البخور في الإسلام: أنواعه وحكمه وطريقة استخدامه

🔗 يحتوي هذا المقال على روابط تسويقية، وقد نحصل على عمولةٍ بسيطةٍ عند الشراء من خلالها، دون أيّ تكلفةٍ إضافيةٍ عليك.
البخور من أعرق مظاهر التطيّب في الثقافة العربية والإسلامية، تفوح رائحته في البيوت والمساجد وعند استقبال الضيوف. وقد كثُر حول البخور من الخرافات والمعتقدات الباطلة ما يحتاج إلى تصحيح، فهذا المقال يعرّفك بالبخور وأنواعه وحكمه الشرعي وطريقة استخدامه، مستندًا إلى ما صحّ من السنّة النبوية، ومصحّحًا ما شاع من الأوهام.
ما هو البخور؟
البخور هو الدخان العطر المتصاعد من إحراق الأخشاب العطرية كالعود، والراتنجات والصموغ الطيّبة، فتنتشر رائحته الزكية في المكان. ويُسمّى التبخّر به في لغة العرب الاستجمار، مأخوذًا من «المِجمَر» وهو ما يُوضع فيه الجمر والبخور. وللبخور مكانةٌ خاصّة في المجتمعات العربية والإسلامية، فهو حاضرٌ في المناسبات والأفراح، وفي تعطير البيوت والمساجد، وإكرام الضيف بتبخيره عند قدومه ووداعه. وهو في أصله طِيبٌ يُتنعَّم بحُسن رائحته، لا أكثر من ذلك ولا أقلّ.
البخور والسنّة النبوية
التطيّب والتبخّر من هدي النبي ﷺ، بل ثبت أنه كان يتبخّر بالعود والكافور بنفسه. فعن نافعٍ مولى ابن عمر أن ابن عمر رضي الله عنهما كان «إذا استجمر استجمر بالألُوَّة غير مُطرّاة، وبكافورٍ يطرحه مع الألوّة، ثم قال: هكذا كان يستجمر رسول الله ﷺ» (رواه مسلم). و«الألوّة» هي العود، و«غير مطرّاة» أي غير مخلوطةٍ بغيرها. فهذا نصٌّ صريحٌ في أن التبخّر بالعود من فعله ﷺ.
وكان النبي ﷺ يحبّ الطيب ويكثر منه، قال ﷺ: «حُبِّب إليّ من دنياكم النساءُ والطِّيبُ، وجُعلت قُرّة عيني في الصلاة» (رواه النسائي وأحمد بإسنادٍ صحيح). وكان لا يردّ الطيب إذا أُهدي إليه؛ فعن أنسٍ رضي الله عنه: «أنّ النبيَّ ﷺ كان لا يردّ الطِّيب» (رواه البخاري). بل حثّ على قبوله، فقال ﷺ: «من عُرض عليه رَيحانٌ فلا يردّه، فإنه خفيفُ المَحمِل طيّبُ الريح» (رواه مسلم). فهذه النصوص مجتمعةً تدلّ على أن الطيب والتبخّر من محاسن هذا الدين ومن هديه ﷺ، لا من الكماليات المذمومة.
فالتبخّر والتطيّب إذًا سنّةٌ مستحبّة، من تعبّد بها متأسّيًا بالنبي ﷺ ومحتسبًا الأجر فله ثوابُ الاتّباع، ومن فعلها لمجرّد التنظّف والتجمّل فهو مباحٌ حسن. وليس في السنّة ما يربط البخور بشيءٍ من الغيبيات، وإنما هو طِيبٌ محضٌ يُتنعَّم برائحته.
أنواع البخور
تتعدّد أنواع البخور بحسب مادّته وطريقة تصنيعه، ومن أشهرها:
- العود (الألوّة): خشبٌ عطريٌّ نفيسٌ يُستخرج من أشجارٍ معيّنة، وهو أشرف أنواع البخور وأغلاها ثمنًا، وأجودُه ما اشتدّ سوادُه وثقُل وزنُه ودام أثرُه. وهو الوارد في حديث ابن عمر السابق، وتتفاوت أنواعه ودرجاتُه بتفاوت مصادره وجودته.
- العنبر: مادّةٌ عطريةٌ ذات رائحةٍ دافئةٍ مميّزة، تُخلط غالبًا مع العود فتزيده عمقًا وثباتًا في الرائحة، وهي من الطيب النفيس المعروف قديمًا وحديثًا.
