشوراء معاً عند بعض العلماء، فيصيب الفضيلتين بنية واحدة.

المرأة الحائض أو النفساء

لا يجوز لها صيام عاشوراء في حال الحيض أو النفاس. ولا تقضيه لأنه سنة وليس فرضاً.

أعمال يوم عاشوراء

1. الصيام (الأهم)

هو أعظم عمل في هذا اليوم.

2. الإكثار من الذكر والدعاء

أكثر من:

راجع أدعية مأثورة ليوم عاشوراء.

3. صلة الأرحام والصدقة

اجعل يوم عاشوراء يوم بر وصدقة وصلة. زر أقاربك أو اتصل بهم. تصدق على فقير. لا تخصه بأنواع صدقات معينة على وجه التعبد، بل اعتبره فرصة عامة لفعل الخير.

4. اجتنب البدع

لا تخصّص هذا اليوم بأعمال لم ترد في السنة، مثل:

  • اللطم والنياحة (وهو من فعل بعض الفرق ولا أصل له في الإسلام)
  • إقامة احتفالات معينة
  • تخصيص أطعمة بعينها على وجه التعبد
  • ادعاء أن من اغتسل أو كحّل عينيه فيه لن يرمد طوال السنة — كل ذلك لا أصل له

إذا وافق عاشوراء يوم السبت أو الجمعة

سؤال يتكرر: هل يصومه إذا وافق يوم سبت أو جمعة منفردين؟

في يوم الجمعة: قال النبي ﷺ: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ يَوْمًا بَعْدَهُ» — رواه البخاري (١٩٨٥) ومسلم (١١٤٤).

في يوم السبت: قال ﷺ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» — رواه أبو داود (٢٤٢١) والترمذي (٧٤٤) وصححه الألباني.

الجمع بين النصوص: لا حرج على الإطلاق في صيام عاشوراء يوم سبت أو جمعة إذا ضممت إليه يوم تاسوعاء (٩ محرم) أو الحادي عشر (١١ محرم)، فإن النهي إنما هو عن إفراد هذين اليومين بصيام تطوع، وأنت لم تفرده، بل صمته متّبعاً للسنة في ضمّ يوم إليه. هذا تحقيق أكثر العلماء.

فإذا كان لديك تردد: اصمه مع يوم قبله أو بعده — تجمع بهذا بين تكفير السنة الماضية وبين مخالفة اليهود وبين الخروج من خلاف العلماء.

ماذا لو لم تستطع الصيام؟

إن لم تستطع الصيام لمرض أو سفر أو حيض، فلا تحرم نفسك من أجر اليوم:

  1. أكثر من ذكر الله والاستغفار
  2. تصدق ولو بشيء يسير
  3. اقرأ القرآن
  4. ادعُ لنفسك وللأمة
  5. انوِ الصيام لو كنت قادراً — والمؤمن يؤجر على نيته

متى يكون يوم عاشوراء هذا العام؟

يوم عاشوراء يوافق العاشر من محرم بالتقويم الهجري. استخدم محول التاريخ الهجري والميلادي لمعرفة موعده بدقة في تقويمك الميلادي. أو راجع العد التنازلي للمناسبات الإسلامية.

اقرأ أيضاً

حمل تطبيق أذكار المسلم

احتفل بيوم عاشوراء على السنة الصحيحة. تطبيق أذكار المسلم يذكرك بمواعيد الصيام التطوعي، ويعرض التاريخ الهجري بدقة، ويوفر أذكار الصباح والمساء كاملة من حصن المسلم — كل ما تحتاج لاغتنام بركات هذا اليوم العظيم.

لا تفوت أذكارك اليومية

حمّل تطبيق أذكار المسلم مجاناً واحصل على تنبيهات الأذكار، مواقيت الصلاة، والمسبحة الرقمية في هاتفك. تصفح بدون إنترنت!

انضم لأكثر من 10,000+ مسلم

أذكار وفوائد أسبوعية

احصل على أفضل الأذكار والمقالات الإسلامية المختارة بعناية، تصل مباشرة إلى بريدك الإلكتروني كل أسبوع.

لا نرسل رسائل مزعجة أبدًا. بإمكانك إلغاء الاشتراك متى شئت.