- المسك: من أطيب الطيب على الإطلاق، قال ﷺ: «أطيبُ الطيب المسك» (رواه مسلم)، ويدخل في تركيب كثيرٍ من أنواع البخور والعطور، وقد ذكره الله في وصف نعيم الجنة تنويهًا بطِيب رائحته.
- الصندل: خشبٌ عطريٌّ ذو رائحةٍ هادئةٍ ناعمة، شائعُ الاستعمال في البخور، يُعرف بلطف رائحته وبرودتها، ويُستعمل وحده أو ضمن الخلطات.
- الكافور: مادّةٌ بيضاء عطرةٌ نفّاذة، وقد وردت في حديث ابن عمر مطروحةً مع العود، وله كذلك ذكرٌ في القرآن في وصف شراب أهل الجنة.
- المخلّط (المعجون): بخورٌ مركّبٌ من عدّة موادّ عطرية — كالعود والعنبر والمسك ودهون الطيب — تُعجن معًا لرائحةٍ متكاملةٍ متوازنة، وهو من أكثر الأنواع رواجًا في الأسواق لتنوّع روائحه وسهولة استعماله. وكلُّها من الطيب المباح ما دامت طاهرةً طيّبة الرائحة، لا يحرم منها إلا ما خالطته نجاسةٌ أو مادّةٌ محرّمة، أو صُنع على هيئةٍ فيها تشبّهٌ بأهل الباطل في طقوسهم.
حكم البخور في الإسلام
الأصل في البخور أنه طِيبٌ مباح، بل التبخّر والتطيّب سنّةٌ مستحبّة كما تقدّم. ولا حرج في اقتنائه واستعماله في البيوت والمساجد والمناسبات، وهو من الزينة الطيّبة التي أباحها الله لعباده.
ولكنْ هنا موضعُ التنبيه الأهمّ الذي تكثر فيه الأوهام على المواقع والأسواق: البخور لا يملك بذاته نفعًا ولا ضرًّا. فمن اعتقد أن البخور يطرد الجنّ أو الشياطين، أو يدفع العين والحسد، أو يجلب البركة والرزق والحظّ والزواج، فقد أخطأ خطأً بيّنًا، وقد يقع في محذورٍ عظيمٍ قد يصل إلى الشرك؛ لأنه علّق النفع والضرّ بغير الله. فالضارّ النافع هو الله وحده، ولا تأثير لشيءٍ في الكون بذاته إلا بإذن الله. فليست هذه الأخشاب العطرية إلا رائحةً طيّبةً يُستمتع بها، لا حِصنًا من جنٍّ ولا جالبةً لرزق.
وبيانُ ذلك أن الأسباب التي يُعلَّق بها حصولُ نفعٍ أو دفعُ ضرٍّ نوعان: سببٌ صحيحٌ ثابتٌ بالشرع أو بالتجربة الحسّية المشاهَدة، وسببٌ موهومٌ لا أصل له في شرعٍ ولا حِسّ. والبخور لم يجعله الله سببًا لطرد جنٍّ ولا لجلب رزق، لا في نصوص الوحي ولا في المشاهَدة؛ فاعتقادُ تأثيره في ذلك من تعليق القلب بالأوهام، وهو من الشرك الأصغر إن اعتُقد فيه التأثير مع الله، وقد يعظُم حتى يكون أكبر إن اعتُقد فيه النفع والضرّ استقلالًا أو صُرف له شيءٌ من التعظيم التعبّدي.
وطردُ الشياطين والتحصّن من العين والحسد إنما يكون بـالرقية الشرعية من القرآن والأذكار الثابتة — كآية الكرسي والمعوّذتين وأذكار الصباح والمساء والتعوّذ بكلمات الله التامّات — لا بالبخور ولا بغيره من الأسباب الموهومة. وممّا يُمنع كذلك في باب البخور: الإسراف فيه ومجاوزة الحدّ، أو استعماله في مكانٍ أو مناسبةٍ محرّمة، أو ربطه بطقوسٍ ومعتقداتٍ باطلةٍ كالتي يمارسها بعض الدجّالين والمشعوذين ويوهمون الناس بأثرها. فإذا سلِم البخور من هذه المحاذير بقي على أصله من الإباحة والاستحباب. والله أعلم.
طريقة استخدام البخور: التقليدية والحديثة
وقبل بيان الطريقتين، تنبيهٌ عامٌّ يخصّ كلَّ أنواع التبخير بالفحم والكهرباء معًا: ⚠️ يُنصح بالتهوية الجيّدة عند التبخير، وتجنّب الإكثار منه في الأماكن المغلقة، خاصّةً بحضرة الأطفال أو من يعانون من حساسيةٍ أو أمراضٍ تنفّسيةٍ كالربو.
الطريقة التقليدية (بالفحم)
تقوم على وضع قطعةٍ من الفحم المشتعل في المِبخرة، ثم يُنثر عليها العود أو المعجون فيتصاعد الدخان العطر. وهي طريقةٌ أصيلةٌ جميلة، لكنّ لها عيوبًا حقيقيةً ينبغي ذكرها بإنصاف: فالدخان الكثيف قد يؤذي الصدر، ويضرّ الأطفالَ والمصابين بالربو وضيق التنفّس؛ ووجود الجمر المشتعل يجعل فيها خطر الحريق وحرقِ اليد أو الفرش، لا سيّما مع وجود الأطفال؛ كما يصعب استعمالها في الشقق الصغيرة والمكاتب المغلقة، وليست عمليةً للنقل والسفر.
الطريقة الحديثة (الكهربائية)
ظهرت حديثًا المباخر الكهربائية التي تُسخّن العود أو المعجون بلا جمرٍ ولا لهب، فتكاد تخلو من عيوب الطريقة التقليدية: لا جمرَ مشتعلًا يُخشى منه الحريق، ودخانُها أخفّ، وهي صغيرةٌ سهلة الحمل تصلح للبيت والمكتب والسفر. ومن الخيارات العملية في هذا الباب مِبخرةٌ كهربائيةٌ صغيرةٌ محمولةٌ تعمل عبر منفذ USB، تناسب من أراد التبخّر بيُسرٍ دون دخانٍ كثيفٍ أو جمر، خاصّةً في المنازل التي فيها أطفالٌ أو في أماكن العمل. والاختيار بين الطريقتين راجعٌ إلى ذوق الإنسان وحاجته، وكلاهما مباح.
متى يُستحبّ التبخّر؟
يُستحبّ التطيّب والتبخّر في مواضع، منها:
- يوم الجمعة: فالتطيّب من سنن هذا اليوم العظيم، ثبت في الحديث فضلُ من اغتسل يوم الجمعة و«مسّ من طيب بيته» ثم راح إلى الصلاة (رواه البخاري). واقرأ المزيد عن فضائل يوم الجمعة.
- عند لقاء الناس وإكرام الضيوف: فالرائحة الطيّبة من حسن العشرة وإكرام الجليس.
- في البيت: لتطييبه وإدخال السرور على أهله، وهو من السنن اليومية اللطيفة.
- في المسجد: مع التنبّه إلى النهي عن أكل الثوم والبصل ونحوهما ممّا تُؤذي رائحتُه المصلّين، فالطيب من إكرام بيوت الله. والتطيّب عمومًا من سنن الفطرة والزينة المحمودة في الإسلام.
خلاصة
البخور طِيبٌ مباح، والتبخّر به سنّةٌ ثبتت عن النبي ﷺ الذي كان يستجمر بالعود والكافور. لكنّه لا يطرد جنًّا ولا يجلب رزقًا؛ فمن علّق به نفعًا أو ضرًّا فقد أخطأ، والنافع الضارّ هو الله وحده، والتحصّن يكون بالرقية الشرعية لا بالبخور. فاستمتع برائحته الطيّبة على أنها زينةٌ وطِيب، وابقَ على صحيح المعتقد. والله أعلم.
المصادر
- استجمار ابن عمر بالألوّة والكافور — صحيح مسلم 2254 · sunnah.com/muslim:2254
- «حُبِّب إليّ من دنياكم النساء والطيب» — سنن النسائي 3939 (صحيح) · sunnah.com/nasai:3939
- «كان لا يردّ الطيب» — صحيح البخاري 2582 · sunnah.com/bukhari:2582
- غُسل الجمعة ومسّ الطيب — صحيح البخاري 843 · sunnah.com/bukhari:843
- «أطيب الطيب المسك» — صحيح مسلم · via sunnah.com
⚠️ تنويه: هذا المقال لأغراضٍ تعليميةٍ، مبنيٌّ على ما صحّ من القرآن والسنّة. والرقية الشرعية والتحصّن يكونان بالقرآن والأذكار الثابتة لا بالبخور. وللمسائل الخاصّة يُرجع إلى أهل العلم الموثوقين. نسأل الله النفع، والله أعلم.
لا تفوت أذكارك اليومية
حمّل تطبيق أذكار المسلم مجاناً واحصل على تنبيهات الأذكار، مواقيت الصلاة، والمسبحة الرقمية في هاتفك. تصفح بدون إنترنت!


